عندما توصد الأبواب في وجوه السوريين

/ 01-11-2016

عندما توصد الأبواب في وجوه السوريين

حدث تغير عميق في حركة اللاجئين السوريين خلال العام الماضي، إذ توقفت تلك الحركة بشكل تام تقريباً.

فقد أوقفت الدول المجاورة لسوريا وغيرها وبشكل فعال قدرة السوريين على الفرار من بلدهم والانتقال من دول الجوار إلى الأماكن التي تكثر فيها الفرص الاقتصادية والتعليمية. لكن، وعلى الرغم من ذلك المنع، فإن رغبة السوريين في الهروب نحو ظروف أفضل لم تتضاءل قط.

قالت مها محمد، أم سورية لطفلين في عمر الالتحاق بالمدرسة في بيرة عكار، وهي بلدة لبنانية صغيرة بالقرب من الحدود السورية، “خسرنا بيتنا في حلب، والآن تغلق تركيا ومصر والأردن أبوابها في وجوهنا. في لبنان، نحن بحاجة لكفيل لبناني بهدف الحصول على إقامة قانونية. نحن محاصرون تماماً ولا يزال البعض يتساءل عن سبب إلقائنا لأنفسنا في البحر.”

وبينما يواصل بعض السوريين اليوم التحرك شمالاً، وهم يخوضون رحلات خطيرة وقاتلة في بعض الأحيان في سعيهم للوصول إلى أوروبا، يقول الخبراء إن حركة اللاجئين قد تم إيقافها إلى حد كبير، الأمر الذي يلقي بظلاله الوخيمة على آمال السوريين الساعين للحصول على فرص تعليمية أفضل.

قال بال نيسه، أحد كبار مستشاري المجلس النرويجي للاجئين، والذي يعمل على تعزيز حماية اللاجئين، “تكون معظم الحدود المحيطة بسوريا ولمعظم الوقت تقريباً مغلقة بسبب الضغط الكبير على دول الجوار، وعلى لبنان بشكل خاص، وبالتأكيد على الأردن، والعراق، وتركيا أيضاً.”

منذ حزيران/ يونيو 2014، قام الأردن، البلد الذي يستضيف حوالي 650,000 لاجئ سوري مسجل، بإغلاق حدوده بشكل كامل بوجه السوريين. تمنع المملكة جميع السوريين الذين يصلون أراضيها عن طريق البر أو الجو أو الذين يقدمون أنفسهم عند نقاط التفتيش من الدخول. أحياناً، يتم السماح للمرضى أو المصابين بالدخول، ويتم اقتيادهم مباشرة إلى مخيم الأزرق، وهو مخيم يشهد ظروفاً معيشية قاسية يقع على مقربة من الحدود.

نتيجة لذلك، يقبع أكثر من 75,000 سوري حالياً محاصرين في مخيمي الركبان وحدلات الأصغر حجماً، وهي مخيمات مؤقتة تقع في شريط من أرض قاحلة داخل سوريا بالقرب من الحدود الأردنية. وقد وصفت منظمة العفو الدولية المنطقة التي تضم المخيمين بأنها “صحراء حرام” ذات خدمات صحية سيئة وتفتقر للرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية. ولا يحصل الشباب الذين يعيشون في تلك المخيمات على تعليم رسمي على الإطلاق.

أغلق لبنان أيضاً حدوده بوجه السوريين. ففي السابق، كان بإمكان السوريين البقاء في لبنان لمدة تصل إلى ستة أشهر. في إطار التدابير القانونية الجديدة، يتوجب على السوريين الراغبين في الدخول إلى لبنان إستيفاء معايير معينة بهدف الحصول على تأشيرة للدخول. حيث يتوجب على كل سوري يرغب بالدخول إلى البلد ذكر هدف واضح لزيارته، وإذا ما تمت الموافقة عليه، سيتم إصدار تأشيرة دخول له لمدة محدودة فقط. ويعتبر الحصول على إقامة أو تصريح عمل مكلفاً للغاية – إذا لم يكن مستحيلاً، حتى بالنسبة للسوريين من ذوي المؤهلات العالية جداً، كأولئك الذين يحملون شهادات في الطب.

قال نيسه “إن عدد الأشخاص الذين يتمكنون من اجتياز الحدود في الواقع محدود للغاية. ولذلك، فإن هناك عدد أكبر من الأشخاص النازحين داخل سوريا بحاجة للحماية ممن لا يتمكنون من مغادرة البلاد.” مشيراً إلى أن هناك عدد هائل يربو على 6.5 مليون نازح داخل سوريا، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).

وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن ما مجموعه 2.1 مليون طفل خارج المدرسة الآن في جميع أنحاء سوريا. كما إن الحصول على التعليم العالي محدود على نحو مماثل. تواصل جامعة دمشق وعدد قليل من المؤسسات الأخرى عملها، لكن عدد الطلاب يتناقص بشكل مطرد، مع مغادرة العديد من الطلاب الذكور الذين يزيد عمرهم عن 18 عام للبلاد بهدف تجنب الخدمة العسكرية الإلزامية وارتفاع نفقات المعيشة.

تمتد مشكلة الوصول المحدود للتعليم إلى الدول المجاورة لسوريا، حيث يشهد عدد اللاجئين السوريين في الآونة الأخيرة استقراراً نسبياً، كما تظهر بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. لا يعكس ذلك الاستقرار بأن عدداً أقل من السوريين يغادرون بلادهم فحسب، لكنه يعكس تحولاً آخر أيضاً وهو الانخفاض في عدد السوريين الذاهبين إلى تركيا ومنها إلى دول الإتحاد الأوروبي.

في العام الماضي، كان الطريق الرئيسي بالنسبة للسوريين الذين يتطلعون للوصول إلى أوروبا يمر عبر تركيا وصولاً إلى اليونان – وهي الرحلة التي خاضها أكثر من 800,000 لاجئ ومهاجر من جنسيات مختلفة عام 2015 عبر بحر إيجه، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. هذا العام، لم يتجاوز العدد حدود الـ 170,000 لاجئ، بحسب وكالة اللاجئين. قال ماثيو سالتمارش، من كبار مسؤولي الاتصالات في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، “لا يزال السوريون ينتقلون، لكن حركتهم لا تصل، بأي حال من الأحوال، لدرجة تماثل حركتهم العام الماضي.”

يقول خبراء إن الإتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، والذي دخل حيز التنفيذ في آذار/ مارس والذي ينص على أن “المهاجرين غير الشرعيين الجدد” الذين يصلون إلى اليونان ستتم إعادتهم إلى تركيا، يقف وراء هذا الانخفاض. قال نيسه “لا يزال هناك عدد قليل من الأشخاص الذين يتمكنون من الذهاب، لكن مراقبة الحدود على الجانب التركي أصبحت أكثر شمولية كجزء من ذلك الإتفاق.” ولذلك، فإن شواطئ جزيرة ليسبوس اليونانية، التي غصت بموجات اللاجئين فيما سبق، خالية إلى حد كبير الآن.

كما أن قيود التأشيرة الجديدة جعلت من الصعب على السوريين العبور إلى تركيا للبدء بالرحلة، مما حدّ من قدرتهم على الإنتقال إلى أوروبا. يحتاج جميع حاملي جوازات السفر السورية الآن الحصول على تأشيرات لدخول تركيا، بحسب وزارة الخارجية التركية.

قال ماهر منصور، وهو شاب سوري يبلغ من العمر 27 عاماً هرب إلى الأردن عام 2013، “من المستحيل الحصول على تأشيرة لدخول تركيا الآن، لاسيما بالنسبة للسوريين في دول الجوار مثل الأردن ولبنان.” تم رفض طلب منصور للحصول على التأشيرة التركية مرتين من دون وجود لسبب واضح.

في دول الاتحاد الأوروبي، تميل البيانات الخاصة بطلبات اللجوء للمرة الأولى لتأكيد الانخفاض الأخير في حركة اللاجئين السوريين. فقد كان هناك ما يقرُب من 90,500 طلب للحصول على اللجوء لأول مرة من قبل السوريين في الربع الثاني من هذا العام، ويمثل هذا انخفاضاً عن العدد البالغ 102,000 طلب في الربع الأول من هذا العام، و151,775 طلب في الربع الرابع من عام 2015، بحسب اليوروستات، المكتب الإحصائي التابع للاتحاد الأوروبي.

إذا ما استمر عدد طالبي اللجوء من السوريين في أوروبا في الانخفاض مع تباطؤ تدفق السوريين القادمين من الشرق الأوسط، فإن العبء على الجامعات الأوروبية لتقديم التعليم العالي لهذا التدفق من اللاجئين السوريين لن يزيد بشكل كبير على الأقل. هناك ما يقرُب من 50,000 لاجئ مؤهل للدراسة فعلياً في ألمانيا، البلد الذي رحب باللاجئين بشكل عام. يمثل الطلاب المحتملون “فرصة كبيرة وتحدياً هائلاً في الوقت ذاته”، بحسب الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD)، وهي وكالة وطنية تدعم التعاون الأكاديمي الدولي وتعمل على إدماج اللاجئين في الجامعات الألمانية.

في الدول المجاورة لسوريا، يمنع عدد كبير من التحديات حصول الطلاب السوريين على التعليم، ومعظمهم موثقين بشكل جيد الآن، وتشمل هذه التحديات: المال، والعوائق اللغوية، وعدم امتلاك النسخ الأصلية من الوثائق الأكاديمية.

في تركيا، تشير الإحصاءات الصادرة عن مجلس التعليم العالي لعام 2016 لوجود 9,689 سوري من أصل 2.7 مليون لاجئ سوري مسجلين في مؤسسات التعليم العالي في البلاد. في الأردن، هناك 6,641 سوري مسجل في التعليم العالي من أصل 656,400 لاجئ مسجل، بحسب إحصاءات أصدرتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في آب/ أغسطس 2016. وفي لبنان، تقدر وزارة التعليم عدد السوريين المسجلين في الجامعات بحدود 5,860 من أصل حوالي مليون لاجئ سوري. (أعداد اللاجئين مستقاة من بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR).

من غير المرجح أن ترتفع معدلات التسجيل في ظل غياب لدعم كبير ومستمر في جهود توسيع فرص اللاجئين ممن هم في سن الالتحاق بالجامعة. كما أن هنالك حاجة لإجراء تغييرات جذرية لضمان أن يكون الأطفال والمراهقين السوريين في وضع يمكنهم من الاستفادة من التعليم في مراحل ما بعد الثانوية، بالنظر لوجود ما يربو عن ثلاثة ملايين منهم الآن خارج المدرسة، بما في ذلك 900,000 في الدول المجاورة لسوريا، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

يعتقد سالتمارش بأن جهوداً كبيرة تبذل في البلدان المجاورة لسوريا لحل مشكلة التعليم وغيرها من القضايا مثل الصحة. قال “المجتمع الإنساني يدرك تماماً بأن الوضع لا يزال بعيد، وبعيد جداً عمّا يريدونه، وعن الوضع الذي نطمح في أن يكون الحال عليه.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام