الصدمات النفسية بين اللاجئين: حالة شائعة ومنسية

/ 12-12-2016

الصدمات النفسية بين اللاجئين: حالة شائعة ومنسية

هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة من جزئين. سيعالج الجزء الثاني، المقرر نشره في مطلع عام 2017، الكيفية التي يمكن للعاملين في مجال الرعاية الصحية والمعلمين وغيرهم من خلالها مساعدة الشباب الذين تأثروا بالحرب والعنف.

تساهم النزاعات الجارية في اليمن وسوريا وليبيا والعراق وفلسطين في تعريض أجيال من الأطفال والمراهقين في العالم العربي لخطر الإصابة بمشاكل نفسية شديدة وأن يصبحوا – في وقت لاحق من حياتهم – أفراداً بالغين يتسمون بالعنف.

مع ذلك، يشكو الخبراء من عدم وجود العدد الكافي من العلماء الذين يولون هذه المسألة الاهتمام اللازم، الأمر الذي أدى إلى قلة توفر البيانات وإعاقة الجهود الرامية للمساعدة. وعلى الرغم من ذلك، يقولون إن الأبحاث الموجودة حالياً تظهر بوضوح بأن الشباب الذين تعرضوا للعنف أكثر عرضة للتأثيرات النفسية طويلة الأمد من البالغين الذين يتعرضون لذات التجربة. يعتبر الأطفال والمراهقين الذين تعرضوا للحرب والتفجيرات والعنف أكثر عرضة للمعاناة من الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة واضطراب نقص الإنتباه.

كما يعتبر الشباب المعرضون للخطر جزءاً من هجرات قسرية واسعة النطاق في المنطقة العربية. قالت فانيا ألفيس، مستشارة الدعم النفسي في لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة غير ربحية، “أكثر من نصف النازحين من الأطفال. نحن نواجه مشكلة ضخمة ومخيفة.”

فإلى جانب ما يقدر بنحو 11 مليون سوري ممن اضطروا لمغادرة ديارهم منذ بداية الحرب، تشرد الملايين من اليمنيين داخل بلادهم وفر أكثر من 180,000 منهم خارج البلاد. وقد فر معظم اليمنيين باتجاه سلطنة عُمان المجاورة لكن عدداً كبيراً منهم أيضاً اجتاز مضيق باب المندب بحراً بحثاً عن أمان نسبي في جيبوتي. وفي ليبيا، تضاعف عدد اللاجئين الذين يبحرون إلى إيطاليا بمقدار أربع مرات منذ عام 2013.

أصيب الكثير من اللاجئين الشباب بصدمات نفسية، فقد وجدت دراسة أجريت على اللاجئين في تركيا بأن 79 في المئة من الأطفال قد شهدوا حالة وفاة في أسرهم، فيما شهد 60 في المئة منهم رؤية أحدهم يتعرض لإطلاق نار، أو ركل، أو التعرض للأذى الجسدي بطريقة ما.

يمكن أن يتسبب الشباب الذين تعرضوا للصدمة بمزيد من الصراعات في المستقبل. قالت إيزابيلا كاستروجيوفاني، إحدى كبار المتخصصين في مجال حماية الطفل في اليونيسف، “أظهر البحث بأن هناك عواقب للتعرض للعنف، فهو يساهم بشكل كبير في بناء شخصيات تميل للعنف. ليس هناك أدنى شك في ذلك، ونحن بالتأكيد قلقون جداً بشأن هذا الأمر.” وقد حصلت منظمة اليونيسف أيضاً على تقارير من داخل سوريا تشير إلى إقدام الأطفال على الإنتحار.

لا يعتبر العنف في المنازل وساحات القتال، وذلك الناجم عن الضربات الجوية العامل الوحيد المساهم في إصابة اللاجئين الشباب بمشاكل الصحة العقلية. قالت ألفيس “أنظمتهم اليومية معطلة، والرحلات التي يقومون بها خطيرة، وبعضهم يسافر لوحده، وهم معرضون لخطر الإهمال وسوء المعاملة. عندما تضع كل هذا معاً فإنه سيعرض الأطفال لعوامل خطر تراكمية تضر بتطورهم الاجتماعي.”

يقول علماء النفس إن ما يتسبب في مضاعفة المسألة كون معظم اللاجئين على الأرجح لن يبحثوا عن المساعدة فيما يتعلق بمشاكل الصحة العقلية.

قال فرانك نوينر، المعالج النفسي في جامعة بيليفيلد بألمانيا، والذي سبق له أن عالج أطفال لاجئين في أفريقيا ونشر دراسات حول نسب النجاح التي حققها، “الآباء لا يميزون الأعراض. وفي كثير من الأحيان لا وجود لمفهوم الاضطراب النفسي في بلدانهم الأصلية. لا يزال المرض العقلي وصمة هنا في ألمانيا، لكن الوضع أسوأ من ذلك في سوريا أو أفغانستان.”

يعني غياب البحوث التي تركز على الصراعات الأكثر إلحاحاً في العالم العربي أن التدخلات ستستند إلى حد كبير على الأبحاث التي أجريت في مناطق صراعات أخرى مثل إسرائيل أو رواندا. قد تكون هذه البحوث ذات صلة، ويمكن استخدامها لمساعدة الأطفال الذين هربوا من أية حرب، لكن ذلك يمنع ممارسين من أمثال كاستروجيوفاني وألفيس من إيجاد نهج مبني على الأدلة ومصمم خصيصاً لمساعدة الشباب من اللاجئين في العالم العربي.

قالت ألفيس “نحن نفترض فحسب مخططاً قابل للتحويل بشكل كامل. نحن بحاجة للمزيد من الاستثمار والبحوث التي تأخذ بنظر الاعتبار الثقافات والنظم العقائدية المختلفة.”

يعمل سلجوق سيرين، الطبيب النفسي بجامعة نيويورك، والذي يكتب عن احتياجات الصحة النفسية للأطفال من اللاجئين السوريين، على تحرير عدد خاص من مجلة دراسات الأطفال والشباب المعرضين للخطر Vulnerable Children and Youth Studies، والتي ستركز على هذا الموضوع، وأطلقت دعوة للبحث عن أوراق بحثية ذات صلة.

قال سيرين “لم نتمكن من العثور على أكثر من خمسة أشخاص، إثنين منهما من فريقي. يبدو وكأنه مجال لا يحظى باهتمام علماء الاجتماع والنفس.”

راقب غولان شاحار، أستاذ علم النفس السريري في جامعة بن غوريون في إسرائيل، التطور النفسي للأطفال الإسرائيليين الذين نشأوا بالقرب من غزة ممن تعرضوا لهجمات صاروخية بشكل روتيني. يقول شاحار إن الآثار عميقة وتدعو للقلق.

قال شاحار “ليس في إمكاني الوصول إلى الفتيان في غزة. حاولت القيام بذلك لكنني لم أتمكن من الوصول إليهم. أعتقد بأنهم يمرون بذات الشيء على الجانب الآخر من الحدود. إنه أمر فظيع أن يعكس كلا الجانبين مأساة الآخر.”

تابع شاحار التقدم الاجتماعي لـ 300 مراهق من عام 2008 وحتى العام 2011 – في الفترة التي شهدت عنفاً طويل الأمد على جانبي الحدود بين غزة وإسرائيل. وسجل الحالات التي تعرضت أو شهدت هجمات صاروخية – من بين من شملتهم الدراسة – وقام برصد إذا ما كانوا قد أصبحوا عنيفين أو لا.

قال شاحار”تم تعريف العنف الشديد في دراستي بحسب المدى الذي يضرب به أحدهم شخصاً آخر لدرجة أن الضحية ستحتاج للحصول على الرعاية الصحية، فضلاً عن تكرار حملهم للأسلحة وعدد مرات توقيفهم.”

ولاحظ بأن المشاركين الأكثر تعرضاً للعنف كانوا أكثر عرضة للعنف بنسبة 121 في المئة في وقت لاحق. قال “لقد وجدنا آثاراً مدمرة، ليس على صحتهم النفسية فحسب بل على ميلهم لارتكاب العنف الشديد أيضاً. الأمر مقلق للغاية لأنه يغذي العودة إلى دوامة العنف السياسي.”

يقول شاحار وعلماء آخرون يدرسون الصدمة بأن جذور تغيير السلوك بيولوجية “يتطور الدماغ ببطء على مدى العقدين الأولين من الحياة، لاسيما ذلك الجزء من الدماغ المسؤول عن السيطرة واتخاذ القرار. يؤثر التوتر سلباً على هذا التطور، والأطفال في مناطق النزاعات يخضعون لتوتر هائل.”

ينتاب شاحار القلق حيال كون اللاجئين العرب قد تعرضوا لوضع أسوأ بكثير ممّا تعرض له المراهقين الإسرائيليين الذين قام بدراستهم. قال “إنهم لا يمتلكون وطناً والبنية الأسرية الداعمة لهم معطلة في الغالب. يتوجب عليك ضرب أي نتيجة توصلت إليها في إسرائيل بعامل لا أعرف مقداره – عشرة مثلاً؟”

لكن الأمل يشق طريقه بحذر إلى نتائج شاحار. فقد وجد بأن الأطفال وبشكل مثير للدهشة يقاومون العنف ويستطيعون في الغالب مشاهدة واختبار العنف من دون تطوير سلوك مثير للقلق في وقت لاحق من حياتهم. لكنهم بحاجة لوجود أنظمة الدعم المناسبة لتعزيز مقاومتهم. والجزء الأهم من هذا يتمثل في بنية الأسرة، بحسب شاحار – حيث أن أولئك الذين يحظون بأفراد أسرة يدعمونهم أكثر عرضة للتطور بشكل طبيعي. للأسف، العديد من الأطفال اللاجئين من الأيتام أو ممن تم فصلهم عن ذويهم.

يجعل مثل هذا الإخلال الروتيني للأسر التدخل المبكر أكثر أهمية، بحسب كاستروجيوفاني من منظمة اليونيسف. وأضافت بأن الجهات المانحة العالمية بحاجة للاستثمار في المنظمات التي يمكن لها أن تمنح الأطفال اللاجئين أكبر قدر ممكن من الإحساس بالحياة الطبيعية عند وصولهم إلى الأمان النسبي الذي توفره مخيمات اللاجئين، مثل التعليم والإرشاد.

وبينما تشير بعض البحوث إلى الحلول، فإن تلك البحوث بحاجة لقدر كبير من الصقل، بحسب علماء الاجتماع.

قال سيرين، عالم النفس من جامعة نيويورك، “إن مهمة الباحث تكمن في تحديد المشاكل وعرض الحلول حتى يتمكن أولئك الذين يتوفرون على الموارد والأموال من معالجتها. لكن، إذا لم نقم بذلك فإن من الصعب أن نتصور تشكل أية حلول، وإذا ما حدث ذلك، فإنها لن تكون مبنية على أسس علمية.”

تقول ألفيس أيضاً بأن هناك حاجة لإجراء المزيد من البحوث الشبيهة ببحث شاحار، الذي تتبع المشاركين في الدراسة بمرور الوقت. قالت، “البحث الكبير في الوقت الراهن يعطيك لمحة خاطفة عن الوضع. لكننا بحاجة للقيام بجهد طويل الأمد، وسيحتاج ذلك للكثير من الاستثمارات.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام