fbpx


الباحثون العرب يغوصون في البيانات الضخمة

/ 28-09-2016

الباحثون العرب يغوصون في البيانات الضخمة

تغيب حلول عدد كبير من مشاكل العصر الحديث عنا رغم وقوعها تحت أنظارنا – حيث تحتجب بين جداول إحصاءات لا متناهية وسطور من نظام العد الثنائي المؤلف من صفر وواحد. ومن الوعود برعاية صحية أفضل وحتى فرص القضاء على الإختناقات المرورية، يقف جبل من فرص مستخرجة تنتظر فقط أن يتم إستكشافها. لحسن الحظ، بدأ عدد متزايد من الباحثين في العالم العربي بالعمل على قواعد البيانات الضخمة هذه بحثاً عن أجوبة.

يقول هؤلاء الباحثون إن مهمتهم تكمن في إستغلال إمكانات البيانات لمصلحة المنطقة، لكن الكثير منهم يعتمد على البيانات الواردة من الغرب، وهو أمر يمكن له أن يحد من مدى الملاءمة المحلية لنتائج بحوثهم. وبهدف تدارك هذا الوضع، يعمل البعض أيضاً على إنشاء المزيد من قواعد البيانات في العالم العربي.

قال علي جاوا، أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة قطر مازحاً، “البيانات الضخمة ليست مصطلحاً محدداً بشكل جيد ويبدو أن الجميع يستخدمه لجذب الناس لحضور مؤتمراتهم. بالنسبة لي، إنها تعني إستقاء المعلومات من البيانات. لكن ما هو الضخم في ذلك؟ ليس هنالك رقم سحري من التيرابايتات تصبح معه مجموعة ما من البيانات ضخمة.”

أما بالنسبة للآخرين فإن البيانات الضخمة هو ما يحصل عندما تصطدم علوم الكومبيوتر مع قضايا العلوم الإجتماعية – وهو التقاطع بين المعرفة والإحصاءات.

لكن الواضح الآن هو أن الباحثين من أمثال جاوا يمتلكون بيانات على نطاق هائل تقريباً، ويعود الفضل في ذلك لمصادر البيانات المفتوحة من خلال موقع تويتر، والتكنولوجيا الأكثر ذكاء وتوافر أجهزة الإستشعار رخيصة الثمن.

لا تزال البيانات الضخمة، كمجال، تنمو في الشرق الأوسط. قال علي رباعي، عالم البيانات والمحلل في مجال صناعة والمقيم في دبي، “عقد أول حدث مستقل يركز على البيانات الضخمة في المنطقة عام 2013.”

منذ ذلك الحين، شهد هذا القطاع نمواً كبيراً مع مؤتمرات كبرى تم عقدها سنوياً في معظم دول الخليج. قال رباعي “لا نزال غير قادرين على مقارنة مشهد البيانات الضخمة هنا بذلك الموجود في الولايات المتحدة، لكن يمكنني القول بأننا نسير على الطريق الصحيح.”

يعتبر رباعي، المنحدر من لبنان في الأصل، معروفاً جيداً في مجتمع البيانات الضخمة العربي الناشيء. ففي قائمة تضم العلامات التجارية من قبيل ديل Dell وشركة آي بي إم IBM، تمت تسميته مؤخراً كأحد أكثر 65 شخصية “مؤثرة في مجال البيانات الضخمة” على صعيد العالم، بحسب تقرير أصدرته أوناليتيكا Onalytica، وهي شركة متخصصة في تحليل العلاقات بين الشخصيات المؤثرة.

يقول رباعي إنه يرغب في رؤية المزيد من تنظيم “لأحداث الهاكاثون” في المنطقة، حيث يعمل مبرمجو الكومبيوتر، وعلماء البيانات، ومصممو البرامج معاً وبشكل مكثف على أحد المشاريع المبتكرة مع مهلة قصيرة جداً كموعد نهائي – حيث يتوجب إكمال المشروع في غضون بضعة أيام فقط. ويعتبر هذا النوع من المؤتمرات شائع الحدوث في الولايات المتحدة وأوروبا، ومن الممكن أن يساعد على تشجيع الشباب العرب المهتمين بالبيانات الضخمة، بحسب رباعي.

يتفق خبراء آخرون على أن أبحاث البيانات الضخمة تبرز بسرعة بإعتبارها مجالاً للتركيز عليه في الخليج، إن لم يكن في عموم العالم العربي. قالت آمنة الشامسي، الباحثة في علوم البيانات في معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا في أبو ظبي، “لا يمكنني القول بأنه مجال لا يزال بدائياً أو جديداً بعد الآن. لكن هنالك الكثير من الإمكانات التي لم تتحقق بعد.”

في العام الماضي، أصبحت الشامسي أول طالبة دكتوراه إماراتية تتخرج من معهد مصدر في مجال بحوث البيانات الضخمة. ويتضمن مجال دراستها الحالية إستخدام البيانات التاريخية لرسم خريطة لتحول إقتصادات البلدان المختلفة. وهي تبحث لمعرفة ماهية المتغيرات التي تتزامن في العادة مع تنويع الإقتصاد. قالت الشامسي “الأمر يتعلق بالبحث عن أنماط في البيانات يمكن أن يغفل الناس عن ملاحظتها.”

يعتبر هذا المجال ذو أهمية خاصة في دول الخليج الغنية بالنفط، والتي تبحث عن وسائل بديلة للحفاظ على إيرادات مستمرة من دون الإعتماد على النفط.

قالت الشامسي إنها تحب دراسة البيانات الضخمة لسببين. أولاً، بهدف الكشف عن معلومات جديدة توفر فهماً أفضل عن أسباب حصول الأمور بالطريقة التي تحدث بها. “إذا لم نكن نلقي نظرة على البيانات، فقد نضيع الفرص. البيانات الضخمة أدوات صادقة لتخبرك عما يحدث بالضبط.”

والسبب الثاني لدراستها هو أن البيانات الضخمة مجال متنام يتوفر على فرص عمل أكثر من المتقدمين المؤهلين الموجودين في سوق العمل. حيث نعتقد بأن هذا يمثل فرصة حقيقية للشباب العرب الذين يتطلعون لمستقبل مهني ناجح.

تعد معدلات البطالة بين الشباب في العالم العربي الأعلى في العالم، وليست الشامسي الوحيدة التي ترى إمكانيات المنطقة لتوفير المزيد من فرص العمل في مجال البيانات الضخمة.

قال رائد شريف، مدير برنامج في فرع مركز بحوث التنمية الدولية الكندي في القاهرة، “نحن نريد بناء المواهب التي يكون في إمكانها إستخدام البيانات الضخمة. يقول البعض بأن البيانات هي النفط الجديد، لكن، ولكي تستفيد من ذلك، فإنك بحاجة لإمتلاك المهارات المناسبة. نحن نحاول تعزيز المواد التعليمية في مجال محو أمية البيانات.”

وكجزء من هذا الجهد، ينظم شريف واحدة من أحداث الهاكاثون التي تحدث عنها رباعي – وقد كان هناك الكثير من الإهتمام. قال شريف “لقد قمنا بطلب 65 مخترق للبيانات، وحصلنا على أكثر من 1,200 متقدم.”

لم يكن المتقدمين من المناطق الحضرية مثل القاهرة أو من البلدان المتقدمة مثل دولة الإمارات فحسب، بل تقدم أشخاص من المناطق الريفية بصعيد مصر ومن مخيمات اللاجئين أيضاً. قال شريف “هذا أمر واعد، وأنا سعيد للغاية.”

وبينما قد يبدو بأن هنالك إهتماماً متزايداً من الأكاديميين والهواة على حدٍ سواء، فإن شريف يبدي قلقه بشأن كون النقص في البيانات المتاحة من مصادر من داخل العالم العربي مشكلة، حيث قال “إن عمل العرب على البيانات الضخمة بإستخدام بيانات أجنبية أمر جيد، لكن ذلك يعني بأنهم من المرجح أن يقوموا بحل مشاكل خارجية.”

وفي مثال يوضح هذا الإتجاه، طور جاوا وزميله من جامعة قطر، جهاد الجعم، خوارزمية لإستخلاص البيانات من التقارير الإخبارية المالية المنشورة في قطر ودول أخرى في الخليج.

تمت برمجة نموذج الكومبيوتر الخاص بهما ليقوم بغربلة عناوين الأخبار بحثاً عن معلومات تتعلق بالمستثمرين في سوق الطاقة.

قال الجعم “إذا ما كان هناك تغير مفاجئ في إدارة شركة ما أو إذا ما وقع حادث ما، على سبيل المثال، فإن ذلك الأمر مهم بالنسبة للمستثمرين. لدينا الآلاف من الوثائق والمواضيع التي تضم هذا النوع من البيانات. نحن نقوم بجمع كل هذه المعلومات وتحليل البيانات في الوقت الحالي.”

وأضاف “لقد إستهدفنا الأخبار القادمة من العالم العربي لأن تلك البيانات يمكن أن تُستخدم من قبل البنوك والمستثمرين هنا في الدوحة.”

يرغب شريف في رؤية المزيد من أبحاث البيانات من قبيل تلك التي تتوفر على تطبيق ملموس في العالم العربي. وهذا هو السبب الذي يعمل من أجله على إقناع القطاع الخاص والجهات الحكومية في المنطقة على جعل المزيد من البيانات الخاصة بهم مجانية ومفتوحة للباحثين. وبهدف القيام بذلك، فإنه يشجع مثل هذا الإنفتاح بإعتباره فرصة إقتصادية، حيث يرغب في أن تفهم الشركات بأن في إمكانها أن تجني الكثير من العائدات من خلال معالجة الباحثين الشباب لبياناتها الرقمية.

يوضح شريف ذلك قائلا، “إذا ما كنت تدير شركة إتصالات، على سبيل المثال، فإنك عندما تسمح لنا بتحليل بياناتك، فقد نتمكن من معرفة أي الأماكن تكون فيها شبكتك أكثر نشاطاً وأين تكون منعدمة. وهذا ما يجعل سياسات التوسع والتسويق الخاصة بك أكثر واقعية.”

بإختصار، وبحسب شريف، فإن هناك نوعين من الإنتصارات الكبيرة التي يتوجب إحرازهما من أجل مواصلة العالم العربي في متابعة وتحديد أولويات بحوث البيانات الضخمة. فالأمر ليس وسيلة لمعالجة البطالة بين الشباب فحسب، ولكنه يوفر أيضاً تطبيقات عملية من شأنها أن تساعد إقتصادات المنطقة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام