برقية من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء

/ 21-02-2017

برقية من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء

الأسبوع الماضي، استضافت الدار البيضاء – المدينة الأكبر والأكثر ازدحاماً في المغرب – الدورة الثالثة والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، وهو المعرض الوطني الخاص بالنشر والكتاب.

مع كونه ذو مستوى أقل من معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي حضرته وكتبت عنه للفنار للإعلام العام الماضي، فإن معرض الدار البيضاء يمثل تاريخاً مهماً في التقويم الثقافي والفكري في المغرب. وعادة ما يتميز بنشر عدد من الأعمال المهمة، ولم يكن هذا العام استثناء عن ذلك.

على سبيل المثال، أصدرت أسماء المرابط، احدى أبرز المفكرات والناشطات النسويات المغربيات، كتابين جديدين يتعاملان مع وضع المرأة والإسلام، هما “المؤمنون والناشطات النسويات، رؤية أخرى للدين” (طبعة دو سيروكو)، و”الإسلام والنساء، الأسئلة المزعجة” (طبعة أون توت ليتر).

تَدين المرابط، الطبيبة ومديرة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام بالرباط، في آرائها بدين كبير لأعمال عالمة الاجتماع الراحلة فاطمة المرنيسي. ففي كتابها الإسلام والنساء، تقول إن هدفها هو “إزالة هذا اللبس بين الرسالة الروحية للنص المقدس والأصولية العقائدية للتفسير المؤسسي، ولتصحيح العدد الكبير من الأحكام المسبقة المتحيزة ضد المرأة والافترائية في بعض الأحيان والتي تم تدوينها في التقاليد الإسلامية باسم التعاليم الإلهية. فضلاً عن شجب ما قامته به الثقافة الأبوية من تزييف في روح المسلمين متمثلا في: الحط من قيمة المرأة.”

تعتبر معارض الكتب واحدة من أفضل الأماكن للقراء في العالم العربي حيث يمكنهم العثور على مجموعة واسعة من المطبوعات وبأسعار معقولة. ومن بين أسباب كون هذه المعارض مهمة للغاية كون شبكات توزيع الكتب ضعيفة جداً – سواء أكان ذلك عبر الحدود أو داخل كل البلد. في المغرب، هناك الكثير من الحديث عن “أزمة القراءة”. وجدت دراسة حديثة أجرتها إحدى الجمعيات الثقافية المغربية أن 85 في المئة من المغاربة لا يمتلكون بطاقات مكتبة، و64 في المئة منهم لم يشترِ أي كتاب في العام الماضي. كما أن نشاط الطباعة متواضع جداً، ولا تمتلك العديد من المدن أية مكتبة أو حتى متجراً لبيع الكتب، ويكافح الكتاب والناشرون من أجل كسب العيش.

في المغرب اليوم، “ليس القارئ من يبحث عن الكتاب، وإنما الكتاب هو ما يبحث عن قارئ”، بحسب عبد الجليل ناظم من دار طوبقال للنشر، إحدى أشهر دور النشر في البلاد، والتي تأسست على يد مجموعة من الأكاديميين والمثقفين قبل 30 عاماً. تنشر دار طوبقال ترجمات إلى اللغة العربية لكتابٍ بارزين مثل المنظر الأدبي والفيلسوف الفرنسي رولان بارت، وكتباً لباحثين مغاربة مثل عبد الفتاح كيليطو، بالإضافة لنشرها أعمالاً أدبية، وكتباً عن النقد الأدبي والفني واللغويات. يقول ناظم إنه قيل له بأن قائمة منشوراته تخص “النخبة” فقط. لكنه، وبصفته ناشراً، يتخذ خياراته بشكل “فردي وتاريخي”، معتمداً على الشغف الشخصي ومن أجل “الأجيال القادمة”.

من عناوين المعرض، تصوير: أورسولا ليندسي

من عناوين المعرض، تصوير: أورسولا ليندسي

مؤخراً، أصدرت مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية – وهي مكتبة وجمعية تمولها السعودية، مكرسة لتشجيع البحث العلمي في منطقة المغرب – تقريرها الثاني حول النشر في المغرب. أورد التقرير فهرساً يضم 3,304 منشوراً جديداً صدر عام 2016، بما في ذلك 497 مجلة أكاديمية (مع استبعاد الكتب المنهجية والكتيبات والمنشورات الخاصة بالعلوم الصعبة). تشكل الأعمال الأدبية النسبة الأعلى من المنشورات (25 في المئة)، تليها الكتب الخاصة بالقانون بنسبة (14 في المئة)، والكتب الدينية (10 في المئة). كما أن ما يقرُب من ربع إجمالي الكتب قد نشرت ذاتياً، و86 في المئة من المؤلفين هم من الذكور.

ازدادت حصة المطبوعات باللغة العربية بشكل مطرد، لتشكل اليوم أكثر من 80 في المئة من سوق الكتاب. ويعكس معرض الكتاب موقفاً رسمياً كبيراً من الكتب الصادرة باللغة الأمازيغية المعترف بها حديثاً (وهي نسخة قياسية موحدة من اللغات البربرية التي يتحدث بها أكثر من ثلث سكان البلاد)، لكن التقرير وجد بأن 2 في المئة فقط من المطبوعات قد صدرت بهذه اللغة.

يُعد معرض الدار البيضاء حدثاً عالمياً متعدد اللغات بشكل ملحوظ. حيث أن الأمر لا يقتصر على مسألة امتلاك أعضاء الجلسات الحوارية لذلك الميل الشمال أفريقي للتبديل السريع بين اللغتين الفرنسية والعربية جيئة وذهاباً في الجملة الواحدة، حيث سلطت العديد من الفعاليات هذا العام الضوء على العلاقة بين أسبانيا والمغرب، وعدداً من الترجمات الجديدة من الأسبانية إلى العربية. كما تم الاحتفاء بالذكرى المئوية لميلاد إدمون عمران المالح، الكاتب المغربي اليهودي والناشط الشيوعي الملتزم المناهض للاستعمار. فيما كان التركيز الرئيسي للمعرض هذا العام على الأدب الأفريقي، من خلال دعوة العديد من المؤلفين من جميع أنحاء القارة لمناقشة قضايا التعاون الأفريقي على مستوى القارة، ومشاركة الكاتبات من النساء، والهجرة وبدائل العولمة، وقضايا “نهاية عصر ما بعد الاستعمار”.

ترتبط مسألة الكُتاب والقراء – وغيابها – ارتباطاً وثيقاً بالتعليم بكل تأكيد. وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب واحداً من العديد من الجمعيات التي قدمت جدولها الزمني الخاص بالنقاشات العامة. ففي حلقة نقاش حول الشباب والجامعات، توحد المتحدثون والجمهور في وجهة نظرهم حول فشل نظام التعليم العالي، وعبروا عن قلقهم من ظاهرة اتساع الفجوة بين الجامعات الحكومية والخاصة.

إذا كان التعليم الجامعي يستخدم بصفته “مصعداً اجتماعياً”، فقد بدا الجميع متفقاً بأنه معطل الآن. تحدث حامد الأفدل، أحد المستثمرين البارزين ورئيس جمعية تهدف لمساعدة الطلاب الموهوبين من الفقراء، عن الحاجة لتوفير “تمييز إيجابي”، بدلاً من المساواة، مع وجود “تكافؤ في الفرص” على الأقل. فيما أشار متحدث آخر إلى أن الأمر سيستغرق جيلاً من اجل إيجاد الحلول. في هذه الأثناء، يدخل حوالي 200 ألف من خريجي الجامعات المغربية سوق العمل كل عام.

ربما يكون بالإمكان تحفيز هؤلاء الخريجين على مواصلة تعليمهم من خلال الاستثمار في الكتب. لكن، من السهل معرفة أسباب كون الملايين أو نحو ذلك من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاماً، ممّن لا يدرسون ولا يعملون ولا ينخرطون في أي نوع من التدريب، لا يرون أي سبب كاف يدعوهم لحضور صالون أدبي أو إنفاق متوسط يبلغ قدره 61.10 درهم مغربي (حوالي ستة دولارات أميركية) ثمناً لأحد الكتب.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام