تجدد الصراع القديم بين الفلسفة والدين

/ 17-02-2017

تجدد الصراع القديم بين الفلسفة والدين

الرباط – لا تتعرض الفلسفة للهجوم في المغرب، بحسب تصريح رئيس وزرائها عبد الإله بنكيران علناً في 19 كانون الثاني/ يناير. وكان ذلك الإعلان غير المعتاد تدخلاً رسمياً في نقاش حول دور وقيمة الفلسفة، ومدى توافقها مع العقيدة الدينية.

بدأ النقاش عندما لاحظ أحدهم نصاً يصف الفلسفة بأنها “إنتاج الفكر الإنساني المخالف لما جاء به الإسلام،” في قسم “الإيمان والفلسفة” من كتاب التربية الدينية للمدارس الثانوية المنقح حديثاً. يجعل النص من الفلسفة متعارضة بوضوح مع العقيدة الإسلامية، ويصورهما كما لو أنهما طريقان متمايزان للإجابة عن الأسئلة الكبيرة في الحياة.

في أواخر كانون الأول/ ديسمبر، عقدت الجمعية المغربية لأساتذة الفلسفة مظاهرات واعتصام في العديد من المدارس الثانوية، احتجاجاً على إدراج هذا الوصف للفلسفة، وإدانة النظرة المتعصبة والمتطرفة لتخصصهم.

يمتد النقاش الجاري اليوم في المغرب، بشكل أو بآخر، إلى قرون عديدة خلت.

كما أشار الكتاب المدرسي أيضاً إلى “اتخاذ كثير من علماء المسلمين لمواقف عنيفة تجاه الفلسفة” مستشهدة بعالم الحديث العراقي ابن صلاح الشهرزوري، الذي عاش في القرن الثالث عشر للميلاد، والذي كتب بأن “الفلسفة أسس السَفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة.”

يعتبر الكتاب المدرسي هذا واحداً من العديد من الكتب التي تم تنقيحها مؤخراً وفقاً لتعليمات العاهل المغربي، الملك محمد السادس، بهدف إصلاح مناهج التربية الدينية لإزالة المحتوى الذي يمكن أن يُشجع على التمييز أو التطرف.

دافع وزير التربية المغربي عن الكتاب المدرسي الجديد، معتبراً ذلك الجدل “تشويشاً تاماً على التغييرات العميقة التي أجريت في منهج التربية الإسلامية.” كما أخبر مسؤول في وزارة التعليم صحيفة لو موند بأن تلك النصوص مدرجة بصفتها “موضوع للتفكير” وليست “تعليمات تلقينية عقائدية”.

أشار البيان الصادر عن بنكيران – والذي يترأس الحزب الإسلامي الرائد في المغرب – إلى تنقيح 29 كتاب مدرسي، لكن النقاش ركز على جملة واحدة في كتاب واحد. وقال أيضاً إن النص يهدف لتوضيح وتقديم فرصة لمناقشة الفكر المتطرف لصاحبه.

قال بنكيران في الماضي إن المغرب لا يحتاج إلى “فلاسفة أو شعراء” – معبراً عن وجهة نظر شائعة تعتبر هذه التخصصات مضيعة للوقت، إن لم تكن تشكل تأثيراً سيئاً. يتم فهم الفلسفة في بعض الدوائر على أنها تشجيع على “الشك”، وهو مصطلح يحمل ضمناً دلالات على الكفر بالدين والتخريب.

انضم أساتذة الفلسفة للمشاركة في هذا النقاش.

أخبر نور الدين أفاية، أستاذ علم الجماليات والفلسفة في جامعة محمد الخامس بالرباط، الصحافة بأنه وبينما يشهد المغرب “انغلاقاً فكرياً بسبب استراتيجيات الإسلام السياسي”، فإن إصلاح المناهج الدينية جهد “جدير بالثناء”.

قال علي بن مخلوف، الفيلسوف المغربي الذي يدرّس في جامعة باريس إيست-كريتاي، في افتتاحية كتبها مؤخراً بأن النص يجب أن يحفز على النقاش، ما دام المعلم يتخذ النهج الصحيح، ليشجع الطلاب على التشكيك في النبذ المطلق للفلسفة من قبل عالم الحديث الذي عاش في القرون الوسطى.

بينما يركز كل المدافعين عن الكتاب المدرسي على أهمية فهم السياق الذي يرد فيه اقتباس الشهرزوري المهاجم للفلسفة، فإن أحداً منهم لم يركز على النص الذي يشكل انقساماً واضحاً بين المعرفة الفلسفية والعقيدة الإسلامية.

تم إدخال تدريس الفلسفة الغربية الحديثة في فترة الانتداب الفرنسي للمغرب، لكن التخصص ألغي بشكل تام تقريباً في سبعينيات القرن الماضي، عندما قمع الملك الحسن الثاني الحركات الطلابية اليسارية وساعد في تمكين القوى المحافظة والدينية. ومنذ أن أصبحت جزءاً من المناهج الدراسية مرة أخرى، بدأت المدارس الثانوية المغربية بتدريس الفلسفة في ثلاث سنوات وتمت إعادة تأسيس أقسام الفلسفة في الجامعات وتوسيعها.

وأشار بن مخلوف أيضاً إلى أنه، وطوال عدة عقود، كان هناك اهتمام متجدد بالفلسفة في المغرب، من حيث التسجيل في برامج الفلسفة في الجامعات وعدد المناسبات العامة على حد سواء.

في الخريف الماضي، استضاف المعهد الثقافي الفرنسي والمكتبة الوطنية للملكة المغربية بالرباط “ليلة الفلاسفة” في نسختها الثالثة، وهو حدث ناقش فيه بن مخلوف وفلاسفة آخرون مسائل الأخلاق والدين والبيئة أمام جمهور كبير.

في عام 2013، بدأ طلاب الجامعات المغربية مبادرة “الفلسفة في الزنقة” لتشجيع الشباب على التجمع في مناقشات عامة للمسائل الفلسفية. مع ذلك، تم التعامل مع تجمع عقد حديثاً بالقرب من جامعة مراكش على أنه مظاهرة غير مرخصة وتم تفريقه بعنف من قبل الشرطة.

يمتلك العالم الإسلامي فلاسفة مشهورين، مثل ابن سينا وابن رشد. وقد عاش الأخير في قرطبة ومراكش في القرن الثاني عشر الميلادي، وكان شخصاً موسوعياً كتب تعليقات واسعة عن أفلاطون وأرسطو بشكل خاص. وكانت هذه التعليقات بالذات ما ساهم في إعادة اكتشاف الفلاسفة الإغريق، والذين كانت أعمالهم قد أصبحت غير معروفة في الغرب تقريباً.

عندما هاجم الإمام الغزالي الفلسفة اليونانية باعتبارها مليئة بالتناقضات ومناقضة لتعاليم الإسلام في “تهافت الفلاسفة”، كتب ابن رشد مقال في الدفاع عنها بعنوان “تهافت التهافت”. وبعد خلافه مع السلطان المغربي مولاي يعقوب نُفي ابن رشد من مراكش وأحرقت كتبه. ولا يزال ابن رشد شخصية مرفوضة ومثيرة للجدل، ورمزاً بالنسبة للكثيرين عن إرث مفقود من التوفيق بين التحقق العقلاني والإيمان الديني.

ومن بين هؤلاء إدريس كسيكس، الكاتب والباحث المغربي المعروف. حيث يخبرنا كسيكس في روايته المنشورة حديثاً “مضيق ابن رشد” قصة أستاذ فلسفة في الدار البيضاء يحاول بنجاح غير مؤكد شرح ونشر أفكار ابن رشد في برنامج إذاعي يقدمه – كرمز عن محاولة صوت وحيد لإعادة الاهتمام بشخص منسي إلى حدٍ كبير.

ومع سيطرة الجدل الدائر حول الفلسفة والإسلام على صفحات الصحف حالياً، يبدو الوقت مناسباً لتذكرنا رواية كسيكس بأن جدل “عدم التوافق” هذا لا يزال مستمراً منذ عدة قرون.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام