دراسة الطب في زمن الحرب

/ 06-12-2017

دراسة الطب في زمن الحرب

في أيلول/ سبتمبر 2011، تم قبول حسن رعد في كلية الطب بجامعة البعث في حمص بسوريا.

في حينها، كانت حمص مركز الانتفاضة التي سرعان ما تحولت إلى حرب مستمرة مع اندلاع أعمال العنف بين القوات الحكومية والمعارضة المسلحة. وكانت الجامعة، بجوار حي بابا عمرو، أحد أكثر المناطق تضرراً في المدينة، محافظة على استمرار الفصول الدراسية، لكنها اضطرت إلى توفير أماكن لإقامة العديد من طلابها الذين واجهوا صعوبة في الحضور إلى الجامعة.

بعد ست سنوات، عاد الهدوء الى حمص، على الرغم من أن الكثير منها قد تعرض للدمار. لم يترك رعد المدينة خلال سنوات القتال، وفي الشهر الماضي خاض الامتحان الوطني النهائي للتخرج من كلية الطب.

قال “كانت السنة الاولى فى الكلية صعبة للغاية. لم نكن نحضر الفصول الدراسية ولم نتمكن من إجراء امتحانات الفصل الأول.”

تسببت الحرب في نقص كبير في المعدات الطبية والأطباء والأدوية والكهرباء في جميع أنحاء سوريا. وتقدر منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية مقرها نيويورك، أن أكثر من 700 من العاملين في المجال الطبي قد قتلوا. ويُعتقد أن أكثر من نصف أطباء سوريا البالغ عددهم 30 ألف طبيب قد غادروا البلاد منذ بدء النزاع، فيما تسرب العديد من طلاب كليات الطب.

قال حمود حامد، عميد كلية الطب بجامعة دمشق، لصحيفة محلية فى أيار/ مايو من العام الجاري أن 100 من أصل 400 طالب وطالبة تركوا الكلية.

عندما بدأ رعد وزملاؤه دراستهم، اشتد القتال في حمص. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، بدأت حكومة الرئيس بشار الأسد حملة قصف على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وفي مطلع عام 2012، فرضت القوات الحكومية حصاراً استمر لمدة شهر واحد ممّا أدى للقضاء على معقل المعارضة في حي بابا عمرو.

حسن رعد أمام كلية الطب في حمص

وبحلول صيف عام 2012، وعلى الرغم من أن أجزاءً من حمص كانت لا تزال تحت الحصار أو دمرتها المعركة، فإن الوضع بدأ يتحسن، وتمكنت كلية الطب من إجراء امتحانات الفصل الثاني، على الرغم من الانقطاعات في الفصول الدراسية.

قال رعد “كان هناك الكثير من المرونة. فقد حضر عدد قليل جداً من الطلاب الفصول الدراسية وسمح لنا الأساتذة بإجراء الامتحانات من دون استكمال الوحدات العملية. بذل الطلاب قصارى جهودهم لإتقان المواد المطلوبة، لكننا اعتمدنا على أنفسنا بشكل تام.”

في السنة الثانية لدخول رعد الى الكلية، كان في إمكان الطلاب الذين يعيشون في المدينة حضور الفصول الدراسية، لكن الطرق لم تكن آمنة بما يكفي للسفر بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في القرى والبلدات المجاورة. ولمساعدة أولئك الذين لم يتمكنوا من حضور الامتحانات، سمحت الجامعات السورية للطلاب باجتياز العام الدراسي الذي يضم عدداً أكبر من الفصول التي رسب فيها الطلاب.

في العادة، يدرس طلاب الجامعات السورية نحو 12 مقرراً دراسياً في السنة الدراسية. قبل الحرب، كان الحد الأقصى للدروس التي يمكن للطالب أن يرسب فيها مع إمكانية العبور إلى العام الدراسي التالي 4 مقررات فقط، لكن في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، تم إقرار قانون يسمح للطلاب بإكمال السنة على الرغم من الرسوب في 6 مقررات، و8 في وقت لاحق. على الرغم من السماح للطلاب بالتقدم، فقد كان عليهم الرجوع لاستكمال بعض الدروس التي فشلوا في اجتيازها. كما تمت إضافة فصل صيفي إضافي لمساعدة الطلاب على اجتياز الدروس التي رسبوا فيها.

قال ميشيل نقولا، النائب الإداري لرئيس جامعة البعث، “لقد أتيحت للطلاب الفرص لخوض المزيد من الامتحانات. وتم السماح للطلاب الذين كانوا يعيشون في مناطق محاصرة ولم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعات بالتسجيل بعد سنة أو سنتين من حصولهم على شهادة الثانوية العامة.”

في أماكن أخرى، تم السماح للطلاب من جامعات البعث وحلب والفرات بحضور الفصول الدراسية في جامعات أكثر أماناً في الأوقات التي تعرضت فيها جامعاتهم للقصف. وانتقل آلاف الطلاب من تلك الجامعات مؤقتاً إلى العاصمة دمشق أو إلى اللاذقية على الساحل حيث لم تتوقف الصفوف أبدا بسبب الوضع الأكثر أمناً في تلك المدن.

قال نقولا “هذه الاستثناءات تلغى تدريجياً مع تحسن الوضع الامني في سوريا.”

ومنذ العام الماضي، انخفض العدد الأقصى للمقررات التي يمكن أن يفشل فيها الطلاب إلى 6، وبعد ذلك إلى 5 مقررات فقط.

وحتى في حلب، التي شهدت عمليات قصف مدمرة على المناطق التي يسيطر عليها المعارضين وحصاراً دام لمدة 4 أعوام، عاد طلاب الجامعات إلى الدراسة بعد استعادة القوات الحكومية وحلفائها للمدينة في كانون الثاني/ ديسمبر الماضي.

في حمص، وبعد أن أصبح المستشفى الوطني ساحة معركة في عام 2012 قبل أن يتم تدميره في وقت لاحق، تُرك طلاب الطب بدون مستشفى تعليمي حيث يمكنهم تلقي دروس التدريب العملي. وبهدف الحفاظ على استمرار تطوير الأطباء في المستقبل، عقدت الجامعة اتفاقات مع المستشفيات الخاصة في المدينة للسماح للطلاب بإتمام الجزء السريري من تعليمهم.

في ظل هذه الظروف، قال رعد “كان هناك نوعان من الطلاب: بعضهم يأخذ زمام المبادرة ويتواصل مع الأطباء للتدريب، فيما تماشى البعض مع نقص التدريب الذي تعاني منه الجامعة فحسب ولم يفعلوا شيئا.”

تطوع رعد في غرفة الطوارئ في إحدى المستشفيات الخاصة في المدينة خلال أسوأ سنوات الحرب، قبل أن يحضر الدروس العملية التي أعيد افتتاحها في عامه الدراسي الأخير.

وبحسب وكالة الانباء السورية الرسمية، تخرج 450 طالب وطالبة من كليات الطب في البلاد في عام 2015.

وبسبب الاستثناءات الممنوحة في بعض الجامعات خلال الحرب والاختلافات في المناهج الدراسية، أدخلت سوريا مؤخراً نظام الامتحانات النهائية الموحدة التي يجب على الطلاب اجتيازها قبل التخرج من كليات الطب و5 تخصصات عملية أخرى هي: الهندسة المعمارية وطب الأسنان والهندسة المعلوماتية والتمريض والدراسات الصيدلانية.

اشتكى العديد من الطلاب من الحاجة إلى اجتياز متطلبات إضافية قبل التخرج. وكانت إحدى الحجج ضد الاختبار هي أن المناهج المختلفة في الجامعات المختلفة لم تسمح للطلاب بأن يكونوا على نفس مستوى المعرفة عند القدوم لإجراء الامتحان الوطني.

لكن المدافعين عن القرار يقولون إن الامتحان دفع الطلاب للتعلم من تلقاء أنفسهم، على الرغم من الاضطرابات الناجمة عن الحرب.

قالت ميسون دشاش، مديرة مركز القياس والتقويم بوزارة التعليم العالي، في مقابلة تلفزيونية معها في أيار/ مايو الماضي إن الاختبارات الموحدة “أثبتت كونها صمام أمان للطالب والجامعة والبرامج التعليمية والأساتذة.”

وأضافت دشاش “كانت الكليات خلال فترة الازمة مثقلة بمسؤوليات التدريس. نحن بحاجة إلى نشر ثقافة التعليم الذاتي بين طلابنا، ونحن نقوم بذلك من خلال الامتحان الموحد.”

كان الامتحان الوطني صعباً جداً بالنسبة لرعد، إذ أن الدرجة التي حصل عليها لن تمكنه من الالتحاق بالتخصص الذي كان يرغب به   في جراحة القلب والأوعية الدموية أو الجهاز التنفسي.

قال  “كانت درجاتي أسوأ مما كنت أتوقع. لقد تم طرح الأسئلة بشكل سيء.” وأضاف بأنه لم يكن وحيداً في خيبة أمله وأن واحداً فقط من 9 أصدقاء خاضوا الامتحان قد حصل على درجات ممتازة.

ذكرت وسائل الإعلام المحلية أن عدد الطلاب الذين حققوا درجة ممتازة قد انخفض بنسبة 89 فى المئة هذا العام مقارنة بالعام السابق. ولم ينجح أكثر من 500 طالب من أصل 2,432 طالب وطالبة في جميع كليات الطب السورية في اجتياز الامتحان.

ولشعورهم بالارتباك بسبب الأسئلة، طلب الطلاب من مركز القياس، الذي يدير الاختبار، الحصول على الإجابة النموذجية في محاولة لمعرفة الأخطاء التي وقعوا فيها. لكن مديرة المركز قالت إن ذلك أمر مستحيل.

ومع انخفاض الأداء العام في اختبار هذا العام، يأمل رعد في أن تقوم الجامعة بتقليل متطلبات التخصصات السريرية حتى تتاح للطلاب فرصة أفضل للدراسة في المجالات التي يرغبون فيها.

وكحال المئات من طلاب الطب الذين غادروا سوريا في السنوات القليلة الماضية للدراسة في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، فإن الذهاب إلى الخارج يمكن أن يكون خياراً لرعد، إذا كان في مكانه تحمل تكاليف ذلك. لكنه سيحصل، في المستقبل القريب وبصفته طبيب مقيم بدوام كامل في سوريا، على راتب قدره 30,000 ليرة سورية في الشهر، أي أقل من 70 دولار أميركي، وهو أقل من الحد الأدنى اللازم للعيش في سوريا.

مع ذلك، يعتقد رعد أن الوضع المالي للأطباء في سوريا بعد 4 أو 5سنوات من الإقامة سيكون أفضل.

قال “لقد انخفض مستوى الاطباء كماً ونوعاً مع مغادرة العديد من الاطباء البلاد. ومع هذا النقص، يمكن للطبيب أن يعيش جيداً في سوريا إذا ما حقق اسماً لامعاً.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام