باحث يدعو لإيجاد بديل عربي للديمقراطية

/ 10-05-2017

باحث يدعو لإيجاد بديل عربي للديمقراطية

قد لا تكون القوى السياسية الجديدة التي ستبرز في دول ممزقة مثل سوريا والعراق بالضرورة القوى التي يتوقع الغربيون رؤيتها، بحسب عماد سلامة، الأستاذ المشارك للعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت. ففي كتاب نُشر مؤخراً، يصف سلامة التحالفات السياسية الجديدة على أساس الولاءات المجتمعية بدلاً عن الأحزاب أو الدول القومية.

قال “وفقاً للمفهوم الغربي، يجب أن يكون هناك انتقال ديمقراطي يفضي إلى تسوية سياسية تقوم على أساس سيادة القانون والانتخابات والشفافية في مؤسسات الدولة. وهذا أمرٌ غير محتمل.”

كما أن نموذج الأمة العربية لم يعد قابلاً للتطبيق أيضاً، بحسب سلامة. وكان ذلك هو النموذج الذي ساد في معظم القرن العشرين مدفوعاً بفكرة اعتبار العرب أمة واحدة، الأمر الذي أدى لظهور دول مركزية علمانية يحكمها حزب واحد يُحافظ على وحدتها بالقوة والسلطة الشخصية لحاكم منفرد.

قال سلامة “لا يزال العديد من المثقفين والأكاديميين العرب مخلصين لوجهة النظر تلك. إنهم يرون فيها وسيلة دفاع ضد الإمبريالية وسياسة “فرق تسد” التي تتبعها القوى الأجنبية. إنهم يترددون في التخلي عنها.”

يستخدم سلامة مصطلح “الكيموقراطية Communitocracy” لوصف الشكل السياسي الذي يراه، ويناقشه في كتابه الجديد المعنون “تراجع الدول الوطنية بعد الربيع العربي: صعود الكيموقراطية” (راوتلدج، 2017).

الكيموقراطية، كما يصفها سلامة، شكل من أشكال الشرعية السياسية القائمة على اتفاق فضفاض  بين المجتمعات. تنهار الدول العربية التي تأسست في القرن العشرين عندما يكون الولاء الرئيسي للشخص للمجتمع الذي ينتمي إليه ويحدده بدلاً من الانتماء للدولة. وفي الدول العربية، تتمثل الأشكال الرئيسية لهذا النوع من المجتمع في القبيلة والدين. يفترض سلامة أن تكون هذه هي اللبنات الأساسية لأي تسوية سياسية جديدة ستفضي إليها هذه الفترة من الحروب الأهلية العربية.

ومن الأمثلة على نمو هذا الإتجاه – وهو تطور لم يصل بعد إلى نتيجة – ما تم وصفه في ورقة بحثية جديدة لباحثين نشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط. تصف هذه الورقة نمو عدد كبير من ميليشيات المتطوعين (قوات الحشد الشعبي) في عراق ما بعد صدام. حيث أن جميع أعضاء هذه المجموعات من المسلمين الشيعة العراقيين وولاءاتهم ليست للدولة بل للقيادات الدينية الشيعية في العراق وإيران. وعلى الرغم من أن هذه الميليشيات منظمة بشكل غير رسمي، لكنها ذات دوافع عالية وكانت فعالة في قتال الدولة الإسلامية في العراق. (عندما أستولى مقاتلو الدولة الإسلامية على الموصل في حزيران/ يونيو 2014، انهار الجيش النظامي للدولة العراقية على الفور تقريباً، على الرغم من أعداد أفراده الضخمة). ويواجه رئيس الوزراء حيدر العبادي تحدياً يتمثل في كيفية استيعاب الميليشيات في تسوية سياسية جديدة، بعد السقوط الكامل للدولة الإسلامية، لكنه يتجاهل أو يعارض ذلك معرضاً نفسه للخطر.

في كتاب عماد سلامة، يرى أن صعود المجتمع على حساب الدولة نتيجة غير مقصودة للعولمة. لقد قوضت العولمة قوة الدولة القومية  بهدف السيطرة على اقتصادها. كما أنها قوضت سيطرة الدولة على المعلومات. فبغض النظر عن القوة التي تحاول من خلالها الدول العربية القضاء على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الاتصالات مثل سكايب وفايبر وواتس آب، تتسرب المعلومات بشكل حتمي عبر أية حدود رقمية تحاول الحكومات خلقها.

salameynew

عماد سلامة

لكن، أليس هذا النظام مختل بشكل سيء؟ حيث لم يجرِ البرلمان اللبناني ميزانية منذ عشر سنوات، وانقضى عامان من الشلل التشريعي قبل أن يتمكنوا من الاتفاق على رئيس. لبنان بلد صغير وثري نسبياً، مع ذلك، هناك انقطاع يومي في التيار الكهربائي ويبدو أن الحكومة غير قادرة بشكل مزمن على تنظيم جمع القمامة، وهي من الخدمات العامة الأساسية.

وبينما لا يزعم سلامة بأن لبنان نموذج لحكومة جيدة، لكنه يرى فيه عملية سياسية حية تعمل في الواقع. قال متحدثاً عن السياسة اللبنانية، “نعم، هناك مداولات لا نهاية لها على كل شيء. الناس يناقشون باستمرار. خارج لبنان، الناس غير معتادين على مثل هذه المداولات المطولة في شؤون السياسة العامة. لكن الشيء الرئيسي هو أن يواصلوا الحديث.”

وبالفعل، تضمنت “المداولات اللانهائية” حول مشكلة القمامة في البلاد مظاهرات عامة صاخبة، وتشكيل حركة سياسية جديدة باسم “بيروت مدينتي”، والتي فازت بنسبة 40 في المئة من الأصوات في الانتخابات البلدية في بيروت عام 2016.

تعتمد الكيموقراطية على الأطراف المشتركة في الاستمرار في الحديث إلى بعضها البعض: هذه هي الطريقة التي تحل بها الصراعات. يطبّق معهد العدالة الاجتماعية وحل النزاعات التابع للجامعة اللبنانية الأميركية، وهو المعهد الذي يديره سلامة، هذا المبدأ لحل النزاع بين اللاجئين السوريين في لبنان. الهدف من حل النزاعات هو تحقيق العدالة الاجتماعية، بحسب سلامة. وبالمثل، فإن الوضع على مستوى البلد – كما هو الحال الذي نراه في سوريا أو العراق حتى الآن – فإن “هدف الخطاب بين المجتمعات المتعددة هو تقاسم السلطة.”

لا يحاول الكتاب أن يكون بياناً رسمياً أو يسعى لتقديم حل، لكنه وضع ليصف الميل السياسي الحالي. ففي مناقشة في الجامعة اللبنانية الأميركية في آذار/ مارس، أشارت الدكتورة مروة شلبي من مركز بيكر في جامعة رايس في الولايات المتحدة إلى أن رواية سلامة لا تغطي كل المشاكل التي تواجهها الدول العربية. قالت “إذا كان لديك هذا النوع من الدولة الكيموقراطية، فمن هو المسؤول عن أي شيء؟ كيف ستقوم بتطبيق سيادة القانون والمساءلة؟” كما إنه لا يغطي العلاقات الاجتماعية الأخرى التي تمنع الحكم الرشيد في الدول العربية، لاسيما الفساد والانقسام بين المواطنيين العاديين والنخب، بحسب شلبي.

يعزو سلامة أصل خطه الفكري إلى الوقت الذي قضاه في الولايات المتحدة كطالب دكتوراه. فقد درس في جامعتين في مدينة ديترويت: جامعة وين ستيت وجامعة ميشيغان-ديربورن. وأصبح ناشطاً في السياسة المحلية – في قضايا نقابات العمال ولجنة مكافحة التمييز، اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز. وكانت النتيجة الواضحة، خاصة بالنسبة لعالم سياسي، هي أن يستلهم أفكاره من الديمقراطية الأميركية وفكرة المواطنة التي تتجاوز الولاء للهوية الدينية أو العرقية.

عوضاً عن ذلك، يقول “رأيت أشخاصاً من مجتمعات مختلفة يعملون معاً – اليهود والبروتستانت والأميركيين الأصليين والسيخ. كانوا يتصرفون بطريقة جماعية لحل المشاكل. لقد رأيت أشياء إيجابية فقط في هذه الهويات: رأيت التنافس بينهم، لكنني رأيت التعاون أيضاً.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام