زها حديد: المعمارية والمعلمة

/ 28-09-2016

زها حديد: المعمارية والمعلمة

لشبونة– ستُعرف زها حديد على الدوام بكونها “ملكة المنحنيات”.

كإمرأة عربية، تمكنت حديد من الوصول إلى القمة القصوى لمهنة لطالما بقيت المراتب العليا منها حكراً على الرجال الغربيين. وبينما ركز القدر الأكبر من سيل شهرتها الذي تدفق منذ وفاتها يوم الخميس الماضي على مبانيها، فإن تفانيها في التعليم وتوجيه المعماريين الشباب غالباً ما ذهب من دون أن يتم الإحتفاء به.

“لن يتحدد نجاحك إعتماداً على جنسك أو عرقك، بل على أساس نطاق أحلامك وعملك الجاد لتحقيقها فقط،” هذا ما كتبته حديد على “بطاقة بريدية” لذاتها الأصغر سناً، قبل أسابيع فقط من وفاتها، كجزء من مشروع لقناة البي بي سي بمناسبة يوم المرأة العالمي.

تعتبر زها حديد، المهندسة المعمارية البريطانية-العراقية والتي توفيت في سن الـ65 من عمرها، شخصية بارزة في عالم الهندسة المعمارية حيث أصبحت مبانيها معالماً بارزة في جميع أنحاء العالم، لتزين مدنا تمتد من غلاسكو إلى قوانغتشو، ومن أبو ظبي إلى سرقسطة.

قال ريتشارد روجرز، المعماري الكبير وزميل حديد، في أعقاب الإعلان عن وفاة حديد إثر نوبة قلبية ألمت بها في ميامي، “لقد كانت مهندسة معمارية عظيمة، وإمرأة رائعة، وشخصا رائعاً. ومن بين المهندسين المعماريين الذين ظهروا خلال العقود القليلة الماضية، لم يكن لأي أحد تأثير يفوق التأثير الذي أحدثته حديد.”

كان تحول حديد من طالبة بغدادية إلى نجمة معمارية عالمية تحولاً رائعاً. في عام 2004، أصبحت حديد أول إمرأة، وأول شخصية مسلمة، تفوز بجائزة بريتزكر – الجائزة التي تعادل جائزة نوبل في مجال العمارة.

لم تكن خلفية حديدة وجنسها وحدهما الذين جعلا منها غريبة عن ما وصفته في الغالب بأنه “نادي الصبيان” للهندسة المعمارية الدولية.

غالباً ما كانت رؤيتها للمباني المنشأة بخطوط رشيقة، وأشكال غير متناظرة، ومساحات مليئة بالضوء، مثيرة للجدل وقد جلبت لها الكثير من الإنتقادات، إلا إنها، مع ذلك، جعلتها تبرز كواحدة من بين عدد قليل من المهندسين المعماريين الذين تجاوزت شهرتهم العالم المتخلخل لتصاميم المباني الطليعية ذات التكنولوجيا الفائقة، لتصبح من مشاهير وسائل الإعلام الرئيسية.

إن مبان أيقونية من قبيل مركز الألعاب المائية ذو السقف الذي يشبه الموجة والذي تم بناؤه لدورة الألعاب الأولمبية في لندن عام 2012، ودار الأوبرا في قوانغتشو في الصين، أو المركز العصبي لمصنع إنتاج سيارات البي أم دبليو في لايبزيغ، بألمانيا، ساعدت في رفع حديد إلى مرتبة نجم العمارة Starchitect  – الإسم العالمي الشائع.

ولدت حديد في بغداد عام 1950. وقد كان والدها رجل أعمال وسياسي متحرر، وكانت والدتها فنانة. وقد إرتادت مدارس في بريطانيا وسويسرا قبل أن تسجل في الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الرياضيات.

تتذكر حديد فترة دراستها في العاصمة اللبنانية على أنها من بين أسعد أوقات حياتها، كفترة خالية من الهموم إستمتعت فيها بالحياة الليلية في بيروت، ورحلات نهاية الإسبوع إلى وادي البقاع، والتزلج في في الجبال الشمالية.

في عام 2006، عادت حديد إلى بيروت لتسلم شهادة فخرية من مدرستها الأم، وفازت في ذات العام بمسابقة لبناء معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة. وقد أصبحت هندسة المبنى غير النظامية والخشنة معلماً في الحرم الجامعي منذ إكتماله عام 2014، على الرغم من أن بعض أعضاء هيئة التدريس قد إشتكوا من كون البناء قد حرمهم من رؤية المناظر الخلابة.

قال فضلو خوري، رئيس الجامعة الأميركية ببيروت، الأسبوع الماضي، “إن زها مثال ساطع لإمرأة عربية نجحت في إحداث تأثيرٍ عالمي في مجال يهيمن عليه الرجال بشكل تقليدي. بالإمكان التعرف إلى تصاميمها على الفور في بعض من أكثر الأماكن شهرة في العالم، وإن الجامعة الأميركية في بيروت محظوظة جداً بأن تمتلك واحدا منها. من المؤكد أن إسم زها حديد سيبقى حيا لطالما سيواصل البشر مناقشة موضوع هندسة العمارة.”

من دراسة الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، رأت حديد تطوراً طبيعيا في ميلها لهندسة العمارة كتخصص يمكنها فيه أن تجمع بين مواهبها العلمية والرياضية من جهة وخلفيتها الفنية التي نشأت عليها في العراق.

قالت حديد، في حوار أجرته معها قناة السي أن أن CNN العام الماضي، “لقد غرس والدي في شغف الإكتشاف ولم يكونا يفرقان أبداً بين العلم والإبداع. كنا نلعب مع المسائل الرياضية تماماً كما كنا نلعب بالأقلام والأوراق لرسم الرياضيات كما لو كانت رسوما تخطيطية. سأبقى إلى الأبد ممتنة لوالدي لأنهما عرفاني على الفن والعلم بطريقة لا ترسم بينهما أية حدود.”

في سبعينيات القرن الماضي، وجدت حديد نفسها في الجمعية المعمارية في لندن، حيث درست تحت إشراف المهندس المعماري الهولندي الشهير ريم كولهاس.

سرعان ما أثبتت حديد نفسها كطالبة متميزة لامعة. ففي تعليق متميز من منتصف سبعينيات القرن الماضي، قال كولهاس، الذي كان أستاذها في حينها (وزميلها ومنافسها في المستقبل)، “كان أداء زها خلال السنتين الرابعة والخامسة لدراستها مثل صاروخ يقلع ببطء ليصف مساراً متسارعاً بإستمرار. وها هي الآن كوكب في مدارها الخاص الذي لا يضاهيه أحد.”

بعد دراستها، أسست حديد عملها الخاص في لندن. لكن حياتها المهنية، مع ذلك، إستغرقت بعض الوقت قبل أن تغادر منصة الإطلاق. غالباً ما نالت تصاميمها الأصيلة والمستقبلية الثناء، لكنها وجدت عدداً قليلا من المتقدمين الشجعان بما فيه الكفاية لترجمة أعمالها ونقلها من لوحة الرسم إلى مبان من زجاج وحجر.”

إكتمل أول مبنى يحمل توقيع حديد عام 1993، وكان عبارة عن محطة إطفاء في مركز التصميم بشركة فيترا لصناعة الأثاث في مدينة فايل أم راين الألمانية.

وقد لاقى بناؤها ذو الزوايا والمتعدد المستويات الإستحسان، لكن الأمر إستغرق ما يقرب من عقد آخر من الزمن قبل أن تبرز حديد إلى المشهد العالمي مع مركز لويس وريتشارد روزنتال للفن المعاصر في سينسيناتي. وقد أشاد به هربرت موشامب، الناقد بصحيفة نيويورك تايمز، حيث كتب، “إنه المبنى الأميركي الأكثر أهمية الذي تم إنجازه منذ نهاية الحرب الباردة.”

وبعدها جاءت العقود بشكل كثيف وسريع: فكان متحف ماكسي للفن في القرن الحادي والعشرين بروما الذي منحت صفائحه البيضاء المتكسرة طباقاً جذرياً للقلب الكلاسيكي للمدينة، ومتحف ريفرسايد ذو المظهر العام المتعرج بمدينة غلاسكو، ومركز فاينو للعلوم الذي يشبه مركبة فضائية في مدينة فولفسبورغ في ألمانيا، ومبنى دونغ داي مون ديزاين بلازا الذي يشبه دوامة كاسحة مغلفة بالألمنيوم في سيول، وجسر الشيخ زايد المتموج في أبو ظبي.

وصلت شهرة زها حديد لدرجة تضاهي شهرة نجوم الروك. فقد سقطت الكثير من الجوائز في طريقها – حيث فازت بجائزة ستيرلينغ البريطانية عن البناء الأكثر أهمية لهذا العام في كل من العامين 2010 و2011 – عن تصميمها لمتحف ماكسي ومدرسة بلندن.

كما إختارتها مجلة تايم لتكون من بين أكثر 100 شخصية تأثيرا في العالم في عام 2010.

وطوال مسيرتها المهنية، كانت السيدة زها، كما أصبحت تدعى بعد تكريمها من قبل ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية في عام 2012، حريصة على نقل حبها للبناء للجيل الجديد.

قالت حديد في العام الماضي، “لطالما إعتقدت بأن التدريس أمر مهم للغاية. فأنت تتعلم مما تدرسه، وتبين بأن بإمكان الناس تحقيق ما هو أبعد مما كانوا يظنون بأنه ممكن.” ومع ذلك، قالت “لا أعتقد أن بإمكانك أن تدرّس هندسة العمارة، يمكنك أن تلهم الناس فحسب.”

أعطت حديد برامج دراسية في مختلف الجامعات الأميركية بما في ذلك مدارس هندسة العمارة في جامعات هارفرد وييل، كما أعطت فصولاً دراسية رئيسية منتظمة في جامعة الفنون التطبيقية في فيينا.

ومن طلابها في جامعة ييل “ما يانسونج”، النجم الصاعد الذي تشمل أعماله أبراج أبسولوت الملتوية قرب تورنتو ومنتجع شيراتون هوتشو هوت سبرنغ في وطنه الأم الصين. وقد سارع ما للإشادة بأستاذته السابقة.

قال ما لموقع آرك ديلي ArchDaily، “كانت حياة أستاذتي زها حديد قصة ملهمة للنضال من أجل الإستقلالية، والمساواة، والإحترام، حيث كانت تقاتل من أجل التقدم والتغيير. لقد أحبت العالم وإحتضنته بروحٍ حساسة وناقدة. كأحد طلابها قبل 15 عاما، فقد ألهمتني وشجعتني قوتها ورؤاها، وسوف تستمر على الدوام لتلهمني شخصيا وتلهم كل شخص يختبر أعمالها.”

ومع الشهرة يتولد الخلاف، حيث واجهت حديد الكثير من الإنتقادات.

فقد تعرقلت خططها لبناء دار أوبرا في كارديف ويلز بعد شكاوى تقدم بها سياسيون.

وعلى الرغم من الإعتراف به كأحد أجمل التصاميم وأكثرها إبتكاراً، فقد أثارت الإنحناءات البيضاء المذهلة لمركز حيدر علييف الثقافي في باكو في أذربيجان إحتجاجات من النشطاء المعنيين بحقوق الإنسان هناك.

كما واجهت إتهامات بتدمير التراث في بيجين عندما تم هدم المنازل التراثية لإفساح المجال لتصميمها المستقبلي الواسع للمركز التجاري غالاكسي سوهو.

في أيلول/ سبتمبر، غادرت حديد مقابلة تبث مباشرة على قناة البي بي سي بعد أن أثار غضبها التساؤلات حول سلامة العمال أثناء إنشائها ملعب الوكرة لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022 في قطر، وتصميمها لملعب دورة الألعاب الأولمبية لعام 2020 في طوكيو، والذي تم إيقافه من قبل الحكومة اليابانية في العام الماضي وسط شكاو تتعلق بالتكاليف.

سلطت وسائل الإعلام الضوء على ما يفترضون كونه شخصية شائكة. وتساءلت حديد إذا ما لم يكن الجنس يلعب دوراً في ذلك. حيث تأملت في إحدى المرات قائلة، “هل تراهم كانوا سيستمرون في تسميتي بالنجمة، لو كنت رجلا؟”

ينحي أنصار حديد الخلافات جانباً بإعتبارها نتيجة حتمية لإمتدادها العالمي. وبعد وفاتها، تدفق الثناء عليها من كافة أنحاء العالم، مشيدين بحديد لكونها أعظم مهندسة معمارية إمرأة في العالم.

قال نورمان فوستر، صديق وزميل حديد، “لقد كانت شخصية على قدر عظيمٍ من الشجاعة، والإقناع، والمثابرة. من النادر أن تجد هذه الصفات مرتبطة بروح حرة وخلاقة. وهذا هو ما يجعل خسارتها عميقة للغاية والمثال الذي تجسده ملهما للغاية.”

وعلى الرغم من إلتزامها الحازم بالطراز الحديث والإستخدام المبتكر للهندسة المعمارية التي تعتمد على الكومبيوتر، فقد إعترفت حديد بتأثير جذورها الشرق أوسطية في الخطوط المنحنية لتصاميمها.

قالت حديد متحدثة لصحيفة الشرق الأوسط عام 2014، “من المؤكد بأن هناك نوعاً من التدفق في الفن والعمارة الإسلاميين حيث تمتد خطوط الخط العربي وعناصر الهندسة من السجاد إلى الجدران والأسقف، ومن ثم للأعمدة والسقوف والقباب. يشكل كل هذا إمتداداً رائعاً وهنالك علاقة بين جميع هذه العناصر. لقد بدأ إهتمامي بالهندسة المعمارية أساساً عندما كنت أدرس الرياضيات في الجامعة. فخلال ذلك الوقت، لاحظت الصلة بين المنطق، والرياضيات، والهندسة المعمارية من جهة والأشكال التجريدية في الخط العربي من جهة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام