دوائر الثقة: رؤى جديدة في واقع الشباب العربي

/ 04-11-2016

دوائر الثقة: رؤى جديدة في واقع الشباب العربي

يضع الشباب العربي القدر الأكبر من ثقتهم في أسرهم، فيما يولون السياسة الرسمية والمؤسسات الحكومية قدراً ضئيلاً من الثقة. كما إن لديهم توقعات عالية – وغير واقعية حتى – بشأن مستقبلهم. كما أن بعضاً من الشباب الأفضل تعليماً والأكثر مدنية في التفكير كانوا في الوقت ذاته الأكثر توقاً للهجرة.

تمت مشاركة هذه الرؤى وغيرها مؤخراً من قبل فريق من الباحثين والأكاديميين من دول تقع على ضفتي البحر المتوسط ممن يقومون بدراسة واقع الشباب العربي.

تعتبر مجموعة القوة من أجل الشباب Power2Youth جمعية من مؤسسات بحثية وجامعات تتلقى تمويلها من قبل الاتحاد الأوروبي وتم تشكيلها بهدف “استكشاف ديناميات استبعاد الشباب وآفاق قوة التحولات الشابة في منطقة جنوب شرق البحر المتوسط.” فمنذ الانتفاضات العربية عام 2011، والتي تمت قيادتها بشكل كبير من قبل الشباب الذين عبروا عن رغبتهم في مزيد من الحرية والفرص، كان هنالك اهتمام كبير بشأن الشباب في المنطقة. حيث من الممكن أن يمثل دخول مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل الراكدة في معظم الدول العربية أكبر تحد سياسي تواجهه تلك الدول على مدى السنوات القادمة.

بدأ مشروع القوة من أجل الشباب Power2Youth في ربيع عام 2014 وسيستمر لمدة عام آخر. تبادل المشاركون في المشروع نتائج الدراسات المسحية ودراسة الحالات في مؤتمر إنعقد في جامعة محمد الخامس في الرباط منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر.

يضع الشباب في البلدان التي شملتها الدراسة – مصر، ولبنان، والمغرب، وفلسطين، وتونس، وتركيا – ثقتهم القصوى في أسرهم. وتنخفض ثقتهم في الآخرين (الأصدقاء، والجيران، والزملاء، والموظفين العموميين) بسرعة ملحوظة. من بين التفسيرات لذلك هو أن من أجابوا على الأسئلة أفادوا أيضاً بأنهم في معظم الأحيان قد عثروا على عمل من خلال الأقارب والأصدقاء. حيث أفادت نسبة تتراوح ما بين 54 في المئة (في المغرب) و87 في المئة (في تونس) بأن الواسطة – العلاقات الشخصية – كانت مهمة للغاية في العثور على فرصة عمل.

وفي جميع أنحاء المنطقة، قال غالبية الشباب إن تعليمهم لا يساعد في إعدادهم لسوق العمل. حيث أن هنالك إنفصال كبير بين نوع العمل الذي يأمل الشباب في الحصول عليه (عمل حكومي بأجر ولمدى الحياة) ونوع العمل المتوفر في الواقع (عمل غير رسمي وغير ثابت وبأجور زهيدة). وعليه فمن غير المستغرب أن يفيد الشباب بعدم رضاهم عن جهود حكوماتهم في توفير العمل لهم وأن يعتقدوا بأن السياسيين لا يولون القضايا التي تهم الشباب القدر الكافي من الإهتمام.

ففي المغرب، كان 51 في المئة من المستطلعة آراؤهم (والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عام) يعملون في وظيفة (70 في المئة منهم من الرجال و30 في المئة من النساء). فيما بلغ متوسط الراتب الشهري ما بين 1,000 و3,000 درهم (حوالي 100 إلى 300 دولار أميركي في الشهر) وكانت الغالبية العظمى من الشباب المغاربة الذين تمت مقابلتهم يحملون شهادة التعليم الإبتدائي فقط. وتم تفسير ظاهرة إرتفاع معدل التسرب في البلاد بارتفاع تكاليف المدارس، والحاجة للبدء بالعمل، وعدم الإهتمام بالدراسة، والإحباط بسبب الفشل الدراسي المتكرر.

قام أساتذة من الجامعات في المنطقة بتحليل مجموعات فرعية مختلفة ضمن الطلاب بحثاً عن أنماط محددة. حيث وجد الباحثون، على سبيل المثال، فإن وجود امرأة فقيرة، في معظم البلدان، يعني عموماً أن تمتلك احتمالاً أكبر في أن تكون أقل تعليماً وتنضم لصفوف العاطلين عن العمل.

كما درس الأكاديميون أيضاً مسألة مشاركة الشباب. إذ حطم الربيع العربي فكرة كون الشباب في المنطقة غير فاعلين وغير مبالين بقضايا أوطانهم. مع ذلك، لا يزال الشباب اليوم وإلى حد كبير غائبين عن المشاركة السياسية.

وجدت سلوى زرهوني من جامعة محمد الخامس في الرباط بأن المستوى العالي من الاهتمام بالسياسة لا يعني بالضرورة ارتباطه بالانضمام إلى حزبٍ ما أو التصويت في الإنتخابات.

وأضافت زرهوني متحدثة عن الشباب المغربي، “إنهم لا يصوتون لأنهم لا يثقون في المرشحين. إنهم يعرفون بأن هناك تلاعباً في الانتخابات وأن الأحزاب ضعيفة. إنهم يعرفون جيداً اللعبة السياسية وكيف يتم تزويرها.”

يشارك الشباب في الحياة العامة بطرق كثيرة، لكنهم غير متواجدين على المستوى المؤسسي، بحسب زرهوني، بسبب “عدم وجود قنوات جيدة لإيصال صوتهم.”

تقول سميحة حمدي من جامعة صفاقس في تونس بإن إنتفاضات عام 2011 يجب أن يُنظر إليها على أنها من مظاهر “صراعات الأجيال”، وجزء من “أزمة المؤسسات والأيديولوجيات”. حيث أن إلتزامات الشباب التونسي اليوم ذات طابع فردي وعملي أكثر من كونه أيديولوجي، بحسب حمدي، التي أشارت إلى أن العديد منهم ينشطون في الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية والمشاريع الثقافية. إنهم يخلقون “عوالم صغيرة” ليعيشوا فيها وفقاً لقيمهم، ويعملون على حل القضايا الملحة في أحيائهم السكنية وجامعاتهم.

قد يكون انخراط الشباب في وسائل التواصل الإجتماعي والرغبة في التحدث بحرية أحد الملامح الدائمية لميراث الربيع العربي. حيث أن غالبية الشباب في الدول التي شملها الإستطلاع يتمكنون من الوصول إلى الإنترنت بشكل منتظم. ففي المغرب، قال 87 في المئة من الشباب إنهم يعتبرون أنفسهم أحراراً في التعبير عن أنفسهم في المنزل وعلى الإنترنت. لكن أحد نقاط الضعف في البحث الذي تم تقديمه في الرباط تمثلت في عدم التركيز على الإسلاميين من الشباب ومشاركتهم القوية في الحركات السياسية والحياة العامة.

في مصر، عقدت السلطات مؤخراً مؤتمراً للشباب كلف عدة ملايين من الدولارات الأميركية في منتجع شرم الشيخ، بحضور الرئيس السيسي ومسؤولين سياسيين وشخصيات من الجيش بالإضافة إلى المئات من ممثلين منتخبين من الشباب المصري. وكان من أهم التوصيات التي خرج بها المؤتمر العفو عن بعض من العديد من الشباب الذين تم سجنهم في البلاد في السنوات الأخيرة، وإعادة النظر في قانون التظاهر شديد القسوة في البلاد.

في الواقع، يتم النظر للشباب، في العديد من البلدان في المنطقة، بإعتبارهم مشكلة وتهديد منذ عام 2011. فمع كل القلق المتعلق بمشكلة “التضخم الشبابي”، فإن هنالك القليل من الاهتمام في الإستماع لمطالب الشباب ومعرفة ماهية تطلعاتهم. ولم يحصل فريق البحث في مصر على الإذن من قبل السلطات لطرح العديد من أسئلة الإستطلاع المتعلقة بالمشاركة السياسية ومستوى الثقة في المؤسسات العامة.

ركزت نادين سيكا، الأستاذة المساعدة لمادة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة، على التهميش الاجتماعي والاقتصادي للشباب عوضاً عن ذلك. وكما هو الحال في دول عربية أخرى، يؤدي التعليم العالي في مصر في الواقع لإرتفاع معدلات البطالة. حيث وجدت الباحثة المصرية بأن الحال يكون كذلك على وجه الخصوص إذا كان الطالب من أسرة ذات دخل منخفض – وهذا يعني أنه بالكاد يكون هناك حراك اجتماعي.

ومن النتائج الأخرى المحبطة بشكل خاص هو أن الشباب المصري من الجامعيين، والذين يمتلكون أعلى مستوى من التفاعل والمشاركة السياسية وأكبر التطلعات نحو التغيير، هم أيضاً الأكثر رغبة (وقدرة) على الهجرة.

في الواقع، تعتبر المشاكل التي يواجهها الشباب في المنطقة واضحة، كما هو حال إصرارهم. ففي الأشهر الأخيرة، كانت هناك حالات عديدة لشباب أضرموا النار في أنفسهم كتعبير على الاحتجاج، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. (على سبيل المثال، في مصر وفي المغرب).

في نهاية مؤتمر الرباط، ما سأل أحد الطلاب من الحاضرين “نحن نتحدث عن مشاركة الشباب في سوق العمل، لكن هل سيكون لهذا البحث الأكاديمي أي تأثير على صانعي السياسة؟”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام