محاولات لكسر الحظر غير الرسمي المفروض على دراسة نظرية التطور

/ 28-09-2016

محاولات لكسر الحظر غير الرسمي المفروض على دراسة نظرية التطور

الدوحة – لنقلها بصوت خافت، الأبحاث التطورية تجري بالفعل في العالم العربي. إن الموضوع حساس للغاية، ومرفوض من قبل العديد من المسؤولين وعلماء الدين لأنه يعتبر نوعاً من الإلحاد. لكن، وبوجود الدعم المناسب والإتصالات مع الجهات الصحيحة فمن الممكن القيام بذلك، حتى في دول الخليج المحافظة دينياً.

إستكشف كتاب صدر حديثاً ليورغ ماتياس ديتيرمان، المؤرخ الألماني المولد بجامعة فرجينيا كومنولث قطر، الإمكانيات والمآزق المستترة المتعلقة بأبحاث التطور في منطقة الخليج. يدرس ديتيرمان مادة تاريخ العلوم وقد أصبح مهتماً بمسألة ما إذا كان إجراء بحوث علمية جيدة ممكناً حتى أو إذا ما كان إنعدام الحرية الأكاديمية في المنطقة سيمنع الإبتكار إلى الأبد.

يتساءل ديتيرمان “كيف يمكننا تحويل إقتصاد يعتمد على النفط إلى إقتصاد يعتمد على خلق المعرفة وبيعها؟”

إن فكرة الإقتصاد القائم على المعرفة، بإستخدام الأبحاث لتطوير منتجات جديدة، وبالتالي تحقيق إيرادات في نهاية المطاف، فكرة تسعى وراءها معظم دول الخليج. ويقول كثيرون إن حرية البحث في أي موضوع أمر مهم من أجل أن يزدهر إقتصاد معرفة حقيقي.

يوضح ديتيرمان “كان بإمكاني أن أنظر في النظرية النسبية، لكنني أردت أن أنظر إلى موضوع أكثر إثارة للجدل. إذا كان بإمكانك القيام بإجراء بحث تطوري فإنني أفترض أن تكون قادراً على الإبتكار في مجالات أخرى أيضاً.”

يُعتبر تدريس نظرية التطور في الفصول الدراسية في المدارس أمرا نادراً ومثيراً للجدل في معظم أنحاء العالم العربي. ففي المغرب، على سبيل المثال، يمكن للطلاب إستكمال الدراسة الثانوية وحتى الجامعية من دون أي ذكر لداروين. ومن الممكن أن يكون الخليج أكثر تحفظاً، لاسيما المملكة العربية السعودية، حيث لا يمكن أن تجد موضوع التطور في العديد من كتب التدريس، أو أن يتم التعامل معه، إذا ما تم ذكره، بإعتباره نظرية غير مثبتة. لا يقتصر هذا النفور من موضوع التطور على الفصول الدراسة الحكومية فحسب. ففي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تمكن قراصنة محافظين من إغلاق حدث على الإنترنت كان يهدف لمناقشة موضوع التطور وشرحه للجمهور العربي.

وعلى الرغم من هذه البيئة غير المرحبة، فإن ديتيرمان يعتقد أن عدداً مدهشاً من الأبحاث حول موضوعات تطورية يتم إجراؤها بالفعل في الشرق الأوسط. يتطلب ذلك أن يكون العلماء منفصلين، ولكنها موجودة. إذ توجد جيوب داخل البلدان والمؤسسات يمكن للباحثين فيها معالجة  الموضوعات التطورية من دون الخوف من الإنتقام. ويطلق ديتيرمان على هذه الجيوب إسم “جزر الكفاءة العلمية”. أما أبرز ما يجمع معظم هذه المؤسسات فهو أنها مدعومة من قبل بعض المسؤولين السياسيين.

قال ديتيرمان “لديهم رعاة رئيسيين، وهم في الغالب أعضاء في الحكومة، ليوفروا لهم الحماية. وبإمكان الراعي الجيد أن يزودك بالكثير من المال بسرعة كبيرة من دون المرور من خلال الحلقات البيروقراطية.”

ولعل الأهم، بحسب ديتيرمان، هو أن الداعم السياسي الذي يتمتع بإتصالات جيدة سيتيح لهم أيضاً المزيد من الحرية الأكاديمية، قال “إنهم يجعلون الإنخراط في الموضوعات المثيرة للجدل ممكننا.”

كما أن وجود الداعمين الأقوياء يمكن أن يعني أيضاً إعفاء بعض المختبرات ومراكز الأبحاث من قوانين العمل الصارمة في العديد من دول الخليج، والتي تصر على أن تكون نسبة معينة من القوى العاملة من مواطني دول الخليج. مما يعني إمكانية التوظيف على أساس الجدارة وتشجيع الباحثين الأجانب على جلب خبراتهم للمنطقة.

قضى جوزيف وليامز، عالم الأحياء بجامعة ولاية أوهايو، ثمان سنوات على نحو متقطع وهو يجري الأبحاث على تكيف  أنواع الثديات والطيور المختلفة في المملكة العربية السعودية. عمل وليامز مع المركز الوطني لأبحاث الحياة الفطرية الذي تموله الحكومة السعودية، وهو أحد الأمثلة على “جزر الكفاءة العلمية” التي يتحدث عنها ديتيرمان. قال وليامز إن جميع الباحثين هناك تقريباً كانوا مواطنين غربيين. فيما يقول خبراء آخرون بأنه من النموذجي إلى حد كبير بالنسبة لبحوث تطورية في منطقة الخليج أن يهيمن عليها العلماء الأجانب.

قال دانيال ستولتز، الأستاذ بجامعة نورث ويسترن إلينوي،  المتخصص بتاريخ العلوم في الشرق الأوسط، “لأن بإمكانهم مغادرة البلاد إذا ما كانوا بحاجة لذلك – يشمل هذا بالطبع الأشخاص من الدول العربية الأخرى.”

إن ما يصفه ديتيرمان يمكن إعتباره السيناريو الأفضل للباحثين في نظرية التطور في العالم العربي. يوضح كونراد هيرشلر، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، والمشرف السابق على دراسة الدكتوراه لديتيرمان، “إنه يحاول بشكل واع جداً إظهار الأماكن التي تتوافر فيها الإحتمالات لمناقشة التطور والبحث في موضوعه. يكاد يكون هذا، وعلى وجه الدقة، السبب الذي لأجله تم السماح له بالقيام بهذا العمل.”

يبدو المراقبون الآخرون للمنطقة إنتقاديين بشكل كبير للرقابة والإنتهاكات الروتينية للحريات الأكاديمية في منطقة الخليج.

قال هيرشلر “قد يصفه بعض الناس بأنه متفائل أو مشارف على السذاجة حتى، لكنني لا أعتقد بأنه ينظر للأمور بطريقة رومانتيكية أو أنه غير مدرك للأمور. إنه يحاول إظهار ما هو ممكن في الواقع.”

يقول وليامز إنه لم يشعر بأن البحث في المملكة العربية السعودية يختلف على الإطلاق عن العمل في الأجزاء المحافظة في الولايات المتحدة، حيث يؤمن بعض المواطنين بنظرية “الخلق” – أي أن الرب، وليس التطور، هو الذي صنع العالم – وحيث يتم إختيار الكلمات بعناية كبيرة. قال “ذهبت إلى مدرسة في ولاية تينيسي حيث تسود هناك مخاوف مماثلة. وتحدثنا عن الكيفية التي تغيرت بها الحيوانات بمرور الوقت عوضاً عن القول بتطورها.”

غالبا ما يُنظر لمصطلح “التطور” في الخليج على أنه كلمة سيئة، بحسب وليامز، تماماً كما يُمكن أن يكون في ولاية تينيسي. قال وليامز “يقبل معظم العلماء في المملكة العربية السعودية بأن الحيوانات من الممكن أن تتغير، لكنه لا يزال موضوعاً حساساً للغاية.”

يتفق إياد زلموط، عالم الأحياء التطورية ومستشار هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، بأن على العلماء الفطنين في الخليج إختيار كلماتهم بحكمة. ينحدر زلموط من الأردن في الأصل، وكان قد قضى وقتاً طويلاً كباحث في الولايات المتحدة، ولكنه الآن في المملكة العربية السعودية ينقب عن الأحافير لمعرفة المزيد عن التاريخ الجيولوجي للبلاد.

يختار زلموط معاركه بعناية، حيث قال “إذا ما كان الإكتشاف صغيراً فإننا سنكون مترددين جداً في الحديث عن التطور.”

لكن، إذا ما تمكن من العثور عن أحافير ذات أهمية بالغة بإمكانها أن تساعد في تعيين الأصل التطوري للبشر بشكل أكبر، فإنه مستعد للمجازفة. قال زلموط “بإمكاننا تقييم ما إذا كان الأمر يستحق الإستفزاز أم لا.”

في معظم الأوقات التي تواجد فيها وليامز في المركز الوطني لأبحاث الحياة الفطرية، كان الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السابق، يدعم المؤسسة. لكن أفراداً من الأسرة المالكة سحبت دعمه وتمويله لها قبل وفاته العام الماضي. يسلط هذا الضوء على ضعف وضع الباحثين في هذا المجال، حيث توجب على المركز فجأة تلبية أهداف توظيف المواطنين السعوديين وأصبح معرضاً للخطر بطريقة لم يعهدها من قبل. وعليه الآن أن يتأقلم ويتفاعل مع هذا الوضع مع القليل من المال تحت تصرفه.

قال وليامز”في العام الماضي، كنت هناك، وقد كانت هنالك مشاجرة بخصوص المال. لقد أصبحت الأمور بشعة إلى حد ما قبل أن أغادر.”

لكن، وفي أوقات السراء التي كان مركز الأبحاث فيها يتمتع بدعم الأمير، فإنه كان قد تم منحه تفويضاً مطلقاً بخصوص ما كان يرغب في دراسته. لم يتمتع كل علماء التطور في المنطقة بنفس القدر من الحرية – حيث كان بعضهم، لاسيما الباحثين العرب، يشعر بالتحفظ حيال مناقشة الموضوع ورفضوا طلبات إجراء مقابلة معهم.

ربما ينظر بعض العلماء لمسألة وجود إقتصاد معرفة حقيقي في منطقة الخليج على أنه حلم بعيد المنال فيما لا يزال الباحثون يشعرون بالحاجة للمشي على رؤوس أصابعهم بهدف إنجاز عملهم، إلا أن ديتيرمان يبقى إيجابياً. بالنسبة له، فإن حقيقة كون مثل هذا العمل المثير للجدل الذي يمكن أن يجري بأي شكل كان لدليل على أن العلم والبحث قد يساعد في تمويل الرغبة النهمة في المنطقة للتطوير بعد أن تنضب آبار النفط.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام