fbpx


ظلال الحرب تخيّم على كلية الفنون الجميلة بدمشق

/ 06-12-2017

ظلال الحرب تخيّم على كلية الفنون الجميلة بدمشق

كانت رنيم زرزر في السادسة عشرة من عمرها فقط عندما غادر أشقاؤها الثلاثة وشقيقتها سوريا في طريقهم الى اوروبا كلاجئين. حاول والداها إقناعها بالانضمام إلى أشقائها، الذين استقروا في نهاية المطاف في ألمانيا وهولندا، لكنها رفضت. فقد أرادت البقاء في دمشق وأن تصبح فنانة هناك. اليوم، زرزر في التاسعة عشرة من عمرها، وقد انضمت حديثاً كطالبة في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق.

ومع تمزق البلاد بسبب الحرب على مدى السنوات الست الماضية، حيث فقد نصف السكان منازلهم ولقي ما يقرب من 400,000 شخص مصرعهم – تكافح الجامعات السورية لإيجاد سبل لاستمرار الدراسة في ظل الاضطرابات. وقد واجهت كلية الفنون الجميلة هذا التحدي أيضاً، حيث تركت الحرب بصماتها على المؤسسة البالغة من العمر 57 عاماً، وهي أقدم كلية من هذا النوع في البلاد، وتخرج منها العديد من مشاهير الفنانين العرب.

قالت زرزر، وهي واحدة من 257 طالباً تم قبولهم حديثاً، “كان لدينا العديد من أكواز الذرة لنرسمها في امتحان القبول. حاولت أن أرسمها جميعها، لكن الوقت لم يسعفني. مع ذلك، لقد قمت بما يكفي لاجتياز الاختبار.”

لا تتطلب الكلية درجات عالية للقبول، لكنها تعقد اختبارين للقبول لاختيار كل مرحلة جديدة من الطلاب من بين الآلاف من المتقدمين.

قالت لما القرّة، وهي طالبة في السنة الرابعة في الكلية، إنها كانت “تحلق بسعادة” عندما تم قبولها عام 2013. وأضافت “اليوم، سيتخرج 30 طالباً من قسم النحت هذا العام – 30! هذا عدد هائل.”

لكن الزيادة في أعداد الطلاب قد تسببت في حدوث مشاكل أيضاً. فقد كانت القرّة واحدة من دفعة تضم 490 طالبا عند التحاقهم بالكلية.

قالت “لا يمتلك الأساتذة الوقت الكافي لرؤية أعمال جميع الطلاب.” وأضافت بأن العمل الفني للطالب “ليس ورقة امتحان يمكن تقييمها في بضع دقائق. كل عمل يحتاج إلى نقاشات ومحادثات.”

يعتقد فؤاد دحدوح، النحات والأستاذ في الكلية، أن وجود المزيد من الطلاب لا يعني المزيد من الخريجين المتميزين. قال “في  كل مرحلة كل عام، سيكون هناك طالبان أو ثلاثة فقط ممّن يمتلكون موهبة متميزة يمكن أن نتنبأ من خلالها بمستقبل فني كبير لهم. أما الباقي فسوف ينتهي بهم الأمر لتعليم الفن في المدارس أو التحول إلى وظائف مختلفة لا صلة لها بالفن.”

ازدادت المشاكل الناجمة عن ارتفاع أعداد الطلاب بسبب تقلص عدد أعضاء هيئة التدريس. فمن بين 12 أستاذ في قسم النحت قبل الحرب، لم يتبق هناك سوى خمسة أساتذة فقط. إذ غادر بعض الأساتذة البلاد، وتقاعد آخرون أو أصيبوا أو اختطفوا حتى.

من معرض طلاب كلية الفنون الجميلة بدمشق، 2015.

لكن، مع الفصول الدراسية التقليدية والأساتذة الصارمين، تبقى المساحة المتاحة للنقاش أو الأفكار الحرة محدودة على أية حال. يرغب معظم الأساتذة في أن ينجز الطلاب العمل الفني بطريقة معينة. قالت القرّة إنه كان لا بد من تأجيل تخرجها حتى العام المقبل لأن نصف الوقت المخصص للعمل على مشروع التخرج النهائي قد ضاع في إقناع أساتذتها بقبوله.

وأضافت في إشارة إلى أن المدرسة أصبحت أكثر تحفظاً مع وجود المزيد من الطلاب المتدينين الذين يضغطون من أجل المزيد من التدريس الفني المحافظ، “سيقولون، هذا غير مقبول اجتماعياً، أو دينياً.”

يرى دحدوح أن الاتجاه نحو خط أكثر تحفظا بدأ قبل الحرب، لكنه أصبح أكثر مباشرة في السنوات القليلة الماضية. قال “في عام 1984، عندما كنت طالباً، كان لدينا موديلات عارية حية لنرسمها وكان الأمر اعتياديا. لكن، اليوم لا يسمح بذلك في الكلية. إنها حالة عامة في العديد من الدول العربية.”

يعود تاريخ الكلية إلى العام 1960 عندما تم تأسيس المعهد العالي للفنون الجميلة في دمشق كجزء من وزارة التربية والتعليم. وقد اعتمدت في البداية على أساتذة مصريين وأجانب، لكنها تمكنت تدريجياً من بناء كادرها المحلي من الموظفين.

ينعكس تاريخ الكلية في مناهجها، التي تعتبر قديمة، لاسيما في تغطية فن ما بعد الحداثة. وغالبا ما تواجه محاولات تحديث المناهج تحديات بيروقراطية.

قال دحدوح “لقد حاولنا كثيراً، فقمنا بوضع خطط دراسية جديدة، لكن المراسلات للاتفاق عليها تستغرق سنوات، لذلك عندما يتم الاتفاق على خطة جديدة، ستكون قد أضحت قديمة بالفعل.”

بهدف التغلب على الموارد المالية المحدودة للكلية الحكومية وايجاد معرض للمواهب الأصغر سناً، افتتح المركز الوطني للفنون البصرية عام 2015 بجوار كلية الفنون الجميلة. ويدير المركز غيث الأخرس، أحد رواد الفن الحديث في سوريا، ليوفر بذلك للفنانين مساحة عمل ومواد ومعرضاً لعرض وبيع اعمالهم.

لكن التوجه الربحي للمركز يشكل مصدر قلق بالنسبة للبعض. قالت القرّة إنه يتضمن “احتكاراً للأعمال الفنية للطلاب. يبيع المركز ما يريده وليس للطلاب رأي في ذلك في الغالب.”

ومن بين أعمال الطلاب الحاليين، فإن الشعور بالحصيلة المستمرة للحرب حاضر، وإن كان متمثلاً في خلفية الأعمال أكثر من كونه موضوعا مباشرا.

قال دحدوح “بإمكانك رؤية الحرب في الوجوه الهزيلة والحزينة التي يرسمها الطلاب أو يقومون بنحتها، وفي البيئات المظلمة التي يصفونها. لكننا نحتاج إلى مزيد من الوقت بعد الأزمة لكي يتمكن الفنانون من استيعابها وتجسيدها في أعمالهم.”

جعلت الحرب وصول الفن السوري إلى الأسواق الدولية أكثر صعوبة، لاسيما صالات العرض في دول الخليج. وعلى الصعيد المحلي، لا تزال المعارض الفنية  التجارية التي ظلت مفتوحة خلال الحرب متاحة جزئيا للفنانين الشباب.

قالت القرّة “هناك احتكار من قبل بعض الفنانين الكبار ومن الصعب جدا الوصول إليها. لكن، هناك بعض المعارض تمنح الفنانين الشباب الفرصة لعرض اعمالهم.”

لم تفكر زرزر بعد في مكان لبيع أعمالها الفنية. فبالنسبة لها يعتبر ارتفاع تكلفة المواد الفنية وطريقها اليومي الذي يستغرق ساعة ونصف الساعة إلى الجامعة أكبر مخاوفها في الوقت الراهن. وهذه هي ذات الأسباب التي جعلتها تتأسف جزئياً لعدم اتباعها خطوات إخوتها إلى أوروبا، وتدفعها للتخطيط للمغادرة في نهاية المطاف. قالت “أريد أن أتواجد في بيئة كلية الفنون لمدة سنة أو سنتين أخريين، وبعدها سأتمكن من المغادرة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام