fbpx


دعوات لتبني نهج علمي للتعامل مع الاحتجاجات في المغرب

/ 06-12-2017

دعوات لتبني نهج علمي للتعامل مع الاحتجاجات في المغرب

دخلت حركة الاحتجاج التي انطلقت في منطقة الريف – وهي منطقة جبلية في شمال المغرب ذات التاريخ الطويل في التمرد – شهرها الثامن حتى الآن. وقد تصاعد الوضع في الأسابيع الأخيرة، مع  إلقاء القبض على أحد قادة الاحتجاج وأكثر من مئة من الناشطين وانطلاق مظاهرة تضامنية في العاصمة الرباط حضرها آلاف المتظاهرين. وتعتبر هذه الحركة أقوى حركة احتجاج تشهدها المملكة منذ أحداث الربيع العربي.

لكن، ومع كونه محور اهتمام الإعلام والحملة الأمنية للشرطة، فإن الحراك الشعبي لا يزال غير مفهوماً، بحسب الكثير من المتخصصين بشؤون المنطقة في المغرب.

وفي رسالة مفتوحة في مجلة تيل كيل TelQuel الإخبارية المستقلة الناطقة بالفرنسية، استنكر علماء الاجتماع الإدعاءات المثيرة والتبسيطية المهيمنة على النقاش العام.

كتب الباحثون الأسبوع الماضي، “يتطلب فهم حراك الريف تفكيراً نقدياً ويقظة فكرية وحساسية اجتماعية وسياسية ومعرفة تفصيلية للتحولات في مجتمع الريف.”

بدأ الحراك الشعبي في بلدة الحسيمة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عندما تم قتل بائع سمك يُدعى محسن فكري في شاحنة لجمع القمامة بعد أن سعى للحيلولة دون تدمير الأسماك التي تمت مصادرتها من قبل مسؤولي الموانئ. وقد أثار هذا المثال الدراماتيكي للتعامل التعسفي والمهين من قبل السلطات احتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وفي الحسيمة ومنطقة الريف الجبلية الشمالية التي تتبع لها، أثار ذلك الحادث حركة اجتماعية. فقد خرجت حشود من الشباب لحضور التجمعات التي ألقى فيها ناصر الزفزافي، أحد رعاة الاحتجاج المحليين من ذوي الكاريزما، خطباً مطولة وحماسية ضد الشخصيات السياسية والفساد والسلطات.

طالب الحراك بالعدالة لمقتل فكري (وتمت إدانة عدد من المسؤولين الحكوميين في نهاية المطاف)، لكنه طالب أيضاً بوضع حد للفساد وتهميش سكان المنطقة. ودعوا السلطات لبناء جامعة ومكتبة ومسرح ومستشفى للسرطان وطرق أفضل ومرافق صناعية لتجهيز الأسماك التي تعد أحد المصادر الرئيسية لإيرادات السكان.

ونقرأ في بيان الأكاديميين المغاربة في مجلة تيل كيل، “إن غالبية مطالب المتظاهرين في الريف ليست محددة بهذه المنطقة المهمشة فحسب. هذه المطالب تهم جميع المغاربة الذين يتطلعون إلى حاضر ومستقبل أفضل لهم ولأطفالهم، والمتمثلة في: العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للموارد والحكم الرشيد والتنمية الاقتصادية المستدامة.”

ونقرأ أيضاً “يتمثل دور الباحثين في العلوم الاجتماعية – علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والمؤرخين وعلماء السياسة والاقتصاد والجغرافيا، وما إلى ذلك – في دراسة التغيرات في مجتمعهم في مراحل تطوره والتأمل في ذلك والمشاركة فيه […] ويمكن أن يكون حراك الريف مناسبة لإعادة التفكير في التغيير السياسي والاجتماعي، والتطور السياسي والاقتصادي للبلاد، والمشاكل السياسية الخطيرة التي تعيق حدوث عملية ديمقراطية حقيقية.”

عوضاً عن ذلك، ترددت السلطات في الرد على الاحتجاجات. فأهانت وسائل الإعلام والمسؤولين الحكومين المتظاهرين واتهموهم بأنهم انفصاليين يسعون للتحريض على حرب أهلية وأنهم عملاء أجانب يحصلون على تمويل من الخارج.

تمتلك منطقة الريف – حيث تمثل لهجة بربرية أصلية اللغة الأولى لغالبية السكان، تليها اللغة العربية – تاريخاً طويلاً من التمرد والتهميش. ففي عشرينيات القرن الماضي، اكتسبت المنطقة استقلالها لفترة وجيزة بقيادة البطل المحلي عبد الكريم الخطابي. لكن فرنسا وأسبانيا، القوتين الاستعماريتين في المغرب في ذلك الوقت، سحقتا التمرد في نهاية المطاف بعنف شديد. ثارت المنطقة مرة أخرى، بعد الاستقلال، ضد النظام الملكي الجديد. وفي هذه المرة، كان ولي العهد الحسن الثاني – والد الملك الحالي – هو من قاد حملة عسكرية دموية. وخلال حكم الحسن الثاني، عانت المنطقة من الإهمال المتعمد والحرمان من الاستثمار الحكومي. ولا يزال اقتصاد المنطقة يعتمد بدرجة كبيرة على التهريب وزراعة القنب.

اعتمد الملك الحالي، محمد السادس، سياسة مختلفة، وأطلق العديد من مشاريع البنى التحتية الكبيرة في الشمال. ففي أيار/ مايو من هذا العام، وبعد تصاعد احتجاجات الحراك، وعد وفد وزاري باستثمارات تقدر قيمتها بمليارات الدراهم في المنطقة. لكن الوعود السابقة كانت بطيئة في تحققها، ولم يشهد السكان سوى فوائد قليلة. صدّ المتظاهرون من الريف الوفود من العاصمة ورفضوا قبول السياسيين المحليين كوسطاء مطالبين بإجراء مفاوضات مباشرة مع القصر الملكي.

كانت الاحتجاجات مثيرة للانقسام بشكل كبير. فبعد الدخول في مناقشة مع أحد الأئمة الذي قال إن المتظاهرين يشجعون على الفتنة – الصراع المدني – تم اعتقال زعيم الحراك ناصر الزفزافي في أواخر أيار/ مايو، وهو يواجه اتهامات بتقويض الأمن القومي. كما حكم على أعضاء آخرين بالسجن لمدة 18 شهراً لدورهم في الاحتجاجات. ينتقد الحراك ومؤيدوه ذلك ويعدونه بأنه بمثابة مزيد من الظلم. فيما يقول خصومهم إنهم من مثيري الشغب والعاقين الذين لا يحترمون السلطات وأنهم قد تجاوزوا الحد كثيراً.

يتخصص مهدي عليوة، أحد الموقعين على الرسالة في مجلة تيل كيل وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة الدولية بالرباط، في مجال الهجرة والحركات الاجتماعية.

قال عليوة في مقابلة له “نريد أن نكون عقلانيين في التعامل مع ما يجري بدلاً من الاصطفاف مع أحد الجانبين من خلال الدفاع عن تلك القوى أو معارضتها.” ويشير عليوة إلى أن الاحتجاجات الحالية في الواقع دليل على بعض أشكال التحول الديمقراطي والتنمية في المغرب – حيث يمتلك الشباب توقعات أعلى وثقة أكبر في حقهم في انتقاد السلطات. لكن القمع المحلي، بحسب الأستاذ، يثير المخاوف من أن البلاد تتراجع “خطوة إلى الوراء”.

يرى عليوة أن من المهم التركيز على الواقع بدلاً من تحليل ما يحدث من خلال منظور أيديولوجي. قال “يمكن للباحثين أن يطرحوا أسئلة مهمة، مثل: هل يمكن أن يتوفر لدينا انتقال ديمقراطي بينما يعيش الناس في فقر مدقع؟ وهل يمكن أن نمتلك بلداً حديثاً بوجود محور واحد فقط للتنمية فيما يتم ترك بقية المناطق مهملة، حيث تكون غالبية النساء بلا عمل أو أنهن يعملن من دون مقابل؟”

وبهدف إيجاد حلول فعالة  لمشاكل المغرب، يحتاج المرء، بحسب الأستاذ، إلى تشخيص دقيق لماهية تلك المشاكل. وبوجود الدعم والاستقلالية المناسبين، فإن هذا ما يمكن أن توفره العلوم الاجتماعية وينبغي أن توفره.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام