الفوز المزدوج: تعليم السوريين ليكونوا معلمين

/ 04-12-2016

الفوز المزدوج: تعليم السوريين ليكونوا معلمين

عكار، لبنان – يمتزج الأزيز غير المنقطع لمولد الطاقة الكهربائية مع صخب الأطفال السوريين وهم يحاولون الانتباه إلى معلمهم في هذه المدرسة غير الرسمية التي تخدم اللاجئين في إحدى بلدات شمال لبنان.

المدرسة عبارة عن مجموعة من هياكل خشبية مؤقتة مع سقوف من القماش المشمع (التاربولين) وملاعب صغيرة مسيجة. لم يكن هناك ما يكفي من المقاعد، ولذلك كان على بعض التلاميذ، في حصة اللغة العربية الخاصة بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و13 عاماً في فترة ما بعد الظهيرة من يوم الاثنين، البقاء واقفين. وحتى في شهر أيلول/ سبتمبر، كان الفصل الدراسي حاراً جداً لدرجة أن سمح المصور الفوتوغرافي الزائر لنفسه بالجلوس في الفناء.

لكن المعلم محمد طلال مهباني، اللاجئ السوري هو الآخر، بدا متفائلاً وحريصاً على تطبيق أساليب التدريس التي تعلمها خلال دورة تدريبية استمرت لمدة تسعة أشهر كان قد أكملها مؤخراً.

يتناول البرنامج الاستثنائي قضيتين في ذات الوقت: فهو يزود خريجي الجامعات من السوريين في لبنان بمهارات التدريس، ويساهم في توفير تعليم أكثر فاعلية للاجئين السوريين في المدارس. ويساهم البرنامج في إعداد المعلمين للعمل مع الأطفال الذين يعانون من صدمة، ويمكن أن تأتي تلك الصدمة في عدة أشكال بالنسبة للأطفال الخارجين من الحرب. كما يؤكد البرنامج أيضاً على وضع الطلاب في مركز عملية التعلم، والابتعاد عن تقليد حفظ المحاضرات عن ظهر قلب.

قالت زينة عويدات، مديرة البرنامج التابع للجمعية اللبنانية لدعم البحث العلمي، والمعروفة اختصاراً باسم LASeR، والتي تدير هذه الجهود بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الدولية وشركاء أكاديميين آخرين، “نحن نحاول إعداد الجيل الجديد من المعلمين، سواء أكانوا سيعودون إلى سوريا أو أنهم سيبقون في لبنان.”

وبينما تناضل اثنتين من المراوح الكهربائية الصغيرة من أجل تبريد الفصل الدراسي هنا، يطلب مهباني من الطلاب كتابة جملة باللغة العربية تصف ما يشعرون به. بدأ المعلم بهذا التمرين أولاً في فصله بعبارة علاجية باللغة العربية، فكتب بأنه متفائل لأن هناك صحفي يزورنا للكتابة عن قضية التعليم. كتبت فتاة ترتدي بنطالاً من الجينز وتي شيرتاً فيروزي اللون بأنها تشعر بالتعب، فيما شارك تلاميذ آخرون أيضاً اجاباتهم بشغف.

قال مهباني، في مقابلة أجريت معه بعد انتهاء الحصة الدراسية وبوجود مترجم، “كانت الطريقة التقليدية التي علمت بها سابقاً تركز على المعلم، حيث يحاضر المعلم طوال الوقت ويكتفي الطلاب بالاستماع السلبي. الآن، يقوم الطلاب بتقديم الأمثلة ويأتون بأفكار جديدة.”

كما قال إنه أفضل استعداداً الآن للتعامل مع تحدي تعليم الأطفال الذين اضطروا للفرار من منازلهم. قال “يأتي الطلاب من خلفيات مختلفة، فبعضهم ينحدر من المناطق الريفية، فيما يأتي البعض الآخر من المدن، وبعضهم يأتي من المخيمات. لذلك، فإن جميعهم معتادون على سياقات اجتماعية مختلفة. يجعل وجودهم جميعاً معاً في فصل دراسي واحد إدراته أمراً صعباً.”

يعتبر تحفيز الطلاب على البقاء في المدرسة التحدي الأكبر، بحسب مهباني. قال “يقول بعض الطلاب حسنٌ، أنا آتي إلى هنا وأحصل على شهادة، لكن، ماذا سيحصل بعد ذلك؟” وأضاف “أنا أخبرهم بأن علينا أن نقوم بما هو متاح لنا اليوم، ونحن لا نعلم ما الذي يخبؤه لنا الرب في المستقبل.”

لا يسجل في المدراس سوى ما يقرُب من نصف الـ 500,000 طفل سوري لاجئ المسجلين في لبنان، بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2016. وبهدف توفير مساحة كافية لتدفق اللاجئين على لبنان، تعمل العديد من المدارس على توفير وجبة ثانية من الحصص الدراسية للطلاب السوريين تبدأ بعد مغادرة الطلاب اللبنانيين. لكن السوريين يواجهون اجحافاً كبيراً وغالباً ما يحصلون على تعليم من الدرجة الثانية.

يجب أن يكون تحسين التدريس في الفصول الدراسية جزءً كبيراً من الجهود التعليمية للأطفال اللاجئين في لبنان، بحسب جويل بابرز، مدير المجلس الثقافي البريطاني في سوريا. قال بابرز “الجودة مسألة ذات أهمية كبيرة، لأن هذا هو ما سيحدد ما إذا كان الطلاب سيبقون في المدرسة، وإذا ما كانوا سيتعلمون شيئاً ما.”

وأضاف “إن التركيز على الجودة هو ما نفقده حقاً في العديد من التدخلات التعليمية.”

يواجه المعلم مهباني أيضاً تحدياً شخصياً يتمثل في العثور على عملٍ يكفي لإعالة زوجته وطفلهما البالغ من العمر 10 أشهر. تمنع الحكومة اللبنانية السوريين من العمل كتدريسيين في المدارس العامة، لذلك فإن الخيار الوحيد المتاح أمام المعلمين السوريين هي المدارس غير الرسمية. يعمل مهباني بدوام جزئي في مدارس متعددة، وهو ما يعرضه لمواجهة مشاكل في النقل. عندما يتمكن المعلمون السوريون من الحصول على العمل، فإنهم غالباً ما يحصلون على رواتب أقل – وتدريباً أقل – من المعلمين اللبنانيين، بحسب مسؤولين في الجمعية اللبنانية لدعم البحث العلمي LASeR.

أكمل براء سراج الدين أيضاً البرنامج التدريبي التابع للجمعية اللبنانية لدعم البحث العلمي، والذي يمنح شهادة دبلوم في التدريس. قال “لقد تعلمنا كيفية الاستفادة من المواد المتاحة محلياً – بما في ذلك استخدام القمامة في التعليم. إذا ما كانت لديك حصة في الكيمياء، ولم تكن لديك أنابيب اختبار، على سبيل المثال، فبإمكانك استخدام زجاجات الرضاعة الخاصة بالأطفال، وبالنسبة للعد، يمكننا استخدام الحجارة.” يعمل السيد سراج الدين الآن مع الجمعية اللبنانية LASeR حيث يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية للطلاب السوريين بالإضافة للمساعدة في إدارة مشاريع أخرى.

أكمل خمسة وثلاثون طالباً البرنامج في العام الأول لإطلاقه – بما في ذلك 15 في هذه المنطقة الشمالية وحوالي 20 في منطقة البقاع في شرق البلاد، حيث يعيش 300,000 سوري، الكثير منهم في مخيمات غير رسمية للاجئين. عملت الجمعية اللبنانية لدعم البحث العلمي مع وكالة تعليمية في بيروت تدعى Leader  تهتم بتصميم المناهج الدراسية، وبالتالي ساعدت في تدريب مجموعة من أساتذة التربية اللبنانيين على تعليم التقنيات للمعلمين السوريين.

بدأت الدورة الثانية من البرنامج التدريبي في خريف هذا العام، وهذه المرة في البقاع فقط ومع عدد أقل من الطلاب لأن الجمعية اللبنانية LASeR لم تتمكن من جمع الكثير من التمويل. في هذا العام، بدأ البرنامج بالبحث عن أنواع مختلفة من المرشحين للدراسة. في العام الأول، اعتمد الأمر إلى حدٍ كبير على الطلاب الذين تخرجوا من برامج المنحة الدراسية الخاصة بالجمعية اللبنانية LASeR والتي ساعدت اللاجئين السوريين على الدراسة في الجامعات اللبنانية. ولتجنب الطلاب الذين يشتركون في برنامج الحصول على دبلوم في التدريس من أجل الحصول على الراتب فقط، تركز المنظمة في العام الثاني على السوريين الذين يدرسون بالفعل في المدراس غير الرسمية والذين يرغبون في تحسين مهاراتهم.

وكحال العديد من السوريين الآخرين، يمتلك سراج الدين، معلم اللغة الإنجليزية الذي يعمل مع الجمعية اللبنانية LASeR، أملاً بالكاد يذكر في إمكانية انتهاء الأزمة الدائرة في بلاده قريباً. يحلم سراج الدين في الحصول على المال الكافي ليكون قادراً على إقناع والديه لمغادرة حلب والقدوم إلى لبنان. قال “عندما أتمكن من توفير حياة كريمة لهما، سوف أقوم بجلبهما إلى هنا.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام