إيقاف تمويل برنامج بارز لتعليم اللغة العربية

/ 03-02-2017

إيقاف تمويل برنامج بارز لتعليم اللغة العربية

في عام 2006، وبعد أن كنت قد عشت وعملت كصحافية في القاهرة لعدد من السنين، قررت بأنني بحاجة للذهاب إلى الجامعة من جديد لدراسة الشرق الأوسط، لأن دراستي الجامعية لم تكن لها أية علاقة بالعالم العربي. فبدأت بدراسة برنامج لنيل شهادة الماجستير في دراسات الشرق الأدنى بجامعة نيويورك. كما قررت أيضاً أن اتعلم اللغة العربية بشكلٍ جاد. ولم يكن هناك سوى برنامج وحيد فكرت في التقديم إليه: مركز الدراسات العربية بالخارج، أو ما يعرف اختصاراً باسم كاسا CASA.

اليوم، يواجه هذا البرنامج المتميز في اللغة العربية، والذي ساهم في تدريب أجيال من المتخصصين في الشرق الأوسط، التهديد.

يقدم مركز الدراسات العربية بالخارج (كاسا) برنامجاً مكثفاً في اللغة العربية لمدة عام واحد. في ذلك الوقت، كانت الجامعة الأمريكية في القاهرة تستضيف البرنامج. وكان يتلقى تمويله من وزارة التربية والتعليم الأمريكية ويفتح أبوابه لطلاب الدراسات العليا من الأمريكيين (وبعض المهنيين). وقد اشتهر البرنامج بصرامته ونتائجه الإيجابية.

في عام 2007، وصلت إلى القاهرة مرة أخرى لبدء سنتي الدراسية في مركز الدراسات العربية بالخارج. وقد تجسد فيه كل ما يمكن أن آمله فيه. علمنا الأساتذة بحماسة ودهاء لا حدود له، وكان زملائي الطلاب أذكياء وحريصين على التعلم. يمكن أن يكون تعلم اللغة العربية مهمة شاقة. يشمل نهج مركز الدراسات العربية بالخارج (كاسا) القيام بكل شيء: فقد درسنا اللغة العربية الكلاسيكية إلى جانب العامية المصرية، وتمرسنا على القراءة، والاستماع (حيث كانوا يعيدون تشغيل مقاطع بث إعلامي وأفلام بلا انقطاع) وحتى الكتابة. لدي ذكريات أثيرة لفترات ما بعد الظهيرة التي قضيتها في إحدى الشقق في القاهرة، وأنا أحتسي القهوة وأعمل بجد على واجبات القراءة وأقلب صفحات قاموس هانز فير المهترئ الخاص بي. (كان البرنامج يتبع فلسفة: اقرأ، اقرأ، واقرأ. واصل القراءة حتى لو لم تكن تفهم كل شيء. كلما قرأت أكثر، كلما تأتي معاني الكلمات في مكانها وتعلق في ذهنك. وقد كان ذلك فاعلاً). وبحلول نهاية العام، كنا نأخذ حلقات دراسية باللغة العربية يقدمها لنا أستاذة جامعات من المصريين. وبذلك كنت قادرة على قراءة الروايات التي أصبحت أساساً لأطروحتي لنيل شهادة الماجستير.

في أيلول/ سبتمبر الماضي، قررت وزارة التربية والتعليم الأمريكية، ولأول مرة في تاريخ برنامج الدراسات العربية بالخارج والبالغ عمره 49 عاماً، وقف تمويلها للبرنامج. في السنوات الأخيرة، تم قطع تمويل برامج فولبرايت هايز – والتي يقع مركز الدراسات العربية بالخارج في نطاقها. وفيما كانت الوزارة تمول 11 برنامجاً في السابق، فإنها الآن تمول خمسة أو ستة برامج فقط. في هذا العام، قامت الوزارة بإدخال قواعد جديدة، مفضلة برامجاً جديدة بدلاً من البرامج القائمة، وتلك التابعة للمؤسسات التي تخدم أبناء الأقليات، وتلك التي تركز على التعليم في المراحل بين رياض الأطفال والصف الثاني عشر.

قالت نيفينكا كوريكا سوليفان، المديرة الأمريكية للبرنامج، “كنا نتوقع الحصول على أموال أقل، لكن أحداً لم يتوقع بأنهم لن يعطوننا أي شيء. كان ذلك صادماً. إنه واقع جديد.”

يعتبر مركز الدراسات العربية بالخارج برنامج منح دراسية. يغطي البرنامج تكاليف سفر الطلاب ودراستهم، ويمنحهم راتباً متواضعاً لدفع تكاليف الإيجار والطعام. (يجب أن يكون الطلاب من مواطني الولايات المتحدة الأمريكية أو مقيمين دائمين في الولايات المتحدة). لقد كانت القدرة على تخصيص سنة كاملة للتركيز على اللغة العربية حصراً نقطة تحول بالنسبة لي. لقد سمح لي تعلم اللغة العربية بإجراء البحوث الأكاديمية وكتابة التقارير الصحفية التي رغبت في القيام بها. بكل بساطة، لقد غيرت تلك السنة التي قضيتها في مركز الدراسات العربية بالخارج من حياتي. ويبدو أن هذا ينطبق على كل من درس في ذلك البرنامج تقريباً. ففي خطابات الدعم المقدمة لطلب تمويل برنامج (كاسا)، وصف خريجو البرنامج ذلك البرنامج بأكثر الكلمات توهجاً: “لا مثيل له”، و”فريد من نوعه”، و”لا يقدر بثمن”.

كتب كريستوفر ستون، رئيس قسم اللغة العربية في كلية هنتر بجامعة مدينة نيويورك، “من الصعب التفكير في زميل في مجال (اللغة العربية ودراسات الشرق الأوسط على نطاق أوسع) ممن لم تسبق له المشاركة في هذا البرنامج.”

كتبت كريستين بروستاد، الأستاذة المشاركة للدرسات العربية في جامعة تكساس في أوستن، “لم تكن حياتي المهنية في مجال التدريس الممتدة على مدى 35 عاماً قضيتها بين جامعة هارفارد، وكلية ويليام آند ماري (حيث قمت بتأسيس برنامج اللغة العربية)، وجامعة إيموري، والآن في جامعة تكساس في أوستن لتكون ممكنة ببساطة لولا برنامج مركز الدراسات العربية بالخارج.” وأضافت السيدة بروستاد “ليس هناك أي برنامج آخر في أي مكان في العالم يوفر تدريباً في اللغة العربية بهذا العمق وهذا الاتساع.”

يبدو قرار تعليق هذا البرنامج التعليمي القيّم والمؤثر عالمياً قراراً قصير النظر، إذا لم يكن غير قابلاً للتفسير ببساطة. خصوصاَ في الوقت الذي يتواجد فيه مثل هذا الانشغال بالإرهاب الإسلامي في الولايات المتحدة، ومثل هذه الحاجة لتحليل مطلع عن العالم العربي.

قال ديفيد سيمونوفيتش، الأستاذ المشارك لمادة دراسات الشرق الأوسط في جامعة ببردين، في رسالة دعم أخرى، “الآن وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج الطلاب الجدد والمربون والدبلوماسيون والموظفون المدنيون والعسكريون وصناع السياسة الأمريكان ذلك التدريب الذي يوفر مركز الدراسات العربية بالخارج، فضلاً عن الأفكار والموارد الثقافية التي يوفرها المركز.”

هناك برامج مكثفة أخرى للغة العربية، لكن أياً منها لا يتخذ من العالم العربي مقراً له، وليست بكثافة برنامج مركز الدراسات العربية بالخارج، ولا تخدم المعلمين المستقبليين بالدرجة الأساس.

قالت كوريكا سوليفان، التي تدرس اللغة العربية في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، “إنه البرنامج الوحيد الذي يلبي حاجة الأوساط الأكاديمية، أي حاجة أولئك الذين يحتاجون لتعلم اللغة العربية لأغراض البحث، والعاملين في المجالات ذات الصلة، والصحافة والمنظمات غير الحكومية. لأن هذا البرنامج عمل على بناء سمعته، وكان قادراً على اجتذاب أفضل الطلاب، أولئك الطموحين بشكلٍ مذهل والمستعدين للتخلي عن حياتهم طوال عام كامل لدراسة اللغة العربية. إنه برنامج يولد طاقة عجيبة.”

عندما نشرت ملاحظة عن وقف دعم البرنامج على وسائل التواصل الاجتماعي، تم استقبالها بمشاعر الذعر والصدمة من قبل العديد من زملائي الكاساويين السابقين (أخشى أن يكون هذا هو المصطلح الأكثر هوساً بالثقافة الذي اعتاد البعض منا استخدامه) المتواجدين على شبكة الأصدقاء والمعارف الخاصة بي. قامت إحدى صديقاتي اليوم باجراء مقابلة مع أشخاص سوريين تقدموا بطلب للحصول على صفة لاجئين بفضل اللغة العربية التي تعلمتها في برنامج كاسا. فيما يقوم آخر بتدريس اللغة العربية في المستوى الجامعي، وهو على وشك الانتهاء من تقديم أطروحة يقول بأنه لم يكن ليتمكن من أخذها لولا ذلك البرنامج، والذي يقول عنه إنه “قد مثل تجربة محورية بالنسبة لي”.

مرّ مركز الدراسات العربية بالخارج باضطرابات كثيرة في السنوات الأخيرة بسبب التزامه في كونه برنامجاً للانغماس اللغوي يتخذ من دولة عربية مقراً له. فقد غادر المركز القاهرة مرتين منذ بدء الانتفاضة هناك عام 2011، ويتخذ من عمان في الأردن مقراً له في الوقت الحالي.

يمتلك البرنامج وقفاً صغيراً من شأنه أن يسمح له بالاستمرار، مع عددٍ قليل من الطلاب، في العمل هذا العام وربما في العام المقبل أيضاً. يدرس خمسة عشر طالباً في عمان في الوقت الراهن. ويواصل مديرو مركز الدراسات العربية بالخارج (كاسا) الآن البحث عن مصادر تمويل أخرى يمكنهم التقديم بطلب للحصول على دعمها. وهم يأملون في أن يجد هذا البرنامج الذي لا يقدر بثمن الدعم الذي يحتاج إليه.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام