fbpx


دعوة لإعادة النظر في نتائج الانتفاضات العربية

/ 06-12-2017

دعوة لإعادة النظر في نتائج الانتفاضات العربية

كيف يتوجب علينا فهم الغياب شبه الكامل للمشاريع السياسية الليبرالية في العالم العربي وفشل الاحتجاجات والحركات الاجتماعية في تحقيق التغيير؟ ما الذي يمكن للمرء أن يتعلمه من هذا الفشل؟ وأين يتوجب علينا أن نبحث اليوم للعثور على الطاقات والتطلعات التي أدت لقيام انتفاضات عام 2011؟ وما هي الآثار التي تركتها، والأماكن التي ربما لا تزال تكافح من أجل احتلالها؟

هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول كتاب “السياسة العربية في أعقاب الانتفاضات” الإجابة عليها. نشرت الكتاب مؤسسة القرن The Century Foundation، وهي مؤسسة فكرية مقرها نيويورك، كجزء من مشروع تدعمه مؤسسة كارنيغي الخيرية. وقد ساهمتُ بفصل في الكتاب عن النشاط الثقافي في المغرب، وهو ما كتبتُ عنه من قبل للفنار للإعلام.

يدور الافتراض الرئيسي للكتاب على أن الروايات العامة عن الثورة والتفكك والقمع – والذي كان شائعاً جداً في السنوات الأخيرة – أقل فائدة من الروايات التفصيلية لتجارب محددة، وأن بإمكان المرء أن يتعلم الكثير من دراسة أجزاء معينة من المشهد المتشظي للسياسة العربية. ويفترض الكتاب أيضاً أن الوضع الحالي المتردي في المنطقة وهزيمة الحركات الليبرالية والإصلاحية والثورية لا يعني بالضرورة أن تلك القوى لن تعبر عن نفسها مرة أخرى في أشكال جديدة.

كتب ثاناسيس كامبانيس، محرر الكتاب، في المقدمة، “ليس هناك سبب يستند إلى الأدلة يدعو للاعتقاد بأن التقدم أمر لا مفر منه في العالم العربي بقدر أكثر من وجود دليل على أن المنطقة محكوم عليها إلى الأبد بالاستبداد المتصلب. لا تزال المنطقة تزخر بتطلعات واسعة وثابتة لإيجاد نظام جديد: هناك جهود في تكوين ذلك، وردود فعل عنيفة ضدها، وتآكل لمؤسسات الدولة ومبادرات محلية تحاول أن تحل محلها، وتحديات مشتتة لأيديولوجيات متشظية للشرعية. وغالباً ما يتم التغاضي عن هذه الجهود والاتجاهات من خلال أحكام تبسيطية عن فشل الانتفاضات ونجاحاتها. لا يزال العالم العربي في حالة تغير دراماتيكي ويشتمل ذلك على العديد من الاحتمالات.”

يقدم الكتاب وصفاً تفصيلياً محكماً لمعارك مؤسسية معينة وحركات اجتماعية ومشاريع ثقافية وإعلامية ناشطة وحملات تنظيمية شعبية ودوائر انتخابية غير ملحوظة لكنها قوية ومحاولات للحكم المحلي. يغطي الكتاب موضوعات مثل عملية العدالة الانتقالية في تونس، والتي يتم تقويضها من قبل الحكومة الجديدة في البلاد، ومجموعة بيروت مدينتي في لبنان التي قامت بحملة في الانتخابات البلدية (حيث انبثقت من أزمة القمامة المستمرة حتى اليوم)، أو أنصار نادي كرة القدم، ألتراس أهلاوي، في مصر، الذي لعب دوراً أسطورياً إلى حدٍ ما في الاحتجاجات هناك.

لا تزال العديد من الظواهر والتغيرات التي يدرسها الكتاب مستمرة. وقد اتخذ البعض الآخر منها منعطفات جديدة – نحو الأسوأ في العادة، إذا ما نشدنا الصراحة.

تشكل التوترات بين دول مجلس التعاون الخليجي حول كيفية التدخل في المنطقة، على سبيل المثال، محور فصل كتبه مايكل ستيفنز، الباحث الزميل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدفاع والدراسات الأمنية، وهي مؤسسة فكرية مقرها المملكة المتحدة. يصف ستيفنز كيف أصبح مجلس التعاون الخليجي في السنوات الأخيرة “مجموعة عدائية من الصقور هاجمت بنشاط التغيير الاجتماعي والسياسي (أو منعته) في عدد من دول الشرق الأوسط”. اتبعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر “خططاً متعارضة بشكل صارم”، وكان تأثير ذلك “ضاراً بشكل كبير بالنسبة لحركات الديمقراطية العربية في عموم المنطقة.”

كانت هذه التوترات قد اندلعت بشكل مفاجئ في الأسبوع الماضي أكثر من أي وقت مضى، حين نظمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حملة لمقاطعة قطر متهمين إياها بالتدخل في شؤون الدول الأخرى ودعم الإرهاب.

المجلس الثوري لمدينة منبج يلتقي وزير التعليم في الحكومة السورية المؤقتة. الصورة من صفحة المجلس على الفيسبوك.

وفي فصل آخر، كتب خالد منصور، المتخصص في مجال حقوق الإنسان، عن معاناة منظمات حقوق الإنسان في مصر. إذ اشتدت الهجمات على المجتمع المدني منذ كتابة الفصل الأول مع إصدار السلطات المصرية قانوناً جديداً يضع قيوداً غير مسبوقة على عمل جميع المنظمات غير الحكومية في البلاد.

ساهمت الصحفية لورا دين بكتابة نبذة تاريخية عن ظهور مدى مصر، أحد المواقع الإخبارية الرئيسية في البلاد. ومجدداً، شهدت هذه القصة تراجعاً بعد نشر الكتاب: فقد تم منع الوصول إلى موقع مدى مصر في أواخر أيار/ مايو، على الرغم من استمرار الموقع في النشر على وسائل التواصل الاجتماعي. إذ أوقفت الحكومة المصرية أكثر من خمسين موقعاً اخبارياً ومنصة إلكترونية على الإنترنت خلال الأسابيع القليلة الماضية.

في الواقع، يقول مايكل حنا، الزميل في مؤسسة القرن – سينتشري فاونديشن – ومركز القانون والأمن بجامعة نيويورك، إن مصر أصبحت “التعبئة الجوهرية للاتجاهات الإقليمية نحو الاستبداد والتسلح الإسلامي.. وهو مؤشر سلبي بالنسبة للمنطقة التي غالباً ما اعتمدت عليها فيما يخص تجديدها الفكري والسياسي والثقافي.”

وفي مناقشة للكتاب عند نشره في نيويورك في الخامس من حزيران/ يونيو، تمثل الموضوع الذي تكرر هناك في غياب وجود أحزاب أو منصات سياسية بإمكانها أن تستبدل بفاعلية أو تساهم بتوجيه مطالب الحركات الاجتماعية. في معظم البلدان العربية، هناك فراغ حيث يتوجب وجود أحزاب سياسية، فضلاً عن فجوة كبيرة متقلبة بين الاحتجاجات في الشوارع من جهة وأنظمة قمعية غير خاضعة للمساءلة من جهة أخرى.

من المسائل الأخرى التي يثيرها الكاتب “تأثير ترامب” – وهو تعبير عن ولع الرئيس الأميركي الجديد بالرجال الأقوياء والديكتاتوريين ونبذ حقوق الإنسان والديمقراطية لصالح اعتبارات تجارية وأمنية صرفة. حيث لاحظت مونيكا ماركس، المتخصصة في الشأن التونسي، بطريقة شبه مازحة أن من مصلحة تونس أن تكون دولة صغيرة ذات موارد قليلة، لأنها نجت من الاهتمام الضار للزعيم الأميركي.

كما تقدم العديد من الفصول في “السياسة العربية” أيضاً روايات عن تجارب في الحكم المحلي في سوريا من قبل المجالس الثورية المحلية التي قامت في الأراضي التي طردت جيش بشار الأسد وشرطته. من المؤسف أن جميع تلك التجارب قد قوضت بسبب الافتقار للإيرادات الضرورية لإستدامتها، والانقسامات التي تولدها الخلافات بين النشطاء والميليشيات والنخب المحلية، وعدم القدرة على حماية السكان من عنف الحرب، وحملات الترهيب والإرهاب من قبل المتطرفين الإسلاميين.

يكتب ياسر منيف، الاستاذ المساعد لمادة علم الاجتماع في كلية إيمرسون، قصة بلدة منبج التي سيطر عليها الثوار، والتي حظيت بوجود مجلس ثوري نشط ومؤثر لما يقرُب من عامين، والذي لم يهدأ إلا ببطء مع استمرار الصراع.

يعتقد منيف أن الباحثين والمثقفين قد عميوا عن “إمكانية الإنجازات التدريجية والمهمة للانتفاضات”. وتطرح آسيا الميهي نقطة مماثلة، حتى إذا ما كانت تصف أوجه القصور الهامة في المجالس المحلية، بما في ذلك افتقارها لتمثيل حقيقي للنساء والفقراء. لكنها، تخلص، مع ذلك، إلى أن ظهور هذه المجالس في مصر وسوريا كان “علامة واعدة على القاعدة الشعبية والتنظيم المحلي.” ومن المرجح أن يؤدي تعبير “الأفكار البديلة للتنظيم التصاعدي (من القاعدة إلى القمة) والمؤطرة ضمن الشروط العلمانية والديمقراطية للمواطنة إلى تغيير طرق ممارسة السلطة من قبل السلطات المركزية على المدى الطويل.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام