fbpx


تحديات البحث الأكاديمي في مناطق الحروب

/ 06-01-2017

تحديات البحث الأكاديمي في مناطق الحروب

مع تصاعد النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم وارتفاع العدد الإجمالي للاجئين إلى أعلى المستويات، غالباً ما يجد الأكاديميون أنفسهم في خضم الصراعات، في محاولة لتقديم رؤى نافذة عنها. وتتسبب تلك الحالات في خلق العديد من التحديات المهنية.

يواجه الباحثون الذين يدرسون الصراعات معضلات تشبه تلك التي يواجهها المصورون الصحفيون. قالت سعاد جوزيف، أستاذة الأنثروبولوجيا والجنس والجنسانية ودراسات المرأة في جامعة كاليفورنيا في ديفيس، ومؤسسة جمعية دراسات المرأة في الشرق الأوسط، والتي قامت بإلقاء كلمة رئيسية في مؤتمر عقد في كانون الأول/ ديسمبر عن “إسهامات النساء العربيات في تحقيق سلام دائم”، “تخيل مصورة صحافية تراقب الناس وهم يقتلون في منطقة حرب. فإذا ما تدخلت لمنع القتل، لن يكون هناك عندها سجل للحوادث، لكنها قد تساهم في إنقاذ حياة أحدهم. وإذا ما إلتزمت بقواعد وظيفتها، قد تساهم صورها في رفع الوعي ويكون لها تأثير على نطاق أوسع، وبالتالي قد يكون في إمكانها إنقاذ العديد من الأرواح.”

تزداد أهمية البحوث في مناطق النزاع بشكل مستمر. فقد ارتفع عدد الصراعات في العالم بشكل حاد منذ العام 2010، بحسب مركز السلام المنهجي الذي يتخذ من الولايات المتحدة الأميركية مقراً له. كما أن أعداد قتلى المعارك تزداد في صفوف المدنيين بشكل مطرّد، وتتركز الوفيات في الشرق الأوسط، بحسب بيانات جمعها البنك الدولي عن مصادر أخرى.

في عملها في خضم الصراع، تقول سعاد جوزيف إنها اختارت تقديم يد العون.

قالت “ليس هناك توافق في الآراء بين المهنيين بشأن ما هو صواب أو خطأ في مثل هذه الحالات. يقول بعض الباحثين إنك ستغير الواقع الاجتماعي الذي تدرسه من خلال تدخلك. أنا أعتقد بأنه اختيار شخصي، لكن، حيثما يكون تقديمي للمساعدة مشروعاً، فإنني أميل للتدخل.”

وبغض النظر عن هذه القرارات الأخلاقية الصعبة، يقول الباحثون الأكاديميون الذين يعملون في مناطق الصراع إنهم يحاولون إلى حد كبير العمل بذات القواعد العلمية الصارمة التي توجه بحوث العلوم الاجتماعية الأخرى.

يقول سلطان بركات، مدير مركز دراسات الصراع والعمل الإنساني في معهد الدوحة، إن على الباحثين أن يكونوا أكثر مرونة وأن يقوموا باستخدام مجموعة واسعة من وسائل جمع البيانات. كتب بركات في مقال بعنوان “البحث تحت إطلاق النار” قائلاً، “تكلم بعض الباحثون عن مزايا رفع معنويات السكان المحليين والدردشة معهم في في الجزء الخلفي من سيارة جيب في طريقهم إلى موقع البحث.” وفي حين أن هذا الأسلوب قد لا يتفق مع بروتوكول البحث الرصين، إلا إنه لا يزال وسيلة جيدة لجمع المعلومات، بحسب بركات.

قالت سيفيرين أتسيري، الأستاذة المشاركة لمادة العلوم السياسية في كلية بارنارد بجامعة كولومبيا، في مقابلة أجريت معها، “من الواضح أن الحصول على معلومات موثوق بها في مناطق الصراع أكثر صعوبة بكثير حيث يمكن أن تجد المحفوظات وقد تم تدميرها أو أن يخشى الناس التحدث. هناك بالتأكيد مصدر قلق حول جودة البيانات، لكن لا يزال بإمكانك الحصول على البيانات بطرق أخرى.”

اتفق الباحثون المشاركون في مناقشة حول “البحث في مناطق الحروب والصراع” في مؤتمر عقد مؤخراً في الدوحة على ضرورة إمتلاك مجموعة واسعة من الأدوات ومنهجيات البحث. أثناء إجرائها لأبحاث في العراق، طورت فاتن شابير، الباحثة في جامعة جنوب “ساوث” أستراليا، تقنية لرواية القصص لتشجع من خلالها النساء العراقيات على الإجابة عن أسئلتها، وقد وجدت ذلك أكثر فائدة من مجرد العمل من خلال قائمة من الأسئلة.

كما وجدت جوزيف، من جامعة كاليفورنيا، الإصغاء العميق مفيداً. قالت “لتشجيع الناس على سرد قصصهم، يتوجب عليك الإستماع ليس إلى الكلمات فحسب، بل للمعاني الكامنة وراءها أيضاً. عادة ما يجد الناس الشفاء في رواية قصتهم إلى شخص يستمع إليهم بعناية.”

وبينما تحكم بروتوكولات دراسة البشر بصورة عامة التفاعل بين موضوعات الدراسة والباحثين العاملين في الجامعات الغربية، فإن غياب مثل هذه البروتوكولات في العديد من الجامعات العربية يترك قواعد التفاعل لتعتمد على مهارات وخبرة الباحث.

قال بركات “كل سياق منفرد يختلف عن غيره ولا يمكن أبداً أن تكون مدرباً بشكل كامل للتعامل مع كل حالة. وأفضل ما يمكنك القيام به هو الخروج بمجموعة من المعضلات، ومجموعة من الأسئلة التي يتوجب عليك أن تسأل نفسك عنها وتحقق التوازن بين الاحتمالات بهدف التوصل إلى أفضل مسار للعمل.”

من بين قواعد التعامل مع مواضيع البحث التأكد من كونهم يعرفون بأن في إمكانهم التوقف عن تقديم المعلومات والخروج من البحث في أي وقت. في الواقع، يمتلك الباحث على الدوام تقريباً سلطة ومصادر أكثر من الأشخاص محل الدراسة. ويمكن أن يؤدي هذا لجعل شعور الأشخاص موضع الدراسة بأن في إمكانهم التوقف عن التعاون مع الباحثين أكثر صعوبة.

كما يمكن للباحثين أيضاً رفع سقف الآمال الكاذبة عند التعامل مع الأشخاص الضعفاء القابلين للتأثر. ينصح بركات طلابه بعدم إعطاء الأشخاص الذين تجري دراستهم أية وعود في أن بإمكانهم مساعدتهم. قال “بعض الناس يشعرون بضرورة إعطاء بعض الوعود بهدف تسهيل إجراء المحادثة. عليك أن تكون واضحاً منذ البداية، وأعتقد بأن الناس يفهمون ذلك وبإمكانهم التمييز بوضوح بين الباحثين الأكاديميين والعاملين في مجال الإغاثة.”

في الوقت ذاته، يقدم الباحثون المساعدة فعلاً بطريقة ما. قال بركات “هناك قيمة كبيرة في الاتصال بالمجتمعات طالما أن الباحثين مدربون بشكل صحيح. إنه شعور بوحدة كبيرة عندما تكون منعزلاً وعالقاً في حربك الصغيرة الخاصة بك. يشعر الناس بأنهم منسيون ويعتقدون بأنهم لا يعنون شيئاً لأحدهم.”

غالباً ما يعمل الباحثون من خلال الوكالات الإنسانية بهدف الوصول إلى الناس في أماكن الصراعات الشديدة. تثير هذه الضرورة مجموعة جديدة كاملة من التحديات وتختلف خبرات الباحثين اختلافاً كبيراً في هذا الصدد.

وجدت رانيا منصور، رئيسة قسم العمل الاجتماعي في الجامعة الحديثة للإدارة والعلوم في لبنان، أن الشراكات مع وكالات الإغاثة تقدم استعراضاً أوسع لأن تلك الوكالات تمتلك حضوراً على أرض الواقع في جميع أنحاء البلاد. لكنها، من ناحية أخرى، تتوفر على تمويل ووقت محدودين.

مع ذلك، غالباً ما يعني العمل من خلال وكالة إنسانية بأن الأشخاص موضع الدراسة سينتهي بهم الأمر لتوقع الحصول على نوع من المساعدات.

قالت منصور “كنت أدرس تأثير الدعم النفسي والاجتماعي على اللاجئين من الأطفال. من وجهة النظر العربية، لم يكن يُنظر إلى ذلك على أنه خدمة حقيقية. لقد كان من الصعب إقناع أولياء الأمور بأن على أطفالهم المشاركة في حلقات دعم من دون توفير الغذاء أو أي نوع من المعونة.”

كما قالت أتسيري أيضاً إن العمل من خلال وكالات الإغاثة يمكن أن يجعل المعلومات التي تحصل عليها منحازة. قالت “قد يخبرك الناس عن أمور يريدون منك إيصالها إلى وكالات الإغاثة، أو يحجبون المعلومات التي لا يرغبون في أن تعرفها وكالات الإغاثة.”

كما وجدت أتسيري أيضاً، والتي ألفت كتاباً عن “حل النزاعات والسياسية اليومية للتدخل الدولي”، أن وكالات الإغاثة يمكن أن تحاول السيطرة على الأماكن التي يذهب الباحثون إليها والأشخاص الذين سيلتقون بهم. فمن جانب “يحصل ذلك بسبب سياساتهم الأمنية المشددة لدرجة أنهم قد يمتلكون تقييماً مختلفاً لحالة الخطر عن تقييم الباحث،” بحسب أتسيري.

يمتلك الباحثون مخاوف مماثلة بخصوص إنحياز دراساتهم عندما يعملون من خلال الحكومات. فقد يشوه أو يحجب اللاجئون والأشخاص موضع الدراسة المعلومات خوفاً من الإجراءات الحكومية، فيما يمكن أن يبالغ المخبرون الذين يعادون الحكومة من الآثار السلبية لما تقوم به الحكومات.

وإلى جانب القلق بشأن التحيّز، يتوجب على الباحثين في مناطق النزاع أن يقلقوا بشأن أمنهم الشخصي. ففي الحروب المعاصرة، يميل الكثير من الجنود والمسلحين لعدم الإعتراف بحياد أي طرف، بما في ذلك الأكاديميين والصحفيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية. في الواقع، غالباً ما يُنظر إلى مثل هؤلاء الناس على أنهم أهداف مربحة للخطف فحسب. قال بركات “لقد تغيرت طبيعة وظروف الصراع بشكل كبير. حتى في أسوأ أيام الحرب في البوسنة، كانت الأطراف المتحاربة على درجة معقولة من الإحترام وفهم قيمة البحث.”

يقول بركات إن المخاوف الأمنية جعلت الحصول على تمويل للبحوث أكثر تحدياً أيضاً لأن عدداً أقل من المؤسسات التي تمول الأبحاث على استعداد للمجازفة.

على الرغم من التباين في وجهات النظر حول التحديات والصعوبات ومسارات العمل، يقول الباحثون إن هناك حاجة ماسة لإجراء الدراسات في مناطق الصراع.

قالت أتسيري “أنا لا أطالب بغلق أعيننا عن مشاكل الجودة والمخاطر، لكن، لا يزال يتعين علينا الاستمرار في إجراء البحوث. بإمكاننا بذل الجهود للتغلب على المشاكل التي نواجهها. من الضروري أن نفهم أسباب وجود العنف وكيف يمكننا المساعدة في تحقيق السلام.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام