قراءة جديدة للأيام الأخيرة في حياة الرسول

/ 29-11-2016

قراءة جديدة للأيام الأخيرة في حياة الرسول

اعتمدت دراسة جديدة عن الأيام الأخيرة للنبي محمد على المصادر الإسلامية التقليدية لرسم صورة مثيرة للمشاعر للنبي في فترة مرضه والحاشية المحيطة به. ومنذ نشره في آذار/ مارس من قبل دار النشر الفرنسية ألبين ميشيل، حظي كتاب “الأيام الأخيرة لمحمد: التحقيق في الوفاة الغامضة للنبي”، لمؤلفته هالة وردي، أستاذة الأدب بجامعة تونس المنار، باستقبال حار ” في كل من تونس وفرنسا.

وباختيارها للتركيز على وقت الألم الجسدي والتدهور الصحي للنبي محمد – وعلى لحظة يشوبها قدر كبير من الشك في وقت مبكر من تاريخ الإسلام – رسمت ” وردي بوضوح هذا الرجل المقدس في جسده وتاريخه. وفي رد مكتوب حصلت عليه الفنار للإعلام، أوضحت الكاتبة بأن التجارب والمعاناة التي واجهها محمد في أيامه الأخيرة جعلت شخصيته ككل “أكثر إنسانية وجاذبية”. كما بشرت أيضاً ببروز القضايا التي تؤرق وتقسم المجتمع المسلم إلى يومنا هذا، بحسب الباحثة.

في مقدمة كتابها، كتبت وردي ما يلي “اليوم، يدفع عشق المسلمين للنبي إلى مثل هذه النوبات المفاجئة بحيث يحيط هاجس حقيقي من الكفر بالشخصية. لأن التبجيل الذي يحيط به قد قام بتحجيره إلى حد ما.” وأضافت بأن رفض تمثيل النبي بمثابة “نقطة ضعف للإسلام”. حيث كتبت “أليست مشكلة المسلمين تكمن في أن نبيهم قد أصبح رجلاً بلا ظل، أو كائناً تم تجريده من الصفات الإنسانية، ويقع خارج إطار التاريخ والتمثيل؟”

ومن أجل روايتها للأيام الأخيرة قبل وفاة النبي، اعتمدت وردي على القرآن والأحاديث النبوية (وهي مجموعة الأقوال النبوية التي تعد بمئات الآلاف أو أكثر وتصنف من قبل العلماء المسلمين على أنها أكثر أو أقل موثوقية) والسنة النبوية (وهي الروايات المتعلقة بأفعال وأقوال النبي). وقالت إنها قد اعتمدت على المصادر الشيعية والسنية معاً.

حللت وردي العديد من الروايات المتناقضة المتعلقة بالأيام الأخيرة للنبي، لتحقق في سبب وفاته، ومحاولته الفاشلة في وضع وصية نهائية مكتوبة، وتأخير دفنه، وخلافته. (حيث أن الصراع على قيادة المجتمع الإسلامي، والتي وضعت الصحابيين أبو بكر وعثمان ضد إبن عمه علي، هي أصل الفجوة بين المسلمين السنة والشيعة). كما أن صور زوجات الرسول، وأفراد أسرته، وأصحابه رائعة وإن لم تكن دائماً جذابة. ففي أيامه الأخيرة، كما تكتب وردي، كان “محمد وسط زوبعة من مشاعر الحب، والغيرة، والطموحات، والمعارك الداخلية الملحمية.”

لقد مات النبي بلا وصية، وقد وضعت وفاته الدين الجديد والدولة التي أسسها عرضة لخطر الإنهيار. لكن “عبقرية” الخليفة الأول، أبو بكر، “تكمن في فهمه قبل غيره بأن الإبقاء على ذاكرة جماعية هو أساس ممارسة السلطة: وأن السيطرة على القرآن وأحاديث الرسول ستشكل، ولعدة قرون، أداة مضمونة للهيمنة وشرعية السلطة.”

بهدف مواجهة هذا الخطاب السائد جزئياً، ألقت أستاذة الأدب “نظرة تبدد الغموض يمكن أن تساهم في إزالة تاريخ الإسلام من قبضة العقيدة الدينية والرؤية التبريرية البحتة.” وتناقش وردي كيف كان مؤرخو صدر الإسلام ومنذ فترة طويلة متشككين في دقة التأريخ الإسلامي، على الرغم من اعتمادهم عليه كمصدر رئيسي. في الآونة الأخيرة، “توقف النقد التاريخي للمصادر الإسلامية عن التركيز على البحث “عما حدث حقاً” ليركز على تحليل “نوايا المؤلفين”، كما كتبت الكاتبة. وقد أدى ذلك لإنتاج “أعمال غنية للغاية تتجاوز الإنقسام ما بين ثنائية “الصحيح” و”الكاذب” لتطرح أسئلة حول آليات إنتاج النصوص.”

في تونس – التي كانت الدولة التي أعقبت حقبة الاستعمار فيها، بقيادة الحبيب بورقيبة، علمانية بقوة – لا يعتبر التحليل الأدبي والتاريخي والإجتماعي للنصوص أو الشخصيات الدينية أمراً غير شائع. ويشمل هذا التقليد الأكاديمي هشام جعيط، الذي كتب عام 1989 دراسة مؤثرة عن الفتنة بين المسلمين السنة والشيعة، ومحمد الطالبي، المؤرخ بجامعة تونس، الذي دعا إلى إصلاح إسلامي يستند إلى العودة للقرآن وإعادة تفسيره، ويوسف صديق، عالم الأنثروبولوجيا الشهير الذي أشار في كتابه نحن لم نقرأ القرآن قط إلى وجود تأثير للأساطير والفكر اليونانيين على القرآن، وشجع قراءه على التغلب على “الماكنة العقائدية الهائلة التي تحذر كل قاريء محتمل بوجوب التخلي عن القراءة والاعتقاد بأن كل شيء قد تم قراءته بالفعل” عوضاً عنهم. وفي المغرب، أنتجت الباحثة النسوية فاطمة المرنيسي عملاً بمثابة فتح جديد يستند إلى تفسيرات نسوية للنصوص المقدسة. ويميل هؤلاء الباحثون للجمع بين التمكن من المصادر الإسلامية والتدريب الأكاديمي الغربي، وقد كتب عدد غير قليل منهم باللغة الفرنسية.

يتشارك باحثون مثل هؤلاء، فضلاً عن الجيل الأكثر شباباً الذي تنتمي إليه وردي، “الرغبة في اعتبار الإسلام أيضاً كظاهرة اجتماعية، وبذلك، كياناً يخضع للتحليل،” بحسب إيف غونزاليس كيخانو، أستاذ الأدب العربي بجامعة لوميير-ليون 2، وصاحب مدونة ممتازة عن الثقافة والأدب في العالم العربي. إن معالجة التقليد الديني بإستخدام أساليب النقد الخاصة بمختلف التخصصات الأكاديمية يدل على روح ناقدة وشجاعة فكرية، بحسب غونزاليس-كيخانو، وقد تم تنشيط دراسة الإسلام من خلال هذا النهج – على الرغم من مواجهة الأكاديميين الذين يمارسون ذلك للرقابة والترهيب في العديد من البلدان في المنطقة.

في عام 1926 في مصر، نشر الكاتب طه حسين كتاب “في الشعر الجاهلي”، وهي دراسة للشعر العربي القديم إنخرطت هي الأخرى في تحليل نصوص القرآن. فخسر منصبه التدريسي في جامعة القاهرة، وإتهمه علماء الدين “بتفنيد القرآن”. بعد ذلك تمت تبرأته، وبعد إجراء بضع تعديلات كان في إمكانه إعادة نشر كتابه. وبعد ذلك بسبعين عام، كان الباحث ناصر أبو زيد أقل حظاً، حيث تم طرده من جامعة القاهرة أيضاً بعد أن اندلع الجدل حول دراساته الأكاديمية في علم تأويل القرآن. فأعلنته المحكمة مرتداً، وتمت مطاردته من قبل الصحافة، وإضطر للسفر إلى المنفى. فمن الصعب أن نتصور السماح بنشر أو دخول كتاب مثل كتاب وردي في ظل الرقابة الموجودة في مصر اليوم. وقد تم حظره في السنغال. ولم أتمكن من العثور عليه في متاجر بيع الكتب الرئيسية في الرباط، حيث أعيش، وقد أخبرني الموظفون هناك بأنه قد لا يسمح بدخوله إلى البلاد.

لكن في تونس، كانت وردي تقدم كتابها أمام حشود غفيرة. ورداً على سؤالها عن الكيفية التي يمكن أن تجيب بها على المسلمين الذين إعترضوا عن عملها، كتبت وردي “وحدها الحجج العلمية تثير إهتمامي،” وأنها تشعر بأنها غير ملزمة بالخوض مع “ردود فعل عاطفية وغير عقلانية” أو مع إنتقادات تجعلها “سيئة المعتقد”. يعرف علماء الدين “تماماً بأن كل تفاصيل كتابي (المحرجة في بعض الأحيان) موجودة في المصادر الأصلية. وإذا ما قاموا بمعارضتي فإنهم يعارضون الكتب التي تشكل أساس العقيدة الإسلامية.”

 تجري الآن ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام