دعوة لإحياء تدريس التاريخ في المنطقة

/ 12-12-2016

دعوة لإحياء تدريس التاريخ في المنطقة

قبل بضع سنوات، سألتني إحدى الطالبات عن مكان تواجد مكتب رئيس قسم التاريخ، فأرشدتها إلى مكتبي. وعندما عدت في وقت لاحق، رأيت ذات الطالبة تنتظرني والدهشة تعلو وجهها.

سألتني “هل أنت رئيس قسم التاريخ؟”

فأكدت لها بأنني كنت كذلك.

وفي نبرة من عدم التصديق، قالت إنها كانت تتوقع أن يكون رئيس قسم التاريخ رجلاً طاعناً في السن وذو هندام متواضع.

يجسّد ذلك اللقاء موقف الطلاب العرب اليوم من التاريخ كفرع أكاديمي. فهم يرون التاريخ على أنه سرد للأموات، وكيان قدمه في القبر، أو كمجموعة حزينة من قصصٍ رائعة لم يعد لها دور في عملية التعلم المستمر.

أنا أشعر بهذا السلوك ما أن تتحول المناقشة، في أي محيط عربي، نحو التاريخ وعلاقته بالعالم الذي نشهده في الوقت الحاضر. يمكن أن أرجع ذلك إلى الطريقة التي يتم بها تدريس التاريخ في المدارس والجامعات في الدول العربية. أعتقد بأن تدريس التاريخ لم يتم التعامل معه بجدية في أقسام التاريخ في الجامعات العربية.

سأقدم هنا عرضاً موجزاً عن الطريقة التي تم تدريس التاريخ بها في العالم العربي في العقود الأخيرة. وآمل أن يؤدي نشر هذه الملاحظات إلى مناقشة وطريقة جديدة في التفكير حول كيفية تدريس التاريخ والعلوم الاجتماعية.

من خلال نظرتي للموضوع، أعتقد بأن تدريس التاريخ في الدول العربية قد مر بمرحلتين أساسيتين، والتي يجب أن يُنظر إليهما في سياق نمو أنظمة التعليم العام في الدول العربية الحديثة.

بدأت المرحلة الأولى في خمسينيات القرن الماضي. في تلك المرحلة، كان تدريس تاريخ المجتمعات العربية يتم في ضوء مُثل القومية العربية المتمثلة بمصر عبد الناصر.

تركز هذه النظرة للتاريخ بشكل كبير على الثورة العربية لعام 1916، عندما قاد الشريف حسين، الحاكم الهاشمي لمكة، حملة سياسية وعسكرية ضد الإمبراطورية العثمانية بهدف إقامة مملكة عربية مستقلة تمتد من حلب إلى اليمن. كانت هذه الرواية التاريخية بارزة في تدريس التاريخ في المدارس الحكومية في مصر وسوريا وبلدان شمال افريقيا.

كان تدريس التاريخ في تلك المرحلة شديد الحساسية للتطورات الاقتصادية والسياسية المعاصرة. في مرحلة الحرب الباردة وولادة حركة عدم الانحياز، كان التاريخ العربي يُدرّس إلى جانب تاريخ الحضارات والثقافات المجاورة.

وتميزت المرحلة الثانية بالتركيز على تاريخ الدولة الوطنية بشكل منفرد. حيث أولى هذا النهج اهتماماً خاصاً بتطور النظم السياسية (على سبيل المثال، جمهوريتي البعث في سوريا والعراق) وتاريخ الأسر الحاكمة (كما في حالة المغرب والأردن والممالك العربية).

في هذه المرحلة، يمكن أن نرى نوعاً من التراجع في سرد الحقائق البسيطة، فضلاً عن شبه نبذ لنطاق التحليل أو التفسير. ومن هنا بدأت النظرة السلبية للتاريخ. ونتيجة لذلك، أصبح لدى الشباب اهتمام ضئيل بأهمية تاريخهم، وأصبحوا غير واعين بشأن المساهمة التي قدمتها حضارتهم للعالم ككل.

في هذه الفترة، بدأت مؤسسات التعليم العالي بقبول طلاب بمعدلات منخفضة في مساقات التاريخ. (وقد تم تطبيق ذات السياسة في مواضيع العلوم الاجتماعية الأخرى، والموضوعات الإنسانية مثل اللغة العربية والدراسات الإسلامية). حيث يُنظر للشهادات في هذه المواضيع باعتبارها عديمة الفائدة في سوق العمل. هذا على الرغم من حقيقة كون دراسة موضوعات مثل التاريخ والأدب والدين تمكن الشخص من اكتساب فهم للعالم ومكانته فيه. تساهم هذه المواضيع في تشكيل هوية الفرد بطريقة مستقلة عن الولاء للطائفة أو الفئة الاجتماعية.

قوض التركيز الحالي للتعليم العالي العربي على إنتاج مرشحين مناسبين لسوق العمل من وضع التاريخ كقسم معرفي. وبذلك لا يتم تكريس الوقت والمال والخبرة المهنية بشكلٍ كاف لتطوير مهارات تعلم التاريخ، أو تدريس التاريخ، أو إجراء البحوث التاريخية.

في المدارس الحكومية (الابتدائية والثانوية)، أصبح التاريخ مجرد مكوّن من العلوم الاجتماعية. وقد أدى هذا الحط من مكانة التاريخ كموضوع أكاديمي في المدارس وبشكل طبيعي إلى انخفاض الاهتمام بالتاريخ كمادة للدراسة في الجامعة.

التاريخ العربي في العصر الحديث مكتوب في معظمه من قبل غير العرب، وحتى الوضع الذي وصفته أعلاه يشهد تغيراً، وستستمر كتابة التاريخ من قبل غير العرب. والتاريخ الذي يُكتب بهذه الطريقة لن يعكس بالضرورة وجهة النظر العربية.

وعليه، ليس من قبيل المصادفة، أن الراحل إدوارد سعيد، أحد المفكرين العرب القلائل ممن روجوا بالضد من هذا الاتجاه (في العالم الناطق بالإنجليزية على الأقل)، كان قد استقر في الغرب.

وبهدف تغيير هذا الوضع، يتعين على المجتمعات والحكومات التركيز على إدخال تحسينات حقيقية في جودة التعليم، وتدريب الطلاب على مهارات الدراسة والتفكير بشكل مستقل. وفقاً للوضع الحالي، يعتبر النجاح في دراسة التاريخ نتيجة لمبادرة فردية، وليس دعماً مؤسسياً. ومن دون إصلاح جاد للطريقة التي يتم بها تدريس هذا الموضوع، سيواصل الطلاب اعتبارهم التاريخ الخيار الأخير الذي يلجأون لدراسته.

*محجوب الزويري، أستاذ مشارك في برنامج دراسات في جامعة قطر الخليج  ورئيس قسم العلوم الإنسانية سابقاً.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام