الفنانون العرب: تأريخ لروح المنطقة

/ 06-12-2017

الفنانون العرب: تأريخ لروح المنطقة

بيروت، لبنان – يعرض الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) نتاج أول عشر سنوات من نشاطه في بيروت هذا الشهر. يسلط المعرض الذي انطلق بعنوان “كيف لنا أن نعرف حين ينتصر الثوار: مختارات من سجلات الصندوق العربي للثقافة والفنون”، برعاية رشا سلطي، الضوء على الطريقة التي يُمكن للفن من خلالها المحافظة على التاريخ غير المكتوب وغير الرسمي، والانخراط مع الحاضر بطرق دقيقة ومبتكرة، وخلق تصورات بديلة للمستقبل.

يعتبر هذا الصندوق، المعروف باسم آفاق، منظمة مستقلة لتقديم المنح قامت برعاية أكثر من 1,130 مشروع فني على مر السنين. ويدعم الصندوق السينما والتصوير الفوتوغرافي والموسيقى والفنون الأدائية والأدب والبحوث والتدريب.

كتب غسان سلامة، رئيس مجلس أمناء آفاق، في تقديمه للمعرض، “يعتبر تمكين الإنتاج الثقافي المستقل أمر حاسم لإنشاء مجتمعات عربية نابضة بالحياة. كما أن القدرة على تحفيز التفكير النقدي والتعبير أمر مهم.”

بالإضافة إلى دعم عمل الفنانين في المنطقة، تهدف أنشطة آفاق إلى تعزيز توزيع ووصول هذه الأعمال؛ وتقديم التوجيه والدعم للمؤسسات الثقافية؛ وتشجيع البحوث حول الفن والثقافة؛ وإنشاء برامج للأشكال الفنية التي يشهد تطورها قصوراً مثل الكتابة النقدية والإبداعية.

استلهم معرض “كيف لنا أن نعرف حين ينتصر الثوار” عنوانه من مقال لإقبال أحمد نشره عام 1965 في مجلة الأمة انتقد فيه السياسات الأميركية في حرب فيتنام. ويتضمن استخدامه من قبل سلطي اقتراحاً، أو مجرد أمل – أنه وفي ذات اللحظة التي يتعرض فيها المرء للهزيمة والقهر العنيف، فإن المرء سيكون على حافة التغيير الحتمي.

بيت بيروت من الخارج. تصوير: أورسولا ليندسي

تمت استضافة المعرض في بيت بيروت، وهو متحف ومركز ثقافي افتتح مؤخراً في مبنى أنيق هدمته الحرب يعبّر عن ماضي المدينة. شُيّد المبنى، الذي يلتف حول إحدى زوايا المدينة ويضم ممراً مفتوحاً في وسطه، عام 1924، ويُعرف باسم مبنى بركات على اسم الأسرة التي كانت تملكه أول مرة. وبعد أن تم هجر المبنى في بداية الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وقف على خط التماس، وهو ترسيم للحدود بين الفصائل المتحاربة، واستولت عليه الميليشيات والقناصة.

في تسعينيات القرن الماضي، وبعد توقف القتال، اعادت المهندسة المعمارية والناشطة منى الحلاق اكتشاف المبنى المتضرر بشدة وحلمت بترميمه ليكون متحفاً للذاكرة. وأقنعت سلطات المدينة بتملكه بدلاً من السماح للمالكين بهدمه.

وبإعادة افتتاحه هذا العام باسم بيت بيروت، تم تجديد المبنى بشكل جميل وبطريقة تصور تاريخه. وعلى الرغم من إضافة هيكل حديث في الداخل – بما في ذلك قاعة عرض تحت الأرض، وسلالم لولبية، وسطح مراقبة في الأعلى – فإن الواجهة المثقبة والعديد من الغرف تم الابقاء عليها في حالتها التالفة.

تعيد عدد من الأعمال الفنية في معرض آفاق أيضاً “إحياء والحفاظ على ذاكرة معرضة لخطر المحو بالكامل”، بحسب سلطي. ففي تقديمها للمعرض، اقتبست عن جيمس بالدوين وصفه للفنان بأنه “مؤرخ عاطفي وروحي”.

صورة لعائلة بالأبيض والأسود، من بين الأعمال التي تم استردادها في مشروع أرشيف صور ماريو. تصوير: أورسولا ليندسي

فعلى سبيل المثال، يعرض مشروع أرشيف ماريو للصور مطبوعات من آلاف نيجاتيف صور فوتوغرافية تالفة عثرت عليها الحلاق في استوديو مهجور للتصوير الفوتوغرافي في الطابق الأرضي من مبنى بركات. وتأمل الحلاق في أن يتم التعرف على بعض الأشخاص الذين تم استرداد صورهم وإعادة طباعتها. وفي اليوم الذي قمت فيه بزيارة المعرض، قيل لي أن هذا الأمر قد حدث بالفعل – حيث ميّزت امرأة في منتصف العمر صورة لنفسها من فترة طفولتها في اليوم السابق.

يركز مشروع آخر تم عرضه في المعرض على مسرحية منسية بعنوان “المارسييز العربي” تم تقديمها في بيروت لمدة شهر ونصف قبل اندلاع الحرب، ولم تنجُ منها سوى المخطوطة. وشارك الفنان مازن كرباج أبحاثاً يجريها الآن على المسرحية وتاريخها، والتي يخطط لكتابة رواية مصورة عليها.

مشاهدات من الهوامش

لا يساعد الفنانون في إحياء التاريخ الذي تتم تنحيته من الكتب المدرسية أو الذي يتم فقدانه في الصراعات والحفاظ عليه فحسب، فهم يلتقطون بالإضافة الى ذلك أصواتاً ووجهات نظر قد لا تمنح حيزاً كافياً في الخطاب السائد.

يرتكز معرض “كيف لنا أن نعرف حين ينتصر الثوار” إلى حد كبير على العمل الذي أنتجه برنامج التصوير الوثائقي العربي، وهو مشروع عمره ثلاث سنوات حظي بتمويل مشترك من آفاق ومؤسسة الأمير كلاوس في هولندا، بالتعاون مع مؤسسة ماغنوم في نيويورك. واستند هذا البرنامج إلى ملاحظة أنه وعلى الرغم من ازدياد تكرار الصور النمطية والعنيفة عن المنطقة، فإنه لا وجود تقريباً لأي دعم للتصوير الوثائقي الأصلي الذي يتصف بميزة سردية وتحليلية.

ركز المصورون الشباب البالغ عددهم 37 مصوراً والمدعومين من البرنامج على مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك صور الأسر الحزينة والمتألمة من ذوي الطلاب العسكريين العراقيين الذين قتلهم تنظيم الدولة الإسلامية؛ وصورة امرأة يمنية تعيش على بحيرة محمية في جزيرة سقطرى في بحر العرب، وهي تقاوم مصادرة ممتلكاتها؛ والتحامل بين القبائل في الصومال؛ ومعايير الجمال في السودان.

تقول سلطي في تقديمها للمعرض إن الأعمال التي انتجها هؤلاء المصورون الشباب تقدم “تصريحات تتعارض مع تلك السائدة في وسائل الإعلام والأسواق والتي تنشرها السلطات الأحادية الأوتوقراطية”.

في “يمنع منعاً باتاً“، تصور أروى النعيمي نساءً سعوديات في زيارة لمتنزه. وفي عملها “وقّف“، تركز إيمان هلال على التحرش الجنسي في مصر.

وفي “غابة صغيرة في الجهة المقابلة“، يشارك إياد أبو قاسم يوميات مصوّرة تجسد بقاءه في مخيم للاجئين في ألمانيا بعد هجرته من سوريا. وفي “زوّارة الجمعة“، يوثق فيصل الفوزان الظروف المعيشية للعمال المهاجرين في الكويت.

فيما يستكشف مشروع آخر بعنوان “مش عيب” حياة الفنانين في المملكة العربية السعودية. ويصوّر مشروع “ثورة العقل” لمصطفى باسم الشباب المصريين، الذين يواجهون مثله ضغوطاً اجتماعية شديدة ومضايقات عند تبنيهم لوجهات نظر أو أنماط عيش تتحدى معايير المجتمع.

منجم للفحم في جرادة، المغرب، تصوير مهدي مريوش كجزء من مسلسله الوثائقي “قصاصات الحياة”.

وتركز بعض الصور الأكثر قوة على حياة المجتمعات المهمشة اقتصادياً. حيث يصور عمل “شظايا الحياة“، للمصور مهدي مريوش، العمال الذين يستمرون، بداعي الضرورة، في العمل بشكل غير قانوني في مناجم الفحم المهجورة في جرادة بالمغرب. ويصور عمل “على غرب الحياة“، للمصور زياد بن رمضان سلسلة من صور مذهلة بالأبيض والأسود لمناظر في قفصة في تونس، وهي منطقة تستخرج فيها الفوسفات لكنها لا تزال فقيرة وغير مستقرة (وقد كانت إحدى المناطق التي أدت الاضرابات فيها إلى اندلاع الانتفاضة التونسية).

وفي حديث القائمة على المعرض والذي رافق المعرض، قالت سلطي إن “الخيال السياسي مفلس جداً” في المنطقة اليوم لدرجة أن الفنون توفر أرضية أكثر خصوبة للتفكير السياسي الإبداعي. وأشارت إلى المشاريع الفنية التي تحدثت عن سحب بيع شاطئ بيروت إلى مطوري القطاع الخاص أو تلك المشاريع التي تتصور مستقبلاً يتم فيه تفكيك المستوطنات الإسرائيلية. وقالت إنه، وفي الفنون، “هناك قلب للواقع وقول لما لا يمكن قوله وجعل ما هو غير مرئي ظاهر للعيان.”

سيستمر معرض “كيف لنا أن نعرف حين ينتصر الثوار” ” حتى الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر. وبإمكانك استعراض البرنامج الكامل هنا.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام