الجامعات المصرية تسئ استخدام القواعد التأديبية للطلاب

/ 28-04-2017

الجامعات المصرية تسئ استخدام القواعد التأديبية للطلاب

تهدف أنظمة تأديب الطلاب في المؤسسات الجامعية التي تسعى نحو مجتمع أكاديمي حر إلى إلزام الطلاب بالسعي إلى الحفاظ على السلامة الشخصية، وعلى سلامة العملية التعليمية ذاتها، واحترام حقوق الآخرين وممتلكاتهم، ومعاملة الآخرين بكرامة واحترام، والتصرف كمواطنين مسؤولين في المجتمع الجامعي بحيث تبدو الفلسفة من وراء النظام التأديبي إلى دعم الجامعة في تنفيذ مهمتها الرئيسية في تقديم العلم والمعرفة للطلاب وتكريس بيئة مناسبة للبحث العلمي.

لكن النظام التأديبي في الجامعات المصرية يبتعد في أوقات كثيرة عن هذا الهدف، ويُستخدم بشكل تعسفي ضد الطلاب، وخاصة الطلاب الناشطين سياسياً، استناداً علي نصوص قانونية مطاطة. ففي شهر آذار/مارس الجاري ظهرت بعض الحالات التي يُستخدم فيها النظام التأديبي بشكل قاسي للغاية علي أفعال لا تخالف أي قوانين أو لوائح، كأن الهدف من هذا النظام هو معاقبة الطلاب وفقًا  لقناعات شخصية لدى بعض القيادات الجامعية.

فعلى سبيل المثال، قررت كلية العلوم بجامعة الإسكندرية فصل طالبة شهرين بتهمة “تناول الطعام والشراب” في إحدى المحاضرات، والسؤال هو هل يضر تناول الطعام العملية التعليمية في شئ؟ وهل تم فصل هذه الطالبة لأنها أضرت بالعملية التعليمية، أم لأنها تصرفت تصرف لم يرض الأستاذ؟

وحتى في توقيع العقاب تعمد المجلس التأديبي توقيع عقوبة قاسية للغاية علي الطالبة وهي الفصل شهرين كاملين، علي الرغم من أن قائمة العقوبات التأديبية في قانون تنظيم الجامعات المصرية تشمل عقوبات أقل بكثير، مثل التنبيه، أو الإنذار، أو الحرمان من بعض الخدمات الطلابية، أو الحرمان من حضور المقررات لمدة شهر.

في نفس الشهر، ومن خلال نفس المجلس التأديبي لكلية علوم جامعة الإسكندرية، تم توقيع عقوبة الفصل شهرين علي طالب، فقط لأنه لم يرتدي البالطو أثناء انعقاد محاضرة عملية، من الممكن أن نتفهم حرمان الطالب من حضور هذه المحاضرة، بسبب عدم ارتداء البالطو مما قد يعرضه لمواد كيميائية خطرة مثلًا، ولكن هل فصله لمدة شهرين كاملين حصن العملية التعليمية من أي خطر؟ أو أفادها بأي شئ؟

أما كلية الهندسة بجامعة عين شمس فقد قررت إلغاء حفلات بعنوان “Fun Day”، أو “يوم المرح” بحجة الخروج عن القواعد العامة للكلية وعدم الالتزام بالأعراف الجامعية واعتداء الطلاب علي أعضاء هيئة التدريس في هذه الحفلات.

كذلك قررت عقاب كل من يخالف هذا القرار بالفصل النهائي من الكلية، ثم تراجعت الكلية عن هذا القرار بعد تقديم اتحاد الطلاب اعتذاراً رسمياً عما بدر من الطلاب في الأعوام السابقة، وبعد أن وضعت الكلية شروطاً لإقامة مثل هذه الحفلات، وهي شروطاً أثارت غضب كثير من طلاب الكلية.

وفي حادثة أخرى، أحالت كلية هندسة البترول والتعدين بجامعة قناة السويس خمسة طلاب للتحقيق بسبب استخدامهم للمصعد! واكتشف الطلاب بعد تحويلهم للتحقيق أن إدارة الكلية قد خصصت المصعد “فقط” لأعضاء هيئة التدريس.

وتجدر الإشارة إلى أن مبنى الكلية مكون من خمسة طوابق، ولا يعلم أحد لماذا تعاقب الكلية طلاباً استخدموا مصعد كليتهم للذهاب إلى محاضراتهم؟ 

مظاهرة طلابية في جامعة القاهرة تعود لعام 2011 ( الصورة بوابة الاشتراكي)

مظاهرة طلابية في جامعة القاهرة تعود لعام 2011 ( الصورة بوابة الاشتراكي)

ويبدو أن ممارسات التضييق علي طلاب الجامعات في مصر لا تقتصر فقط على بعض القيادات الجامعية، إذ طالب بعض أعضاء البرلمان بمنع الطلاب الذين يرتدون”البناطيل الممزقة” من دخول الجامعة ، أبرزهم الدكتورة آمنة نصير، أستاذ الفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر الشريف، وعضو مجلس النواب المصري، التي طالبت رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار بمنع ارتداء هذه الملابس في جامعة القاهرة، ليرد عليها نصار بأن تدخل إدارة الجامعة في حرية الملبس للطلاب يستدعي استصدار قانوناً، ليتدخل رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية بالبرلمان قائلًا إن الأمر لا يحتاج لتشريع وإنما يحتاج لقرار إداري فقط، وكأن المشكلة تكمن في آلية تقنين هذا المنع.

إن حرية الملبس هي حرية شخصية لا يمكن أن يحكمها أو يقيدها قانون أو قرار إداري، لأن الدستور المصري قد كفل الحرية الشخصية لكافة المواطنين، حيث تنص المادة (54) من الدستور على أن “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس …”. كذلك نصت المادة (99) على أن “كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور جريمة لا تُسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وللمضرور إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر وتكفل الدولة تعويضًا عادلًا لمن وقع عليه الاعتداء…”

لم تغب جامعة الأزهر عن المشهد، بل سجلت حضورها بموقف تمييزي فج، إذ قام عميد كلية الإعلام بها بطرد عدد من الطالبات من إحدى الورش التدريبية بكلية البنين، مؤكداَ على أن “الكلية أقامت العديد من الندوات والورش قبل ذلك ولم تحضر أي طالبة، لماذا هذه الورشة بالذات؟”، وأنه “في حالة حضور الطالبات الورشة في فرع البنين يمكن أن يثرن مشكلات نحن في غنى عنها، من بينها ادعائهن بأن طالب تحرش بهن”.

العميد يتصور أن إخفاء الطالبات سيمنع إثارة المشاكل، ويحملهن مسؤولية تعرضهن لأي تحرشات من قبل الطلاب.

في بلد يعاني الكثير من الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في إصابة قطاع عريض من الشباب بحالة من اليأس والغضب، يجب أن يعي القائمون على الجامعات والتعليم العالي في مصر أن التضييق الذي وصل إلى أبسط الحريات الشخصية، بل ووصل أيضاً إلى بعض التصرفات العادية للغاية، لن يولد سوى مزيد من الإحباط والكراهية والتطرف.

وإذا كانت الجامعات تريد بحق أن تكون جامعات حرة مستقلة، عليها أن تشرع فوراً في المطالبة بتعديل النظام التأديبي المجحف بحق الطلاب.

وعلي القيادات الجامعية والمعنيين بالشأن الجامعي أن ينسوا الثقافة الأبوية ويعوا أن طلاب الجامعات ليسوا أطفالًا بحاجة إلي التهذيب، بل هم شباب جيل مختلف تماماً، جيل بحاجة إلى مزيد من الحرية والانفتاح.

من جهة أخرى، يتوجب على الحركة الطلابية طرح أجندة مطالب أكثر تطوراً وتنوعاً، تدمج الطلاب في إدارة العملية التعليمية من خلال الاتحادات المنتخبة، وتدافع عن الحقوق والحريات الفردية للطلاب، وغيرها من القيم والسياسات المجابهة للثقافة الأبوية والوصاية لدى القيادات الجامعية والمسؤولين عن التعليم العالي في مصر بشكل عام.

*محمود شلبي باحث في برنامج التعليم والطلاب في  مركز عدالة للحقوق والحريات، مركز قانوني حقوقي مصري غير حكومي.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام