لماذا سيبقى معظم الأكاديميين كتّاباً سيئين؟

/ 29-07-2016

لماذا سيبقى معظم الأكاديميين كتّاباً سيئين؟

* تم نشر المقال أولاً باللغة الإنكليزية في مجلة الكرونيكال  The Chronicle، ويعاد نشرها هنا مترجمة بموجب اتفاقية مع المجلة وبموافقة الكاتب. 

قبل عدة سنوات، قال ستيفن بينكر أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد والعالم المتخصص في اللغويات، وعلم اللغة النفسي، وعلوم الإدراك لدورية الكرونيكال  The Chronicle، إن “الكتابات الأكاديمية سيئة، وعلى الأكاديميين أن يشعروا بالسوء حيال ذلك.”

بينكر ليس الوحيد الذي يعتقد ذلك. فقد أساء الأكاديميون التعامل مع الكتابة الأكاديمية لأكثر من عقد كامل.

إذ يعتقد ستيفن والت، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة هارفرد في عام 2013، أن العديد من الأكاديميين – خاصة صغار السن – يخلطون بين الغموض والعمق.

تقول راتشيل تور، مؤلفة ومحررة علمية، عن الكتابة الأكاديمية “يمكنكم أن تصفوني بصاحبة العقل المتواضع، أو بعدوة المثقفين، لكنني مؤمنة بأن الكتابات العلمية الرديئة هي نتاج لعادات سيئة، وإتباع بعض الحيل المتعلقة بالمهن الأكاديمية، كطريقة للتكيف والاندماج.”

أما مارثا نوسباوم، الفيلسوفة الأميركية التي تشغل منصب أستاذ الأخلاقيات والقانون في جامعة شيكاغو، فتعتقد “أن الغموض يضيف هالة من الأهمية،” جاء ذلك ضمن تحليل مطول للباحثة النسوية جوديث بتلر في عام 1999.

يمكنك أن تعود بالزمن للوراء أكثر لتجد الكثيرين ممن يؤيدون وجهة النظر نفسها. فإذا كان الأكاديميون – لجيل واحد على الأقل – قد استنكروا بوضوح وعلانية ما يمكن وصفه بـ”حذلقة النصوص الأكاديمية المضجر”، لماذا إذاً لم يتحسن إنتاج هؤلاء المتحذلقين حتى الآن؟

سيدعي من يعيبون تلك النصوص بأن هؤلاء المتحذلقين المضجرين من الكتّاب الأكاديميين يفعلون ذلك عمداً، فقد يهمل بعض الأكاديميين بعض الأشياء الصغيرة ليضفوا غموضاً على تفكيرهم المشوش. أو قد يقوم الأساتذة بالكتابة بطريقة غامضة وغير واضحة لأنهم يعرفون أن ذلك هو المتوقع منهم، وقد يخافون من فقدان وظائفهم إذا قاموا بصياغة أفكارهم بطريقة واضحة للعامة. في كلا الحالتين، يرى من يعيبون تلك النصوص أن عيوب الأسلوب قد تعكس وجود نفس العيوب في شخصية الكاتب نفسه.

فقد ربط الروائي البريطاني الشهير جورج أورويل بين “ذبل وخواء التشبيهات المجازية” و”نقص الدقة” في الكتابة، وبين التدهور الثقافي والشيوعية؟! وعلى نفس الطريقة، يحذر بينكر من “الأيديولوجيات الأكاديمية النسبية، مثل ما بعد الحداثة، والبنيوية، والماركسية الأدبية”، والتي ترفض – بشدة وبطريقة معقدة – الحقائق الموضوعية والنصوص الجميلة على حد سواء.

يميل الكتّاب أصحاب الأسلوب الواضح في الكتابة لإعطاء الفضيلة نفس مساحة أسلوبهم السلس في نصوصهم. كتاتب محترف، يمكنني الاعتراف أنني منجذب لوجهة النظر التالية: تعتقدون أني مثالي لأني أستطيع أن أقول أني مثالي ويستطيع معظم الناس استنتاج ذلك من كتاباتي. هذا شيء عظيم، فمن الواضح أن الطريق إلى النقاء أسهل مما توقعت!

للأسف لست مثالياً، وحتى لو كنت مثالياً فعلى الأقل لست مثالياً بسبب أسلوب كتابتي. إذ لا يجب أن نربط بين النزاهة وبين القدرة على الكتابة بأسلوب واضح. على سبيل المثال، كان إرنست همينغواي مشهوراً لجمله الموجزة، واتسامه بالرجولة، ووضوحه، لكنه كان مشهوراً بنفس القدر أيضاً لكونه أحمقاً كبيراً. ولدينا أيضاً الممثل الكوميدي الأميركي الشهير بيل كوسبي، الذي استطاع الكتابة بطريقة واضحة وسلسة للجميع، ومع ذلك يمكن أن يكتب شخص محبب ويحظى بتقدير الجميع  – مثل كوسبي –  نصاً معقداً مثل ” إن التشريح السياسي لأجساد البشر وغير البشر يستدام من خلال تراكم وتصنيف نصول الأدوات البدائية أثناء العروض التعريفية/الاستكشافية داخل المتاحف.”

تسطيع النصوص السيئة أن تكون قبيحة، لكنها ليست بالضرورة مؤشراً لقبح روح كاتب النص، ففي الأغلب هي مجرد مؤشر لعدم القدرة على الكتابة الواضحة. فاذا حاولت أن أصنع كرسياً خشبياً، سيكون الكرسي غير متوزان، وغير مستقر، وسيكون محرجاً للنجارين جميعاً. لكن رداءة الكرسي الذي صنعته لا يجب أن تكون علامة على النخبوية أو الزحف الاشتراكي، ولا يجب أن تكون أيضاً مؤشراً لرفضي للحقائق العلمية. فالكرسي الذي قمت بصناعته ردئ لأنني سئ في بناء الأشياء، ولأني لا أمتلك المعرفة المطلوبة لصناعة كرسي أيضاً.

الكتابة مهارة، وقد لايمتلك الجميع الموهبة كما قد يخبرك أي من المحررين. والأكاديميون هم في الأساس باحثون ومدرسون، وليس من الضروري أن تتداخل تلك المهارات مع الكتابة. أعتقد أن المفاجأة ليست في سوء مستوى الكتابات الأكاديمية، ولكن في أن كثير منها مكتوب بطريقة جيدة ومسلي. انظر على سبيل المثال لذلك الاقتباس من كتاب العالمة إيف كوسوفسكي سيدجويك الكلاسيكي الرائع “نظرة معرفية داخل الخزانة” The Epistemology of the Closet 1990) الذي يتناول نظريات الجِندر “إن الافتراض الكامن في هذا الكتاب أن علاقات الخزانة – العلاقات المعروف منها وغير المعروف، المعلن وغير المعلن، التي تدور حول تعريف المثلي/متباين الجنس – تميل لأن تكون كاشفة بطريقة غريبة. في الواقع، تكون بشكل عام حول خطب المكاشفة. تشعر أثناء قراءتك لهذا العمل أن كثافة المعنى الاجتماعي لعلاقات الخزانة يؤثر علي أي خطاب مكاشفة مجتمعي يمس تلك المسألة، فيسبب نوعاً من الاقحام المبالغ فيه مما يسرع من وتيرة الأمر، كمن يرتدي زعانف مطاطية في حوض سباحة: لذلك، من الصعب قياس التأثير الحقيقي.”

“الإقحام المبالغ فيه،” لقد أحببت ذلك التعبير!

يمكن اعتبار سيدجويك من الكتاب المنقوعين في فلسفة فوكو، وأعمال فرويد، والنظرية الكويرية (الاختلاف الجنسي) ما بعد الحداثية والتي يحذر منهم بينكر وآخرون. إن جمل سيدجويك بكل تأكيد ليست قصيرة أو مباشرة؛ فأسلوب كتابتها أقرب إلى هنري جيمس – أديب أميركي يعد من رموز الواقعية – عنه لأورويل. فهي تعُدل وتقاطع نفسها، وتنمق وتأرجح، حتى ينبثق بحماس أبله تعبيرات مثل “الإقحام المبالغ فيه” كفرقعات مسموعة من رغوة التحليلات المريبة المصاغة بعناية. إذاً، هل سيدجويك كاتبة سيئة؟ أم هي كاتبة جيدة وتتحلى بقدرة أفضل على تذوق اللغة وإمكانيات إستخدامها من أعداء الأكاديميين الذين يدعون للوضوح؟

بالنسبة لي – ككاتب – ” الكتابة الجيدة” لا تعني بالضرورة “نقل واضح للمعلومات”. فالكتابة الجيدة تتضمن الفكاهة، وحب اللغة، واستخدام الأسلوب الملائم للسياق، وهذا في بعض الأحيان قد يعني الوضوح ونقص الضوضاء. لكن كما يقول الكتاب أمثال  الفيلسوف والناقد السلوفيني سلافوي جيجك، ليس علينا أن نتذكر أن في رواية 1984، لم تخلق لغة الشعارات (newspeak) الشمولية بإستخدام جمل مستفيضة ومصطلحات، بل باختصار الكلمات من القاموس واستخدام القواعد اللغوية المبسطة. حيث يمكن استخدام الكتابة الواضحة الشفافة بسهولة لأغراض الدعاية مثل استخدامها في النصوص المعقدة، وربما تكون أكثر سهولة.

قام ستيفن بينكر نفسه بتبسيط رسالته في أحد المناسبات بطريقة مؤسفة. ففي إصدار عام 2011 من كتابه الناحج بشكل كبير “الملائكة أفضل لطبيعتنا” Better Angels of Our Nature، قدم بينكر أطروحته بأن البشرية قد صارت أقل عنفاً. وكتب بينر داعماً لوجهة نظره “كان تمرد لوشان والحرب الأهلية هما الحدث الأكثر وحشية على مدى التاريخ. استمر تمرد لثمانية أعوام خلال فترة حكم سلالة تانغ للصين، والتي أسفرت وفقاً لإحصاءات عن وفاة ثلثي سكان الإمبراطورية، والذي كان يساوي سدس عدد سكان العالم آنذاك.”

هذه جملة واضحة تماماً ودقيقة، لكنها أيضا مضللة لدرجة الكذب الصريح.  يستند بينكر، كما يقول، إلى بيانات إحصاء السكان على الرغم من أنك لا يمكن أن تتعامل مع إحصاءات السكان من القرن الثامن الميلادي كما لو كانت سجلات وفيات دقيقة لعدد القتلى في زمن الحروب. كتب أحد خبراء إحصائيات التعداد السكاني في الصين ملاحظة عن الأمر “حتى لو كانت هذه الخسارة الضخمة مقنعة، سيكون من الساذجة توقع أن عملية إحصاء دقيقة تمت وسط الفوضى التي تلت ذلك.” إذ قدر باحثون آخرون العدد لرقم أقرب إلى 13 مليوناً. حتى ذلك الرقم يبدو مريباً جداً، فالحقيقة أننا لا نعرف على وجه اليقين عدد الذين قتلوا في تمرد لوشان. لأكون دقيقاً، كان على بينكر أن يكون مبهماً أكثر، فحماسته للوضوح جعلته مضللاً.

أنا لا أحاول أن أفند بينكر؛ فمن الممكن أن يقع كلنا في الخطأ، خاصة أثناء كتابة كتاب كالملائكة أفضل لطبيعتنا، والذي يحاول من خلاله أن يجمع كماً كبيراً من المعلومات من مجموعة واسعة من المجالات. لكن هذا هو لب الموضوع، إذ أنه ليس من السهل أن توصل معلومات وأفكار معقدة بدقة، وأسلوب جيد، مع القليل من الجمل ذات الصدى المحمس. يتعثر كثير من الكتاب المحترفين بإستخدامهم تعبيرات غير ملائمة ومعلومات غير دقيقة، فلماذا يجب أن يكون حال الأكاديميين مختلفاً؟

بالطبع على الأكاديميين أن يحاولوا أن يكتبوا بأفضل طريقة ممكنة، وربما عليهم العمل على تحسين مستواهم في الكتابة من خلال الإستعانة بخدمات كتاب رائعين – مثلي – ليقوموا بتحرير النصوص التي كتبوها قبل إرسالها للطباعة.

في النهاية، يجب ألا يتفاجأ أحداً بأن الكتابة الأكاديمية متواضعة ومشوشة، فليس شرطاً أن يكون الأكاديميون نخبويين أو متطلعين مهنياً أو أفسدتهم أفكار ما بعد الحداثة ليكتبوا بطريقة سيئة، فغالبية الناس يكتبون بطريقة سيئة في معظم الوقت. لنحتفي بهؤلاء الذين أتقنوا الكتابة، ولنتعاطف مع من تبقى، ممن يسعون في طريقهم للجدارة مع كل ضغطة يضغطونها على لوحة المفاتيح.

* نوح برلتسكي، كاتب وباحث مستقل يقوم بتحرير موقع The Hooded Utilitarian للقصص المصورة والثقافة، وهو مؤلف كتاب واندر ومان: العبودية والنسوية في أعمال ويليام مارتسون وبيتر ديفيد خلال الفترة 1941-48 Wonder Woman: Bondage and Feminism in the Marston/Peter Comics, 1941-48.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام