الإجهاض عقوبة مضاعفة للأكاديميات

/ 09-01-2017

الإجهاض عقوبة مضاعفة للأكاديميات

* تم نشر المقال أولاً باللغة الإنكليزية في مجلة الكرونيكال  The Chronicle، ويعاد نشرها هنا مترجمة بموجب اتفاقية مع المجلة وبموافقة الكاتبة. 

قضيت جزءاً كبيراً من ثلاثينيات عمري في معاناة – صامتة إلى حد كبير- لأنني لم أمر بتجربة الحمل. وكلما حدث ذلك، كان الإجهاض هو النتيجة.

هكذا مرت أول فترة من مسيرتي المهنية، وقتها كنت أعمل بجنون لأستطيع نشر ما أكتب، ولأتمكن من إجادة عملي كأستاذة جامعية، ولأتمكن أيضاً من الحصول على أجر ملائم واستقرار وظيفي ومستقبل مهني ناجح.

لكن جسدي لم يطاوعني على أداء المهمات الثلاث: الإجادة في العمل، الإتزان العقلي والوصول إلى مرحلة الحمل. بالرغم من ذلك، لم أتحدث عن ما يحدث معي لأي شخص، ففي المجال الأكاديمي لا يتحدث المرء عن هذه الأمور لأحد.

في السنوات الأخيرة، حدثت مناقشات كثيرة حول ما سُمي “عقوبة رعاية طفل لأساتذة الجامعة”. فعلى سبيل المثال  ترتفع فرصة الرجال في المجال الأكاديمي ممن لديهم أطفالاً صغاراً في الحصول على وظائف ثابتة في المجال الأكاديمي بنسبة 35 في المئة عن مثيلاتهم من النساء اللاتي لديهن أطفالاً صغاراً، كما تزداد فرصتهم في الحصول على مسار مهني في المجال الأكاديمي بنسبة 20 في المئة عن النساء. وهو الأمر الذي دفع بعض الأساتذة من الرجال بنشر مقالات عن دور السياسات ” الداعمة للأسرة” في مجال التعليم العالي – مثل إجازة الأبوة – في التأثير بفاعلية على التقدم الوظيفي بالنسبة للرجال بينما تؤدي إلى تراجع وظيفي بالنسبة للنساء.

لكن في تلك النقاشات العامة كان هناك غياب صارخ لمناقشة قضية الإجهاض، إذ تنتهي 15 إلى 25 في المئة من جميع حالات التي يحدث فيها الحمل إلى الإجهاض. كما أظهرت دراسة في الولايات المتحدة قامت بها عالمة الأنثروبولوجيا اليندا لين أن التحدث عن فقدان الحمل يعتبر من “المحرمات”.

لذلك تشكل “ثقافة الصمت” حول عمليات الإجهاض ضغوطاً إضافية على قدرات الأكاديميات لتحقيق النجاح في عملهن.

يضع الحمل جسد النساء في نوبات هرمونية غير مستقرة، تحتاج أشهراً للتعافي ولعودة هرمونات الجسم إلى طبيعتها. خلال هذه الفترة تمر النساء بعدة أعراض مرضية منها نوبات غثيان، وألم، وصداع، وإرهاق، وتشنجات جسدية شديدة الألم ، ونزيف حاد، ودورات حيض غير منتظمة، وحتى ركلات جنينية وهمية.

ككثير من النساء، لم يكن لدي أي فكرة عن تجربة الإجهاض المتكرر حتى مررت بها. حينها بدى وكأنني كلما نظرت في إتجاه ما، رأيت إمرأة حامل، وكأن كل صديقاتي هن أيضاً حوامل، تشعر المرأة أثناء هذه الفترة أنها خارج المكان، فالجميع يعرف ماذا يقول لامرأة تعلن عن حملها، لكن يبدو أنه لا أحد يعرف ماذا يقول لامرأة فقدت حملها.

وعلى عكس ما يحدث في المجتمع الياباني والمجتمعات الأخرى، فالأميركيون ليس لديهم سيناريو للتعامل مع هذه التجربة، فنحن نستخدم كلمة “خسارة الحمل” والتي تعطي إنطباعاً ما بتوجيه اللوم للمرأة على هذه الخسارة.

بعد تجربة الإجهاض الأولى التي مررت بها سألني صديق بإهتمام “ماذا فعلتِ؟” بالتأكيد لم يقصد الصديق توجيه اللوم لي بسؤاله. أما زميلتي في جامعة نورث ويسترنأنا أباريتشو فكتبت في الصيف السابق تقول “تحتاج النساء اللواتي مررن بتجربة الإجهاض للمساندة التي تراعي مشاعرهن، حتى لو كن لا يرغبن في الحديث عن هذه التجربة المؤلمة.”

يمكن لآثار الإجهاض أن تستمر لسنوات، حيث كشفت العديد من الدراسات عما يسمى “الصدمة الإنجابية” وأن النساء اللواتي عانين من فقدان الحمل يتعرضن لخطر الاكتئاب والقلق، وكذلك صعوبة في تربية الأطفال لاحقاً، لمدة ثلاث سنوات أو أكثر. وبالنظر إلى ارتفاع نسبة التعرض للأمراض العقلية بين العاملين في المجال الأكاديمي، فيمكن لتجربة فقدان الحمل أن تشبه سكب البنزين على النار.

لا يقتصر الأمر على “الصدمة الإيجابية”، فالنساء في المجال الأكاديمي ينفقن وقتاً كبيراً في متابعات طبية، وهو وقت يمكن الإستفادة منه في العمل أو في متابعة أمور شخصية، بالإضافة إلى إنفاق الوقت فغالباً عليهن أيضاً إنفاق الأموال خاصة النساء اللاتي لا تشملهن مظلة الرعاية الصحية. كما تتزايد المصروفات أضعافاً مضاعفة عندما تسعى المرأة التي تعرضت للإجهاض إلى إجراء اختبارات الخصوبة بعد الإجهاض كما يحدث في الغالب.

تجربة الاجهاض كانت صعبة جداً بالنسبة لي، فقد كنت وقتها في منصب لوظيفة ثابتة في معهد أكاديمي مرموق، أتمتع برعاية التأمين الصحي، لكن هناك آلاف من النساء في المجال الأكاديمي أقل حظاً بكتير مني في ذلك، يعملن بأجور متواضعة، ومزايا تكاد لا تذكر، في مجال أكاديمي يتميز بالتنافسية العالية.

باختصار، هناك مساحة لبذل الجهد لتحسين الأوضاع في المجال الأكاديمي في رعاية النساء اللواتي تعرضن لتجربة الإجهاض، وعلينا أن نعترف بأن عدم المساواة بين الجنسين تبدأ عندما تحاول المرأة الإنجاب وليس بعد أن تصبح أماً.

يمكن للكليات والجامعات القيام بالمزيد  لدعم النساء اللواتي يعانين من حالات الإجهاض عندما تحاول إنجاب الأطفال (واحدة بين كل أربعة نساء تعاني من ذلك).

وكما يُسمح أحياناً تمديد الإجازة الممنوحة للنساء عند إنجاب الأطفال، يمكن الأخذ بعين الإعتبار التسامح في قلة الإنتاج الناجم عن عمليات الإجهاض (المثبتة بتقارير طبعاً) وكذلك الأخذ في الاعتبار النتائج العملية والبدنية الناتجة عن الإجهاض.

يمكن تزويد المسؤولين الأكاديميين في مختلف المناصب كرؤساء الأقسام، والمشرفين، والعمداء، وأعضاء لجان التوظيف والترقيات بتوجيهات رسمية حول سبل التعامل الصحيح في هذه الحالات. كما يمكن اعتبار الأمر جزءاً من السياسة  المعتمدة في إدارة قسم الموارد البشرية والتدريب على قضايا التنوع. كما يمكن لمراكز الاستشارات  تشكيل مجموعات مساندة لتقديم الدعم للنساء اللاتي عانين من الإجهاض من أعضاء هيئات التدريس والطاقم الإداري والعاملات في المجال الأكاديمي.

وكذلك على الجميع أيضاً إدراك أن طالبات الدراسات العليا أو الطالبات الجامعيات تحدث لهن تجربة الخسارة الفادحة هذه، والتي قد تؤثر على وضعهن المالي ووقتهن، والوقت الذي يلزمهن  للحصول على الدرجة العلمية، هؤلاء الطالبات بحاجة لدعمنا أيضاً.

الآن، أنا أم لديها طفل جميل وتتمتع بوظيفة ثابتة. أعلم أنني محظوظة، أعود بذاكرتي إلى فترة الثلاثينيات من عمري وألقى عليها نظرة ضبابية متعبة، وأنظر إلى النساء الأخريات حولي في الحرم الجامعي ممتنة لتجاوزي هذه التجربة.

*جيسيكا وينغر، أستاذة علم الأنثروبولوجيا في جامعة نورث وسترن.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام