في الجمع بين الأمومة والدراسات العليا

/ 28-04-2017

في الجمع بين الأمومة والدراسات العليا

كثيراً ما يتم سؤالي عن كيفية التوفيق بين دراستي وعملي وبين أمومتي ووضعي كزوجة وربة منزل.

علي في البداية أن أوضح أنني كنت موفقة جداً في عدة اختيارات مرتبطة بقدرتي على تأدية ما أفعله. أولها أنني اخترت برنامج دكتوراه مرن جداً يعطيني فرصة العمل من المنزل إلى جانب حضور بعض المحاضرات والاجتماعات التي تحدث بمعدل مرتين أسبوعياً، فلا تشكل ضغطاً كبيراً على مسؤوليتي تجاه أسرتيكما وفر لي عملي كمدونة وكاتبة الفرصة لتحقيق دخل مادي إضافي دون الحاجة إلى ترك المنزل.

باختصار فإن قناعتي بضرورة تقديم الرعاية لأطفالي دون الحاجة إلى المربيات أو الحضانات، دفعتني لإيجاد وسائل لتحقيق هدفي، وقد كنت محظوظة أنني وُفِّقْت إلى ذلك.

علينا أن نعترف أن الأمهات يتحملن مسؤولية كبيرة في حال اخترن أن يتكفلن بتربية الأطفال بشكل كامل، وأن إضافة عمل أو مسار دراسي، تعني الدخول في دوامة قد تؤدي إلى تراكم الضغوطات وتكاثر الأزمات على العائلة ككل، مما يدفع كثيراً منهن إلى ترك العمل أو الدراسة.

في بداية رحلتي مع الدكتوراه سبق خبر حملي بابنتي الثانية، خبر حصولي على منحتي الدراسية، لذلك كنت مؤمنة إلى حد كبير بأن هذه الفرصة هي نصيب ابنتي من الرزق! أعرف أنها فكرة غريبة ولكنها كانت منطقية جداً بالنسبة لي، وهي التي دفعتني إلى المضي في هذا الطريق دون الكثير من التساؤل أو التردد.

واجهتني الكثير من التحديات التي تصاحب انتقال عائلتي بالكامل إلى بلد جديد، أستراليا، خاصة أثناء حملي في الشهر الخامس، وبرفقتنا طفلة تبلغ العامين من العمر، ومنها التأقلم مع أسلوب حياة مختلف، والتآلف مع الاغتراب، والقدرة على إيجاد الطاقة للعمل، خاصة وأنني قمت بالتدريس إلى جانب البدء في كتابة الرسالة في الشهور الأولى من برنامج الدكتوراهكل ذلك تراكم خلال العام الدراسي الأول، وصاحبه تغيير لموضوع الرسالة، وإحساسي بأنني لا أستطيع تحقيق ما يحققه غيري من الطلاب نظراً لكوني غير متفرغة تماماً لهذه الرحلة الأكاديمية.

يجب أيضاً أن أذكر عاملاً إضافية لزيادة هذه الضغوط، وهو تحول الوسط الأكاديمي إلى وسط اجتماعي بالدرجة الأولى، يسعى فيه طلاب الدراسات العليا والمتخرجون الجدد إلى الظهور في اللقاءات والتجمعات وكافة الأنشطة مما يزيد من الفرص المتاحة لهم في التعاون الأكاديمي، أو تلقي طلبات الاستضافة في الورش العلمية، والمجلات البحثية والكتب.

كل ذلك بالإضافة إلى الضغط الذي يسببه العمل البحثي نفسه، في زمن لم يعد فيه التخصص الواحد كافياً حيث تسود مناهج البحث التكاملية interdisciplinary، الأمر الذي يتطلب جهداً مضاعفاً في قراءة النظريات المتعلقة بالموضوع وتكوين مقاربة جديدة للبحث يتميز بها الطالب عن غيره ممن سبقوه.

أذكر أنني حملت ابنتي بحمالة الأطفال القماشية عندما كانت تبلغ من العمر أربعة أسابيع وتوجهت إلى محاضرة كان مطلوباً منّي حضورها كجزء من البرنامج، وإلى عدة  أنشطة أخرى، رغبة منّي في إثبات كفاءتي وقدرتي على الاستمرار، لاسيّما وأنه لم يكن من حقي أن أحصل على أجازة وضع ورضاع  لكوني طالبة دولية في عامها الأول.

تباينت ردود فعل أساتذتي وزملائي ، معظم المجتمعات كانت داعمة جدًا لي كوني أم وطالبة، لكن صادفتني بعض المخاوف بشأن قدرتي على الجمع بين التركيز على الشرح أثناء المحاضرات ورعاية طفلتي. ولكن المواقف الصغيرة لم تتسبب في تثبيطي، فقد اصطحبتها إلى المحاضرات الجامعية والعامة متى احتجت دون حدوث أي مشكلات تُذكر. وفي الحقيقة ما زلت أفعل ذلك إلى يومنا هذا.

لم يكن الوضع كذلك مع طفلتي الأولى، أثناء حضوري لدورة تدريبية في الجامعة الأميركية. إذ قالت لي العديد من الأمهات والطالبات الأخريات إنه يتوجب على البقاء في المنزل ورعاية طفلتي. أعتقد أن هناك الكثير الذي يتعين القيام به لتسهيل مهمة الطلاب الآباء والأمهات في مرحلة الدراسات العليا في العموم وفي بيئتنا على وجه الخصوص.

كما شرحت في  مدونتي السابقة  فإن نظام الدراسة البريطاني لا يأخذ بعين الاعتبار الكثير من المتغيرات ولا الجهود المبذولة، ولكنه فقط يقيم النتائج.

كان تقييمي في العام الأول هوتأجيلوليس “تأكيدترشيحي للدرجة إلى حين انتهائي من كتابة أول فصل من الرسالة، وكانت هذه طريقتهم في دفعي للعمل أكثر، tough love كما يسمى باللغة الإنجليزية.

بعد هذا التقييم وصلت إلى مرحلة من البؤس والإحساس بالإنهاك جعلتني راغبة في الابتعاد قليلاً عن وسط العمل والدراسة، ومن حسن حظي أنني وعائلتي اضطررنا  في ذلك الوقت إلى العودة إلى بلادنا لبضعة أشهر. هناك وجدت أن البعد المكاني وفر لي مساحة من الراحة والقدرة على التنفس والاسترخاء تمكنت خلالها من استعادة التوازن ومتابعة العمل في خضم عزلة كاملة.

في بداية عامي الثاني كنت واعية جداً بما أستطيع فعله وما ليس مناسباً لوقتي ولا طاقتي. بدأت باختيار المحاضرات التي أريد حضورها دون الإحساس بالذنب إذا ما اضطررت للاعتذار عن الحضور، وتوقفت عن مقارنة نفسي بالطلاب الآخرين من غير المتزوجين الذين يقضون أيامهم في الجامعة، بينما أذهب أنا حسب الحاجة.

شرحت موقفي لمشرفتي بوضوح ومباشرة، وتجاوبت هي مع هذه المقاربة الجديدة وإعطاء الأولوية لكتابة الأطروحة. وضعت هدفاً واحداً أمامي وهو إنهاء المطلوب منّي فيما يتعلق بالعمل البحثي، وعندها بدأت أنهي فصول الرسالة واحداً تلو الآخر، لأنني أدركت، أنها ما سأحاسب وأقيم عليه بعد انتهاء مدة البرنامج، وليست كل الدورات والمحاضرات والتدريبات واللقاءات والحفلات الإضافية التي لا ترتبط ببحثي أو تدعم مشروعي.

تفهمت حقيقة أنه ليس بالضرورة أن نعمل كلنا بنفس الطريقة، وأنني أستطيع بإيجابية استخدام المرونة التي على أساسها فضّلت الالتحاق بهذا البرنامج. وهو ما دعم قراري بأن لا أترك دراستي تؤثر على رعايتي لرضيعتي لذلك كنت أصطحبها معي إلى كل اللقاءات والمحاضرات الممكنة، وأقوم بالاستئذان لإرضاعها أو أنتقل إلى جانب مستور من الغرفة وأقوم بذلك، وقد كانت هي متعاونة جداً فلم تعبر عن مللها إلا في مواقف معدودة.

الآن وأنا أقترب شيئاً فشيئاً من نهاية رحلتي الأكاديمية لنيل الدكتوراه، أدرك أن أمومتي كانت عاملاً كبيراً في دفعي إلى إعطاء هذه الدرجة العلمية حقها دون مبالغة، فهي ليست محور حياتي بل جزء منها، وأطفالي يذكرونني بهذا طوال الوقت، يوفرون لي الدعم المعنوي والوقت المستقطع الذي أحتاجه عندما تكون الأمور صعبة وينغلق التفكير.

أقرأ عن الأمراض النفسية عند طلبة الدكتوراه وأتابع أحاديث أمهات أخريات أكاديميات وتكرارهن الدائم لهذه الحقيقة، فنحن قد نغرق تماماً في المواقف الصعبة إلى درجات مَرضيّة إن لم نحقق التوازن المطلوب الذي يمدنا بالشجاعة والقدرة على إبصار الأمور بحجمها الحقيقي، وهذا تماماً ما تفعله العائلة.

إذاً هل يمكن أن نجمع بين الأمومة والدراسات العليا؟

نعم يمكن بالتأكيد، ولكن يجب أن تختار الأم ذلك بكل ثقة وهي على علم بثقل المسؤولية في كلا الجانبين. كما ينبغي أن يكون هناك تحديد منذ البداية لما هو ممكن فعله، وما هو فوق الطاقة، حتى لا نكلف أنفسنا ما ليس في وسعها، وأن نعبر عن مشاعرنا لمن حولنا خصوصاً الأزواج، نشرح لهم صعوبة الأمر إذا ما احتجنا لذلك، لأن وجود شريك يأخذ مسؤوليتنا بجدية، هو قضية مركزية في القدرة على التعامل مع ضغوطاتها سواءً بتقديم العون مادياً أو معنوياً. أخيراً علينا أن ندرك أن الوسط الأكاديمي لا ينظر بعين الاعتبار للطلاب الآباء والأمهات، بل للطلاب الأفراد المتفرغين، لذلك فنحن، كأمهات وآباء، ندخل مجالاً لا يرحب بنا، لهذا السبب تحديداً علينا أن نعمل جاهدين لتغيير هذا الواقع بوجودنا فيه.

أحلام مصطفى مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها. يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام