دروس للأطفال وللإنسانية في ريف شمال لبنان

/ 11-04-2017

دروس للأطفال وللإنسانية في ريف شمال لبنان

عكار، لبنان– في المحافظة الواقعة في أقصى شمال لبنان، توجهنا بالسيارة عبر طريق ترابي لنمر بمخيم للبدو السوريين، على بعد حوالي 20 كيلومتر من الحدود السورية. في المخيم، تتجمع منازل صغيرة مصنوعة من الأغطية البلاستيكية والقماش المشمع والملفوف حول اطارات خشبية في المكان. في وقت سابق من صباح ذلك اليوم، كانت السماء قد أمطرت برشقات غزيرة، وبدت على الطريق آثار برك وحل عميقة. بدا الطين سميكاً بشكل كبير.

قمنا بالالتفاف والتوجه بالسيارة مروراً بطريق يؤدي إلى مخيم سوري غير رسمي. (لا يُمكن الإشارة إليه بشكل رسمي على أنه “مخيم للاجئين”، لأن الحكومة اللبنانية لا تعترف رسمياً بوجود لاجئين سوريين، والذين لهم حقوق بموجب القانون الدولي.) تُعتبر هذه المنطقة مكتظة باللاجئين وكانت تعاني ضعفاً في التنمية الاقتصادية قبل وصولهم إلى لبنان لأن المنطقة بعيدة عن الخدمات الحكومية وخارج نطاق وصول العديد من المنظمات غير الربحية.

على بعد مسافة قصيرة من الطريق، وصلنا إلى بوابة مسيّجة. كنا – أنا وإحدى زميلاتي وأحد المعارف من اللبنانيين – هناك لزيارة مركز تعليمي يعمل مع الأطفال السوريين الذين تتراوح أعمارهم ما بين سنتين و15 عاماً. بعد إجراء مكالمة هاتفية، فُتحت البوابة. يستأجر المركز الأرض التي يقوم عليها، حيث تمنع اللوائح الحكومية تشييد المباني الدائمة، لذلك يتألف المركز من عربات كبيرة “كرفانات” وأكواخ صغيرة ذات سقوف معدنية مموّجة.

تدير منظمة ملاك – وهي منظمة غير ربحية مسجلة في لبنان تقول إنها لا تمتلك أي تحيز سياسي أو ديني – المركز، وتتلقى الدعم بصورة رئيسية من قبل مانحين من القطاع الخاص، فضلاً عن القليل من المساعدات الدولية. يتعين على الأطفال الأكبر سناً في المركز حضور داوم بفترة مسائية في إحدى المدارس المحلية اللبنانية، حيث يحضرون دروساً من الساعة 1:30 مساء وحتى السادسة مساءً هناك. أما بالنسبة للمركز، فإنهم يصلون إليه في الساعة التاسعة والنصف صباحاً ليحصلوا على دروس خصوصية، ومساعدة في أداء الواجبات المنزلية، ومساعدة في اللغة الفرنسية، لغة التدريس في المدارس المحلية والتي تعتبر لغة غير مألوفة بالنسبة لمعظمهم. فيما يشارك الأطفال الأصغر سناً في برنامج الطفولة المبكرة الذي يؤهلهم لدخول المدرسة. يوفر المركز للأطفال إمكانية الوصول إلى الفن والموسيقى والرياضة، وأحياناً الحصول على دروس في الكومبيوتر أيضاً.

طلاب متحمسون في حصة الرياضيات في أحد صفوف برامج المساعدات المتعددة.

طلاب متحمسون في حصة الرياضيات في أحد صفوف برامج المساعدات المتعددة.

ذهبنا للجلوس في مكتب المركز ونحن نحتسي القهوة التركية جالسين على أريكة بالقرب من الدفء المنبعث من موقد نفطي، ونحن نتحدث إلى جويس رزق، المديرة الميدانية للمركز. قالت رزق إن الطقس يمثل التحدي الأكبر بالنسبة لها، وأن العديد من الأطفال قد بقيوا في بيوتهم اليوم خوفاً من المطر.

في بعض الأحيان أيضاً، يتم أخذ الأطفال من مقاعد الدراسة بهدف العمل. فعندما تتاح لهم فرصة للمساعدة في مواسم الزراعة والحصاد في هذه المنطقة الزراعية، حيث تعتبر بساتين البرتقال المحروثة مشهداً مألوفاً، قد يترك الأطفال المدرسة لمدة شهر أو ستة أسابيع، ليعودوا مجدداً بعد ذلك. لذلك، تعتبر الغيابات واقعاً يتوجب على المعلمين التعامل معه – حيث يمتلك السكان فرصاً قليلة أخرى للحصول على النقد. فمع تواجد أكثر من مليون سوري في لبنان، يُنظر إليهم هنا كمهاجرين، كما هو الحال في الكثير من البلدان الأخرى – أي كأشخاص يسرقون الموارد وفرص العمل بدلاً من كونهم أشخاصاً يمكن لهم أن يقدموا مساهمة تعود بالنفع الاقتصادي.

غادرنا المكتب بعد ذلك، وقام رئيس المركز، الشيخ عبدو حسين، وهو الرجل الذي ساهم في بناء المكان بدءً من خيمة واحدة، بأخذنا في جولة لاستطلاع المكان. دخلنا إلى غرفة الموسيقى في إحدى الكرفانات. امتلأ احد أركان الغرفة بالآلات الموسيقية التي يعتقد المعلمون بأن الأطفال يمكن أن يتعلموا عليها: آلات العود والغيتار، وبيانو، وطبول، وطبلات، فضلاً عن الطبل السوري التقليدي الذي يُمكن أن يُسمع في العديد من الاحتفالات. وقد كونت مجموعة من الشباب السوريين الذين سبق لهم ارتياد المركز الأكاديمي منذ البداية، وينحدرون في الأصل من حمص ومحيطها، فرقة هيب هوب أطلقوا عليها اسم “الحمصيين” أو The Homsies. وقاموا بتسجيل ثلاث أغنيات عربية بمساعدة جمعية خيرية اسكتلندية.

وقام الشيخ أيضاً باطلاعنا على مطبخ بأرضية من البلاط، ومنضدة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وموقد عليه وعاء كبير من الطعام يتم طبخه استعداداً لتناول وجبة الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً. يُكافح المتطوعون لجعل الوجبة صحية باستخدام الأرز والعدس والخضار، لتشجيع الأسر على إرسال أطفالهم للمركز. يوظف المركز نساء من المخيمات السورية المحلية، ويدفع لهم أجراً يومياً ضئيلاً مقابل إعداد وجبات الطعام. (كما يوفر لهن أيضاً آلات الخياطة ليقمن باستخدامها، ولدى المركز خطط للبدء ببرنامج لتثقيف المواطن.)

وبينما كنا نسير في الممر المفتوح في الهواء الطلق بين الكرفانات، تبعتنا فتاة صغيرة تدعى ورود كانت قد تجاوزت سن حضور الفصول الدراسية للمركز لكنها تحاول أن تكون مفيدة في الموقع. كانت فضولية بلا هوادة، تراقبنا وتبتسم. ورود يتيمة، وتم الحاقها ببقية اللاجئين الذين غادروا من سوريا عبر لبنان وصولاً إلى شماله.

توقفنا عند المكتبة، وهي غرفة صغيرة تصطف فيها رفوف الكتب. سألت الشيخ قائلاً “ما هي الكتب الأخرى التي يمكن أن تكون مفيدة؟”، متسائلاً عن إمكانية تقديم تبرعات. فقال إن اختيار الكتب ليس من مسؤوليته – وأن بإمكانه سؤال المعلمين عمّا يلزمهم من الكتب. كما قام باصطحابنا إلى حديقة، حيث تزرع المدرسة السبانخ، والكرفس، والأعشاب، وغيرها من المحاصيل التي يمكن أن تدخل في صنع وجبات الطعام اليومية.

الشيخ عبدو حسين رئيس مركز ملاك في لبنان.

الشيخ عبدو حسين رئيس مركز ملاك في لبنان.

يقول الشيخ إن التحدي الأكبر بالنسبة له يتمثل في دفع الرواتب حسب الجدول. تفضل الجهات المانحة المشاريع أو المنشآت ولا يحبون التكاليف المستمرة. تبلغ الميزانية السنوية للمركز حوالي 100,000 دولار أميركي، وهو يخدم 350 طفلاً في سن المدرسة، و120 طفلاً آخرين يحضرون برنامج الطفولة المبكرة. (وعلى سبيل المقارنة العامة، يمكن أن تمتلك مدرسة تخدم ذات العدد من الأطفال في نيويورك في الولايات المتحدة ميزانية سنوية تقدُر بحدود تسعة ملايين دولار أميركي.)

يعتبر الأطفال في هذا المركز ممن فرّوا من سوريا من المحظوظين، حتى لو كانوا يخوضون في الوحل في شمال لبنان. حيث يقول تقرير لمنظمة اليونيسف صدر مؤخراً إن الأطفال داخل سوريا يعانون من تصاعدٍ حاد في العنف، مع ارتفاع نسبة وفيات الأطفال لتصل إلى 20 في المئة بالمقارنة مع العام السابق. وقد وقعت مئتان وخمسة وخمسين 255 حالة وفاة في المدارس أو بالقرب منها.

قال غيرت كابيليري، المدير الإقليمي لمنظمة اليونيسف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في بيان صدر مع التقرير، “عمق المعاناة غير مسبوق. لقد ترك كل طفل بندوب سببتها الحياة مع عواقب مروعة تطال صحتهم ورفاههم ومستقلبهم.”

وفي أرض المركز في عكّار، تعرف زميلنا اللبناني على صبي يعرفه يحمل حقيبة ظهر، وهو يجتاز الفناء باتجاه بوابة المركز. قام زميلنا بمناداة الصبي وتبادلا التحيات. في حصة التربية الفنية، اعتاد الصبي على رسم الدم والأشلاء المتناثرة، لكنه تحول في الآونة الأخيرة لموضوعات أكثر سلمية.

في رحلة منفصلة إلى وادي البقاع، مررنا بالسيارة بحقول الكروم والجبال لا تزال تعلوها ثلوج فصل الربيع لنصل إلى مدرسة يديرها فادي الحلبي، وهو جراح أعصاب تحول إلى مدرّس. يُعرف برنامجه باسم MAPS، وهو اختصار برامج المساعدات المتعددة Multiple-Aid Programs، وهو يستخدم نموذجاً يختلف عن ملاك Malaak. في هذا البرامج، لا يذهب الأطفال السوريون إلى المدارس اللبنانية، لكنهم يحضرون فصولاً دراسية خاصة بهم في كرافانات بالقرب من مخيمات أولياء أمورهم. (اقرأ المقال ذات الصلة، مبادرة سورية لتعليم الأطفال اللاجئين في لبنان.)

يمزج البرنامج المساعدات الإنسانية والرعاية الصحية مع مشاريعه التعليمية ويخدم نحو 3,500 طفل في تسعة مواقع. يستعد الأطفال للاختبارات، والتي سيجرونها في سوريا أو لبنان لاثبات مستوى تحصيلهم والسماح لهم بالتقدم للمستوى التالي. (يواجه العديد من الشباب السوريين نهايات مغلقة بالنسبة لتعليمهم بسبب عدم امتلاكهم لوثائق تثبت ما تعلموه.)

كان الحلبي متحمساً للحديث ووضّح بأنه يريد أن يمضي بالتعليم إلى نقطة أبعد ممّا كان يقدم في سوريا. يريد الحلبي من الطلاب العمل على مشاريع واستكشاف أفكار بطرق من شأنها أن تجعلهم راغبين في الحصول على المعرفة، عوضاً عن التلقين، واعداً إياهم بأنهم، يوماً ما، سيتمكنون من بناء الأشياء أوالابحار في عالم الأفكار. باختصار، يريد الحلبي لهم توسيع فضولهم الفطري ليصبحوا ممارسين للتفكير النقدي.

فادي الحلبي، مدير برامج المساعدات المتعددة.

فادي الحلبي، مدير برامج المساعدات المتعددة.

يحاول الحلبي بلا هوادة حمل كل شخص يعمل معه على السعي لتطوير ذاته مهنياً. يحضر المعلمون – وجميعهم من السوريين – حصصاً شخصية وعبر الإنترنت على حد سواء. يدرس الحلبي نفسه الآن لنيل درجة الماجستير في إدارة الأعمال. وقد أقام اتصالات مع أعضاء هيئة تدريس في جامعة هارفارد وكلية لندن الجامعية بهدف مواصلة السعي لتحسين مدارس مشروع MAPS. وعند سؤاله عن المساعدات التي يأمل في الحصول عليها من الجامعات، وضع الخبرة التقنية في المقدمة والمال ثانياً.

بعد مناقشتنا للأمر، اصطحبنا الحلبي في جولة سريعة لرؤية المبنى الإداري الذي يعمل فيه، والذي تم تحويله لنقطة انطلاق لمسابقة الروبوتات التي ستعقد في اليوم التالي لزيارتنا. سيشارك الأطفال والصبية في مسابقة الروبوتات في جامعة سيدة اللويزة في بيروت. في مكتب منظمة MAPS، يختبر الشباب الروبوتات التي قاموا بتصميمها وبنائها من أجزاء تجارية، مثل الليغو وفيكس للروبوتات. تسحب الروبوتات أجساماً من وسط ساحات مستطيلة لتقوم برميها خارجاً. يبتسم الحلبي عندما يتذكر تلقي منظمته السورية الدعوة لأول مرة للمشاركة في مسابقة لبنانية لتصميم الروبوتات ويعدها نوعاً من الدعم النفسي والاجتماعي، قبل أن يفوز في المسابقة.

اصطحبني المنسق الميداني للحلبي برفقة أحد الزملاء لرؤية المدرسة التابعة لمنظمة MAPS. على أطراف مخيم اللاجئين حيث تعيش 135 عائلة، وهو تركيب على شكل حرف U من كرافانات مصبوغة بأناقة، مع فناء مرصوف، وأزهار، وطارة للعلب كرة السلة، ومساحة مغطاة حيث يمكن للأطفال والمعلمين الهروب من شمس الصيف. دخلنا في حصص للغتين العربية والإنجليزية فضلاً عن حصة لمادة الرياضيات، حيث جلس الأطفال، ثلاثة على كل رحلة مدرسية. وكانت حصة الرياضيات الحصة الأكثر حيوية التي رأيتها في حياتي. لكن، وفي الوقت ذاته، ما أن طلب المعلم من التلاميذ الصمت ووضع أياديهم على مناضد الرحلات، حتى هدأ الأطفال وبدأوا بالإنتباه في صمت.

فريق الفنار للإعلام ديفيد ويلر وأورسولا أوكس مع منسق برامج المساعدات المتعددة خلال زيارتهم لإحدى مدارس البرامج.

فريق الفنار للإعلام ديفيد ويلر وأورسولا أوكس مع منسق برامج المساعدات المتعددة خلال زيارتهم لإحدى مدارس البرامج.

في نهاية رحلتي إلى شمال لبنان، أعتقد بأن كل أولئك الناس من جميع أرجاء العالم، في الجامعات، والمدارس، والكنائس، والمعابد، والمساجد، وحيث يفترض أن يكون التعليم والإحسان في قلب البعثات المؤسسية، بحاجة للعمل هناك. أتساءل عن سبب عدم وجود عدد أكبر من الناس للمساعدة. تمتلك منظمة ملاك مسكناً من غرفتين ومطبخ يمكن للمتطوعين أن يأتوا إليه للعمل هناك. وهي تتقبل التبرعات المادية والنقدية. يستفيد من الأموال الممنوحة فريق من المتطوعين السوريين واللبنانيين، والطباخين، والمعلمين، وأولياء الأمور، وسائقي الحافلات الذين يقدمون المساعدة في المخيم.

والأهم من ذلك كله، أن كلاً من مؤسستي ملاك وMAPS على حد سواء، لديها دروساً لإفادة مربيين آخرين، ولكن لديها أيضاً احتياجات.

لكن العالم يبدو مهووساً بحظر السفر، وإجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانتخابات الأوروبية، وصخب الأخبار العالمية الأخرى. يساهم هذا الضجيج السلبي في إغراق أصوات ستة ملايين طفل سوري تقول منظمة اليونيسف إنهم يعتمدون على المساعدات الإنسانية، وأصوات أولئك الأطفال الذين رأيتهم في الفصول الدراسية في البقاع وعكّار وهم يرفعون أيديهم عالياً في الهواء، متحمسين ليكونوا أول من يجيب على أسئلة معلميهم.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام