الضوء داخل النفق

/ 06-12-2017

الضوء داخل النفق

“هناك دائما ضوء في نهاية النفق،” حكمة معروفة في العديد من اللغات حول العالم، وكذلك معروفة في منطقتنا العربية، التي مرت عبر العديد من الأنفاق.

لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر في هذه الحكمة الرائجة. فالعرب يحتاجون إلى النور “داخل” النفق، وليس في نهايته، خاصة بعد أن كثرت الأنفاق واشتدت ظلمتها. فإذا كان علينا أن ننتظر حتى النهاية لنرى النور، فغالباً ما سنفقد الأمل، والرغبة في السعي لأن الضوء داخل النفق يعيننا على الاستمرار، ولا أجد شئ أقرب ما يكون لهذا الضوء سوى التعليم.

على مدى السنوات الإثني عشر الماضية، قمت بزيارة اليابان والعديد من الدول الأوروبية وكندا وروسيا والمملكة العربية السعودية ولبنان والإمارات العربية المتحدة والأردن والعراق وسوريا وإيران. أقمت في الولايات المتحدة وقطر وحالياً أقيم في تركيا منذ عام ونصف. بحيث جعلتني تجربة السفر أعتقد أنني أعرف العالم!

في المرحلة الثانوية، استمتعت بدراسة الكيمياء، سألني أستاذي في مدرسة المعادي الثانوية للبنات في القاهرة في إحدى المرات، إن كنت أتلقى دروساً خصوصية تساعدني في استيعاب المادة، وعندما جلست لاختيار الكلية التي أدرس بها في المرحلة الجامعية، اخترت قسم الكيمياء في كلية العلوم بجامعة القاهرة.

تم قبولي، ولكن قبل بضعة أيام فقط من بدء دراستي، أدركت أنه برغم حبي للكيمياء، لم يكن حلمي العمل كباحثة كيميائية وأن ثمة حب آخر ينافس الكيمياء في قلبي، حبي للكتابة، ورغبتي هي أن أصبح صحافية، لم  أستطع الانضمام إلى كلية الإعلام لأنني لم أكن قد حصلت على الدرجات اللازمة.

في ذلك الوقت، التقيت بصحافية كانت تدرس الأدب العربي وتعمل محررة بمجلة الشباب المعروفة في ذلك الوقت في مصر. قررت أن أتتبع خطواتها، التحقت بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وذهبت للعمل في نفس المجلة التي عملت فيها، بعد بدء دراستي الجامعية بثلاثة أشهر.

في وقت لاحق انتقلت من مجلة “الشباب” للعمل في الجريدة اليومية في مؤسسة “الأهرام”، وبعد عام واحد من منحي وظيفة دائمة بها، شعرت بالرغبة في أخذ خطوة أخرى للأمام، حصلت على إجازة غير مدفوعة الأجر من وظيفتي وسافرت للدراسة في الولايات المتحدة، بدعم مالي من عائلتي.

درست لفصل دراسي واحد في جامعة جورج تاون في العاصمة الأميركية ، ثم انتقلت إلى جامعة صغيرة أخرى لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، لكن الأزمة المالية التي ضربت العالم في عام 2008 منعتني من إتمام دراستي، فعدت إلى مصر.

بعد ستة أشهر من عودتي، حصلت  على زمالة نايت والاس، وهي زمالة للصحافيين تقدمها جامعة ميشيغان، كنت أول مصرية تحصل عليها منذ بدء تقديمها قبل 30 عاماً.

لا أشعر أن مسيرتي كانت متميزة، لكني أدرك أن تجربتي في السفر والتعليم كانت مختلفة وثرية. بالرغم من هذا، مررت مؤخراً بتجربة جديدة جعلتني أعيد النظر فيما أعرفه، أو ما “أظن” أنني أعرفه. عندما أجريت عدة مقابلات مع طلاب يمنيين داخل اليمن وخارجه، لصالح الفنار للإعلام، وعلمت عن اجتهاد هؤلاء الطلاب، في الداخل، وهم يحاولون استكمال تعليمهم، على الرغم من عدم انتظام الدراسة في كلياتهم والإغلاق المتكرر لجامعاتهم، وعدم قدرتهم على مغادرة اليمن لوجهة أكثر استقراراً، أما الطلاب خارج خارج الیمن، فيجابهون صعوبة الاستمرار في الدراسة، لعدم استطاعة اسرهم دعمھم، في ظل انقطاع الدعم الحكومي عنهم لفترات طويلة.

ألهمتني قصصهم! شعرت بتواضع تجربتي عندما قارنتها بتجربة الطالبة اليمنية التي تدرس الماجستير خارج بلادها، سافرت قبل ست سنوات إلى روسيا، وأتقنت اللغة الروسية، ثم حصلت على درجة البكالوريوس، والآن تنهي دراسة الماجستير، وتخطط لدراسة دكتوراه، وتعتمد على نفسها مالياً من خلال العمل بدوام جزئي في تدريس اللغة العربية.

كل ذلك يحدث بينما تمر بلادها بأحداث مأساوية فقدت خلالها أباها، الذي قضي في حادثة قتل، وليست هي وحدها الملهمة من عائلتها، كذلك أخيها الذي يتابع دراسته الجامعية في دراسة الطب، أذكر نبرات صوته الحاسمة وهو يقول لي “لن تمنعنا تحديات أو حرب من السعي لاستكمال تعليمنا.”

يحتوي جواز سفري على أختام عشرين دولة قمت بزيارتها، للأسف ليس بينها أختام لكل من ليبيا أو السودان، الدولتان الجارتان لبلادي، وقليل هو ما أعرفه عن البلدين، مؤخراً أدهشتني قصة صحفية عن أربعة باحثين ليبيين بدأوا دراستهم في وطنهم ثم سافروا إلى الخارج لمتابعة تعليمهم ما بعد الجامعي. (إقرأ القصة ذات الصلة: باحثون ليبيون يكرمون في الولايات المتحدة وكندا) في الغالب عندما تذكر ليبيا، لا يأتي لمخيلتي صورة لطلاب مجدون يسعون إلى تحصيل العلم والشهادات المرموقة.

أعتقد أن القصص الملهمة للأفراد الذين يسعون للتغلب على العقبات، ويسيرون في طريق العلم والحياة، خاصة في البلدان التي تشهد صراعات محتدمة مثل اليمن وليبيا، هؤلاء معقود عليهم الأمل أن يقودونا إلى المستقبل، هؤلاء قصصهم تنقر كوة من النور في جدران النفق وتهدينا للضوء في نهايته.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام