“مدينة من نور” تضيء البحوث المعاصرة

/ 28-09-2016

“مدينة من نور” تضيء البحوث المعاصرة

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالات حول جولة الصحفيين العرب لزيارة مراكز الأبحاث في ألمانيا الشرقية. والمقال الأول بعنوان “ألمانيا الشرقية بعيون مصرية“.

لم تأت تسمية “مدينة النور” التي تطلق على مدينة يينا من دون سبب، فما أن نظرت من المطعم الواقع في الطابق الأعلى من برج يينا JenTower، كان المشهد مذهلاً فقد كانت مدينة يينا مضاءة بالكامل إستعداداً لحلول المساء. لكن ليس هذا هو السبب الذي حصلت بسببه المدينة على هذا اللقب في الواقع.

فقد تشكل تاريخ يينا، وحاضرها بالنتيجة، من خلال النور وتكنولوجيا الإضاءة طوال أكثر من 150 عاماً. واليوم، تضم المدينة كتلة مكونة من حوالي 4,500 عالم في مجال البصريات والضوئيات، فضلاً عن تواجد 175 شركة، و15,200 موظف في مجال الصناعة البصرية، مما يوفر بيئة مثالية للتعاون بين مجالي الصناعة والبحوث.

يلعب التمويل دوراً رئيسياً في تشجيع مثل هذا التعاون. قال الدكتور كريستيان هيلغرت، الرئيس التنفيذي لمركز آبه للضوئيات ومدرسة آبه للضوئيات، “تصدر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في ألمانيا دعوات للقيام بمشاريع بحثية تحتاج في الغالب لشريك جامعي وشريك في قطاع الصناعة. وهذا ما يُجبر الطرفين على العمل معاً.”

في ألمانيا، توفر الصناعة ما يزيد عن ثلثي تمويل البحوث والتنمية، بحسب المركز الألماني للأبحاث والإبتكار.

قال هيلغرت “تحتاج الصناعة للجامعة لتعليم وإعداد موظفين جدد. كما تساعد أيضاً في تقديم البحوث الجوهرية الأساسية للأفكار الجديدة التي لا يمكن للجامعات تمويل تنفيذها في حال عدم توفر دعم قطاع الصناعة. وهذا ما يخلق تبادلاً دائماً بيننا وبين قطاع الصناعة لتلبية إحتياجاتنا.”

لا يعتبر إرتباط مجالي الصناعة والأبحاث جديداً بالنسبة ليينا، حيث يرجع ذلك للعام 1846، عندما توجه كارل زايس وإرنست آبه للعمل معاً.

أقنع كارل زايس، الميكانيكي الذي يملك ورشة صغيرة لصنع الأدوات والأجهزة العلمية، إرنست آبه، الفيزيائي في جامعة يينا، لوضع الأسس الرياضية لعدسة المجهر. وبالعمل معاً ومع الكيميائي المتخصص في الزجاج أوتو شوت، تمكن التعاون الثلاثي من تحقيق إنتاج واسع النطاق لمجاهر ذات قوة تكبير عالية وجودة ثابتة.

ومن يينا، إنتقل الصحفيون إلى كيمنتس، المدينة الواقعة في الجزء الغربي من ولاية ساكسونيا. تهيمن على كيمنتس الصناعات التحويلية الثقيلة في مجالات مثل هندسة السيارات، والأتمتة، وتكنولوجيا النظم الصغرى، فضلاً عن تقنيات المواد والطلاء.

وكما هو الحال في يينا، فإن التعليم والبحوث في كيمنتس يسيران على ذات الخط إلى حد كبير مع التاريخ الصناعي للمدينة. وتعتبر المدينة موطناً لجامعة كيمنتس للتكنولوجيا وبعض المؤسسات البحثية المستقلة التي تركز على العلاقة بين الهندسة والعلوم.

وفي كيمنتس، كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن معضلة “ترشيد إستهلاك الطاقة مقابل الكفاءة المادية”.

والفكرة في ذلك، كما وضحها الأستاذ الدكتور ماركوس أ. رويتر، مدير معهد هيلمهولتز في فرايبورغ، هو أن بعض المنتجات الجديدة التي يتم الترويج لها بإعتبارها وسيلة لخفض إستهلال الطاقة تحتوي على خليط معقد على نحو متزايد من المعادن يفوق ذلك الذي تتألف منه نظيراتها التقليدية، مما يؤثر على إمكانية إعادة تدوير هذه المواد. لذا فإن الأجهزة التي يتم تقديمها على أنها مدخرة للطاقة، من الممكن أن تصبح، على المدى الطويل، مضرة بالبيئة، أو على الأقل يمكن لها أن تجعل مهمة حماية البيئة أصعب.

يبدو هذا المنظور غائباً تماماً عن معظم نقاشات الحفاظ على الطاقة التي تجري في قطر، حيث أقيم، في الوقت الراهن. في الواقع، أعلنت الحكومة مؤخراً عن خطط لحظر بيع وإستيراد المصابيح الكهربائية العادية لصالح المصابيح الموفرة للطاقة، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام المحلية.

يقر الدكتور فيليب فرايسينيت، مدير الطاقة والبيئة في الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، بهذا القصور. قال “الطاقة هي إحدى العوامل، لكن يجب ألا تكون الشيء الوحيد الذي يتم أخذه بنظر الإعتبار. حيث تضم بعض المصابيح الموفرة للطاقة ملوثات، وعلينا أن نكون حذرين من ذلك، لاسيما في بلد لا تزال فيه مرافق إعادة التدوير قيد التطوير.”

تذكرني كيمنتس بقطر بطريقة ما، فهي مدينة صغيرة نسبياً يبلغ تعداد سكانها 1.53 مليون نسمة فقط، وهي تسعى لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة في إستخدام الموارد من دون أن تفقد الإتصال مع تقاليد التعدين والصناعات الثقيلة الخاصة بها. اليوم، تركز الأبحاث في كيمنتس على موضوعات من قبيل “عمليات الإنتاج ذات الإستخدام الفعال للطاقة” و”العوامل البشرية في مجال التكنولوجيا”، و”المواد والأنظمة الذكية”.

وتحت ضغط إنخفاض أسعار النفط، تتطلع قطر في المستقبل لتعديل أولوياتها البحثية. فمع ميزانية حكومية أكثر ضيقاً، من الممكن لمؤسسات بحثية مثل الصندوق القطري لدعم البحث العلمي أن تراجع إستراتيجيتها لصالح المزيد من التعاون الدولي، والبحوث متعددة التخصصات، والبرامج الرامية لتحفيز إشراك الصناعة في مجال البحوث.

قال فرايسينيت “من بين أولى الخيارات التي تتم دراستها إمكانية تركيز إستثمارات أبحاثنا وتنميتنا على أولويات محددة حيث يمكن أن نأخذ بنظر الإعتبار إمكانية إمتلاك قطر لميزة تنافسية فيها.” وأضاف “والخيار الثاني سيكون متمثلاً في إشراك أفضل للصناعة في المشاريع. وهذا لن يساعد في التمويل المشترك لبعض المشاريع المهمة فحسب، بل إنه سيسهل أيضاً في نقل التكنولوجيا من الأكاديميين للصناعة.”

يعتبر نقل التكنولوجيا موضوعاً بالغ الأهمية في المنطقة العربية، حيث يتعرض العلماء أحياناً للإنتقاد لقيامهم بأبحاث متعالية في “أبراج عاجية” والتي تكون في بعض الأحيان بعيدة عن الإحتياجات الحقيقية للشعب.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام