حوار مع أستاذة رائدة في تدريس اللغة العربية

/ 21-11-2016

حوار مع أستاذة رائدة في تدريس اللغة العربية

أبوظبي، الإمارات— تزداد الانتقادات للغة العربية بوصفها لغة صعبة وغير مواكبة للتطوير التكنولوجي واحتياجات سوق العمل، لكن هنادا طه، أستاذة اللغة العربية في جامعة زايد ومديرة مشروع عربي 21 التابع لمؤسسة الفكر العربي الهادف الى تطوير اللغة العربية وطرق تدريسها، لا تتفق مع هذه الانتقادات.

طورت طه معايير ومؤشرات أداء لتعليم اللغة العربية من صف الروضة وحتى الثاني عشر، والتي تبناها مجلس أبو ظبي سنة 2011 لتطبيقها في مدارس أبو ظبي والعين كما تبنتها مدارس عديدة في السعودية، والبحرين وعُمان. كما صممت أول تدريب للمعرفة القرائية في الوطن العربي وأول منهاج لغة عربية مبني على المعايير وأدب الأطفال ومنحى اللغة المتوازن وطوّرت أول نظام لتصنيف كتب أدب الأطفال العربية.

حصلت طه على الدكتوراه في المناهج وطرائق التدريس من جامعة نيو أورلينز في الولايات المتحدة الأميركية والماجستير والبكالوريوس من الجامعة الأميركية في بيروت. ودرست في دول عديدة منها الولايات المتحدة الأميركية، ولبنان، والبحرين، وسلطنة عمان، والإمارات العربية المتحدة. كما دربت الآلاف من أساتذة المدارس الخاصة والأهلية والجامعات في بلاد عدة. و شغلت منصب القائم بأعمال عميد كلية البحرين للمعلّمين. 

ترفض طه محاولات التقليل من شأن اللغة العربية وتشرح في لقائها مع الفنار للإعلام في مكتبها في جامعة زايد سبل تطوير تدريس اللغة العربية وأهمية إعداد المعلمين للقيام بذلك. 

– تتزايد الانتقادات للغة العربية اليوم بوصفها لغة جافة وغير مواكبة للتطور العلمي ولا تناسب التعليم الأكاديمي وسوق العمل خاصة مع اختلاف اللهجات المحلية عن الفصحى، ماهو ردك على ذلك؟

أعتقد أن هذا الإتهام مجحف بحق اللغة العربية الفصحى وأيضاً بحق لهجاتها المختلفة، فاللغة العربية لغة حية مواكبة لكل تطورات العلم والاقتصاد والتكنولوجيا وسوق العمل بدليل أن معاجمنا العربية اليوم تضم الآلاف من المصطلحات والتعابير الحديثة مما يعكس مرونة اللغة وقدرتها على استيعاب العلوم والفكر والأدب والاقتصاد وغير ذلك. لكن الطريقة التي ندرس بها اللغة العربية هي التي تحتاج لإعادة النظر والمعالجة بشكل عصري بعيداً عن الطرق التلقينية التقليدية.

 – يدعو بعض الباحثين إلى تحديث اللغة العربية من خلال التخفيف من صرامة قواعدها اللغوية، ما رأيك بهذا الطرح وكيف يمكن القيام بالتحديث المطلوب؟ 

إن تحديث اللغة العربية وطرائق تعليمها بات اليوم ضرورة وطنية برأيي، فالتفجّر المعلوماتي الهائل والتكنولوجيا الجديدة ومجتمعات المعرفة لم تعد تحتمل تلك الدقة المتناهية في اللغة والتوقف عند كل صغيرة وكبيرة فيها وبخاصة لغير المتخصص. هذا يعني أنه علينا أن نحدد أساسيات في قواعد اللغة النحوية والصرفية التي لا بدّ للطالب أن يعرفها ليستطيع التعامل مع اللغة بشكل معقول دون جعل اللغة مقتصرة على النحو والصرف. مع الأسف، ينهمك الأساتذة في تدريس قواعد اللغة العربية دون وجود نقاش حقيقي مع الطلاب باللغة العربية الفصحى. لو أن كل أستاذ للغة العربية تحدث مع طلابه باللغة العربية الفصحى السليمة منذ صف الروضة، لتعلم الأطفال النحو وقواعده دون عناء أو كراهية للغة وبذلك نبعد عن اللغة العربية صبغة أنها مملة وأنها لا تُعنى إلا بالدقّة اللغوية على حساب أي شيء آخر. 

– يعاني الكثير من الطلاب العرب في الخليج تحديداً من ضعف مستوى إجادتهم للعربية، ما السبب برأيك وكيف يمكن تطوير أساليب تدريس اللغة العربية؟ 

هذه المعاناة ليست مقتصرة على الخليج. معاناة عدم إتقان اللغة العربية نجدها في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه مع بضع جيوب للتميزوالإبداع في أماكن متعدّدة من الوطن العربي والكثير من تلك  الجيوب في الحقيقة نجدها في الخليج. أسباب الضعف طبعاً بحسب ما تقوله لنا الدراسات تتعلق بأمور عديدة منها: الإعداد غير الجيد لمعلمي اللغة العربية، وعدم توفر المصادر الجيدة في المدارس وأنا أعني هنا المكتبات الصفية وكتب أدب الأطفال، والمناهج الجيدة والممتعة والعصرية، وعدم تدريس اللغة العربية لوقت كاف خلال النهار وخاصة في المدارس الخاصة وهو أمر بدأت تتنبه له الوزارات وبدأت تضع قوانين تحكم المدة الزمنية التي على كل مدرسة الالتزام بها  من حيث زمن تدريس اللغة العربية، وعدم التزام أساتذة اللغة العربية وبالتالي التلاميذ بالتحدث بالفصحى إلا في حصص اللغة العربية والحصص الأخرى التي تتخذ من العربية لغة لها. كل هذه الأسباب تسلب التلاميذ حقهم في التعلم الجيد والصحيح والممتع للغة العربية وتؤدي إلى الضعف مهاراتهم في لغتهم الأم. 

– في الوقت الذي يبتعد فيه العرب عن لغتهم الأم، يتوجه الكثيرون من الأجانب إلى دراستها. كيف يمكن تطوير تدريس العربية لغير العرب؟ وكيف يمكن للجامعات العربية أن تستقطب طلاباً أجانب للدراسة فيها؟ 

تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها مجال مزدهر للغاية منذ ما يقارب العقد أو أكثر وهناك في الحقيقة تطور هائل في هذا المجال في الدول الغربية حيث تنظم المؤتمرات الدولية حوله وتجري العديد من الأبحاث والدراسات حول طرائق تعليم العربية للناطقين بغيرها.  لدينا مجموعة من المؤسسات الجيدة في هذا المجال لتدريس الكبار، لكننا ما زلنا بحاجة إلى تطوير تعليم العربية للناطقين بغيرها للصغار. إذ أننا ما زلنا نعاني من الخلط بين ما يحتاجه الناطق بالعربية وما يحتاجه الناطق بغير العربية. فالمجالان مختلفان ويحتاجان إلى مجموعة معايير وأهداف وطرائق تدريس مختلفة بحيث تكون مخرجات التعلم مناسبة لكل متعلم ومجدية. أما الجامعات فعليها تطوير الطرائق الخاصة بتدريس الناطقين بغير العربية والتأكد من أن أساتذتها مدربون في هذا المجال تدريبا ممتازاً. 

– فيما يخص مشروع عربي 21 ، ما هو الدافع وراء إطلاقه وأبرز التحديات التي تواجهه اليوم؟

مشروع عربي 21 مشروع أطلقته مؤسسة الفكر العربي بتمويل من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في عام 2009 بهدف الإسهام في تطوير تعليم اللغة العربية وتعلمها من خلال العمل على بناء البنية التحتية الأساسية للتعليم بها. عمر المشروع خمس سنوات فقط ولكنه استطاع في مشواره القصير أن يحقق الكثير كإطلاق أول نظام عربي لتصنيف كتب أدب الأطفال. إذ يوجد الآن ما يقارب  الـ 3000 كتاب على موقع المشروع. كما تم إطلاق أول جائزة عربية (جائزة كتابي) لأدب الطفل، علماً بأن لجنة التحكيم هي من الأطفال أنفسهم. وأطلقنا تصميم لأول اختبار عالمي باللغة العربية للقراءة المبكّرة، وأول مسابقة لكتابة القصص موجهة حصرياً لطلاب المرحلة الثانوية.

طبعاً التحدي الأكبر للمشروع هو إيجاد التمويل والدعم المالي في أوقات حرجة مالياً، لكننا على قناعة بأن العمل الجيد الذي نقوم به في فريق عربي 21 سيكون كفيلاً بتوفير التمويل الذي نحتاج لنكمل مشوار تطوير البنية التحتية لتعليم اللغة العربية وتعلّمها. 

– تعتمد غالبية طرق التدريس في المنطقة على الحفظ والاستذكار، ما الذي يمنع تطوير هذه الطرق؟ 

أؤكد مجدداً على أهمية إعداد معلم اللغة العربية إعداداً جيداً. الطرائق القديمة كانت ملائمة لجيلها ولزمانها، أما جيل اليوم فيحتاج إلى طرائق تلائم زمانه وأدواته وطرائق تفكيره وأحلامه فلا يجوز فرض طرائقنا نحن عليهم ولو كنا مقتنعين بجدواها. نحن لا نعد الطلاب للحاضر فقط، وإنما لما سيحتاجونه بعد عشرين سنة فإن لم يكن إعداد المعلّم مستقبلياً وسباقاً ومبدعاً ومرناً فسنبقى ندور في فلك الحفظ والاستذكار. 

– أشار استطلاع أجرته الفنار للإعلام قبل نحو عامين إلى تدني الأجور التي يتقضاها الأساتذة الجامعيون في المنطقة، كيف يؤثر ذلك برأيك على جودة التعليم؟ 

أرى بأن الدول المتقدمة بحق هي التي تولي التعليم وأهله عناية خاصة من حيث الرواتب أو الحوافز أو التدريب أو حتى التوقعات. مع ذلك، برأيي تدني الأجور ليس السبب الوحيد أحياناً لتدني جودة التعليم، لأن هناك دائرة كاملة من المسببات تبدأ من الإعداد غير المتقن للأساتذة، إلى عدم اشتغال الكثير من أساتذتنا في الجامعات على أبحاث ذات قيمة وعدم نشر الأبحاث في مجلات محكمة ذات قيمة إضافة إلى قلة وجود تقييمات سنوية ذات الـ 360 درجة بحيث يقيم الأستاذ من قبل نفسه أولا ثم طلابه ثم رئيس قسمه ثم بأبحاثه وخدمته للمجتمع وبالتالي بتنا نسمح لأضعف الأساتذة بتدريس الجيل الجديد وتدور الحلقة فتصير الرواتب قليلة والأبحاث قليلة ونواتج التعلّم لا تسر.

*تم تحرير اللقاء بهدف التوضيح والإيجاز.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام