أعمال غسان كنفاني إلى الواجهة مجدداً

/ 06-12-2017

أعمال غسان كنفاني إلى الواجهة مجدداً

يُعتبر نشر مجموعة من 17 كتاب من مؤلفات غسان كنفاني مؤخراً في مجموعة واحدة في صندوق، بعد 45 عاماً من وفاته، علامة على المكانة الثابتة لأعمال هذا الكاتب الفلسطيني.

كان غسان كنفاني كاتباً غزيراً للروايات والقصص القصيرة والنقد الأدبي والصحافة، وهو معروف من قبل القراء العرب وغير العرب بفضل رواية قصيرة بعنوان رجال في الشمس، والتي نشرت أول مرة عام 1962، وتتحدث عن الموت المأساوي لمجموعة من العمال المهاجرين الفلسطينيين.

كما كان كنفاني أيضاً عضوا في قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي مجموعة تمتعت بمكانة بارزة في حركة المقاومة الفلسطينية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينات من القرن الماضي (ولا تزال موجودة).

اسم كنفاني معروف جيداً لطلاب التاريخ السياسي وطلاب الأدب العربي الحديث على حد سواء، لكن هذين الجانبين من عمله غير قابلين للانفصال. حيث يجمع عمله بين الإلحاح السياسي والأسلوب الأدبي المبتكر وأسلوب قص قوي.

قُتل الكاتب عام 1972 عن عُمر يناهر الـ 36 عاماً، مع ابنة أخته المراهقة، في انفجار سيارة مفخخة في بيروت، وقد يكون لذلك صلة بدوره في قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأنشطتها شبه العسكرية. ساهم موته بهذه الطريقة، عندما كان في ذروة عطاءه وقوته، في تجميده وأعماله في صورة لا تزال حية حتى اليوم، لكنها بقيت مثبتة في لحظتها التاريخية.

كان كنفاني المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورئيس تحرير جريدة “الهدف” التابعة لها. وكصحافي، كان انجازه استثنائياً. قال صديقه فضل النقيب، وهو الآن أستاذ فخري في الاقتصاد في جامعة واترلو في كندا، “لقد أحبّ الكتابة، وكتب بالطريقة التي يمكنني وإياك أن نتنفسها. كان يكتب الأخبار، ويكتب افتتاحيات الصحف، قبل أن يكتب شيئاً عن المجتمع ومن ثم النقد الأدبي. قلت له ذات مرة، “أنت لست إنساناً، أنت آلة كتابة!”

وبعد يوم من العمل في الصحيفة، كان كنفاني يعود الى المنزل ليكتب الأدب.

تمثل حياة كنفاني وعمله علامة ذات سقف عالي لتوقعات سياسية تبدو مثالية بشكل مستحيل في عام 2017. فبحسب الرؤية الماركسية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لم تكن فلسطين لتحرر فحسب بل الوطن العربي بأكمله، ولم تكن لتتحرر من الاستعمار الأجنبي فقط، بل من المواقف القديمة والعادات الاجتماعية أيضاً. لقد كان المقاتل في صفوف المقاومة الفلسطينية شخصية ثورية من النوع الرومانسي، وهي نسخة من تشي غيفارا ترتدي كوفية.

في عام 1986، على سبيل المثال، نشر الكاتب الفرنسي جان جينيه كتاب أسير العشق: وهي رواية رثائية عن أشهر قضاها في أوائل السبعينات مع مقاتلين فلسطينيين في الأردن. وكان ذلك كتاب جينيه الأخير، وقد نشر بعد ثلاث سنوات من وفاته. وكان مفتوناً ببطولة ومثالية المقاتلين الشباب الذين التقى بهم هناك، والذين يمضون إلى المعركة مع نسخ من أقوال ماو تسي تونغ في جيوبهم الخلفية.

ترحب نورا بار، أستاذة الأدب العربي في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، بالطبعة الجديدة من أعمال كنفاني لأنها توفر نسخاً سهلة القراءة ومحررة جيداً من النصوص التي كانت في السابق متوفرة في طبعات غير مرتبة فقط، كما أنها ستوفر أعمالاً مهمة كان من الصعب العثور عليها، مثل روايته عن أدب المقاومة الفلسطينية بعد العام 1948 (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة).

ستكون هذه الطبعة الجديدة متوفرة باللغة العربية فقط، على الرغم من أن ناشرتها، نورا شاوا من دار الرمال للنشر والتوزيع التي تتخذ من قبرص مقراً لها، تقول إنها تأمل في انجاز ترجمات جديدة في الوقت المناسب.

تقول نورا بار إنه من الناحية الأدبية البحتة، تبقى أعمال كنفاني مثيرة للاهتمام بفضل تنوع الأساليب فيها، من الواقعية إلى السريالية. وأضافت “لكن بعد عام 1967 [العام الذي شهد حرب الأيام الستة التي استولت فيها اسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان] اصبح عمله توجيهياً بشكل أكبر.” فقد خلق أم سعد، وهي واحدة من أكثر الشخصيات شهرة في الأدب العربي في القرن العشرين، وتمثل لسان حال أي امرأة فلسطينية تتحدث بصراحة، ويبدو أنها تجسد التجربة الفلسطينية بأكملها وهي تراقبها بشكل ثابت.

قالت بار “لا تزال أم سعد ذات صلة بالواقع الراهن بشكل لا يصدق. إنها تمثل واقعاً لا تزال المرأة العربية تواجهه.”

يمثل عمل “رجال في الشمس” رواية قصيرة عن مجموعة من الرجال الفلسطينيين الذين يجبرهم اقتلاعهم من منازلهم على السعي للعمل كعمال متجولين. فيعقدون صفقة سيئة مع سائق شاحنة يتعهد بتهريبهم من العراق الى الكويت في شاحنة نقل فارغة. وعلى الحدود الكويتية، يتم احتجاز السائق من قبل مسؤولين يضيعون الوقت، وعندما يعود السائق إلى شاحنته يكون الركاب قد ماتوا بسبب الاختناق. القصة واقعية بشكل قاس وبمثابة استعارة سياسية حول السياسة العربية.

الرواية مكتوبة بأسلوب سرد على غرار الحلم، وتشبه هلاوس يمكن رؤيتها من خلال السراب. غالباً ما يصعُب تحقيق سرد متماسك باستخدام تقنيات تجريبية من هذا النوع، لكن رواية “رجال في الشمس” سهلة القراءة وقوية في الوقت ذاته.

كان كنفاني سيبلغ من العمر 75 عاماً عام 2011 فيما لو كان لا يزال على قيد الحياة. فماذا الذي كان سيقوله عن الربيع العربي؟ يقول فضل النقيب “كان سيكون إلى جانب الثورة. وسيكون ضد جماعة الإخوان المسلمين، التي سيعتبرها بمثابة ثورة مضادة. وكان سيقول للشبان الذين تظاهروا في ميدان التحرير إنهم لم يمضوا قدماً بما فيه الكفاية.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام