فرص ممكنة لتعزيز التدريب العملي لطلاب الجامعات

/ 28-09-2016

فرص ممكنة لتعزيز التدريب العملي لطلاب الجامعات

يحاول الالتحاق بالتدريب العملي في إحدى الشركات، يتردد يومياً على مكتب شؤون الطلاب وإدارة التدريب بلا جدوى، إذ اكتفت الكلية بتدريب ثلاثة طلاب فقط من أصحاب التقديرات الأعلى! تقديره في العام الماضي (جيد)، وهو الآن في السنة النهائية، ولا يعلم شيئاً عن العلاقة بين ما يدرس وما يمكن أن يقوم به بعد التخرج!

هذه ليست قصة طالب بعينه، لكنها مشكلة الآلاف من طلاب الجامعات في المنطقة، الذين يشتكون من ضعف فرص التدريب خلال فترة دراستهم الجامعية، وعدم وضوح العلاقة بين تخصصاتهم ومجالات العمل، وانقطاع الصلة بينهم وبين الشركات والمؤسسات، خصوصاً في الكليات التي ليس لها مسار محدد في سوق العمل.

وهنا يتبادر للذهن سؤال مشروع حول أسباب ضعف اهتمام الجامعات بتقديم فرص تدريب عملية لطلابها خلال سنوات الدراسة.

لا يمكن إغفال الأعداد الكبيرة للطلاب باعتبارها سببا من الأسباب، ففي الوقت الذي خرجت الجامعات المصرية فيه 308 آلاف طالب (2014/ 2015)، اقتصرت قدرات مجلس التدريب الصناعي المصري على تدريب قرابة 78 ألفا منهم فحسب. كما أن التكلفة عامل آخر مهم، فللتدريب تكلفة قد لا تستطيع الجامعات الحكومية تحملها، ومع غياب الدور الاجتماعي لأغلب شركات القطاع الخاص، وعدم وجود قوانين ملزمة لها في هذا الشأن، يصبح التدريب خارج إطار الاهتمام بشكل كامل.

سبب آخر لغياب التدريب هو تدريس العلوم بطريقة التلقين، وغياب المعامل أو تقليص دورها في تعزيز المعلومة لدى الطالب وتنمية قدرته على استخراجها بنفسه. فعلى سبيل المثال، يصل طلاب قسم الكيمياء في إحدى الكليات  إلى السنة الدراسية النهائية من دون أن تطأ أقدامهم المعمل مرة واحدة!

لكن كيف يمكن للجامعات في المنطقة أن تقدم فرصاً تدريبية حقيقية؟

تمتلك غالبية الجامعات في المنطقة مراكز تدريبية، بمسميات مختلفة، وكلها تقريبا تقدم الخدمة نفسها، من دورات إجادة استخدام الحاسب الآلي، إلى دورات اللغات، بالإضافة إلى الدورات التي تخدم ما يُسمى “المهارات الشخصية Soft Skills”. ورغم أنها خدمة مفيدة إلى حد كبير، إلا أن تقديم دورات بعينها لجميع الطلاب، بصرف النظر عن تخصصاتهم والمهارات التي يحتاجها كل تخصص، هو نوع من أنواع القولبة المريحة وغير الفعالة، وبذلك تصبح جدوى هذه المراكز أقل من المتوقع.

والحل الأقرب والأكثر سهولة وسرعة؛ تفعيل دور هذه المراكز، وتغيير مفهوم التدريب فيها، وعملها كهمزة وصل بين الجامعات والشركات لتنفيذ برامج تدريب فعالة.

من جهة أخرى، تقدم بعض الكليات برامج تدريبية تركز فقط على إنجاز مشروع التخرج. فعلى سبيل المثال، تطالب إدارة التدريب العملي في كلية الهندسة، جامعة القاهرة، كل طالب بالقيام بتدريب عملي مدته ثلاثة أسابيع على الأقل، إلا أنه يهدف إلى خدمة مشروع التخرج فحسب، وتبدو الإشارة إلى ذلك واضحة على موقع الكلية، الذي ينص على توجيه الطلاب إلى “المصانع والهيئات والشركات؛ لتغطية النقاط الفنية التي قد يحتاجها الطالب لمشروعات التخرج”.

في المقابل، نجد تعاوناً وثيقاً بين الجامعات وكبرى الشركات في الخليج العربي بما يصب في دعم التدريب. إذ تستقبل شركة “أرامكو السعودية” الطلاب من مختلف الجامعات السعودية، مقدمة أنواعًا مختلفة من التدريب، منها “برنامج التدريب التعاوني” لطلاب الامتياز، في مدة تدريب لا تقل عن عشرة أسابيع، ويستهدف إتاحة الفرصة للطلاب ليكتسبوا مهارات جديدة، وتعويدهم على التفكير الابتكاري، إضافة إلى ممارسة مهارات حل المشكلات واتخاذ القرارات.

ومنها “برنامج التدريب الصيفي” للمرحلة الجامعية، والغاية منه التعريف ببيئة العمل في الشركة وتزويد الطلاب بالمعرفة والمهارات الوظيفية، إضافة إلى برنامج “التدريب التعاوني الصناعي” لطلاب الكليات الصناعية/ الفنية ومعهد الإدارة العامة.

كما تقدم جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية نموذجا مختلفا للتدريب، إذ تقدم برنامج منح تدريبية للطلاب المتميزين في المرحلة الثانوية؛ للتدريب على البحث العلمي بإشراف من أعضاء هيئتها التدريسية، بحيث يشترك الطلاب في المشروعات البحثية مدة تتراوح بين ثلاثة شهور وستة، بمميزات مادية وأكاديمية.

أعتقد أن هناك فرصاً كبيرة لتعميم تجربة المملكة العربية السعودية على باقي الدول العربية، وأول شرط لتحقيق ذلك هو وجود قرار كقرار السعودية الذي يُلزم منشآت القطاع الخاص التي تستخدم خمسة وعشرين عاملا فأكثر بقبول نسبة من الطلبة والطالبات في فترة تدريبية تصل إلى أربعة أسابيع؛ بهدف إكسابهم مهارات وخبرة عملية خلال فترة الصيف.

تبدو الجزائر ومصر في طليعة الدول التي يمكنها تنفيذ ذلك، فقد قطعت الجزائر شوطًا كبيرًا بمشروع القانون التوجيهي حول البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في سبتمبر الماضي، والذي سيعمل عند تطبيقه على الربط بين الجامعات ومؤسسات الأبحاث من جهة، والمؤسسات الإنتاجية من جهة أخرى، من خلال البحث العلمي والتدريب.

أما مصر فتبدو تجربة وزارة الاتصالات في التدريب على تكنولوجيا المعلومات بالمنح الداخلية والخارجية نموذجا ملهما، وكذلك تأتي مؤشرات الاستثمار الأجنبي –الذي حقق طفرة كبيرة في العام الماضي، ويُتوقع زيادتها- حافزا على استغلال هذه الطفرة بجميع الأوجه الممكنة، ومنها توفير التدريب لطلاب الجامعات، كما أن ذلك سيخدم اتجاه الدولة إلى تطوير التعليم، بوضع المناهج والمقررات الجامعية على المحك، لمعرفة مدى ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل.

ولعل تشجيع الحكومات للشركات والمستثمرين على تنفيذ البرامج التدريبية لطلاب الجامعات، ومنح امتيازات ضريبية عند الالتزام بذلك هو أحد الحلول الناجعة التي يمكنها خلق واقع تدريبي جديد. إن تعزيز التعاون بين الجامعات والشركات والمستثمرين من شأنه توفير فرص تدريب حقيقية للطلاب من دون إضافة أعباء إضافية على الجامعات، ودعم كوادر الشركات بمهارات شابة طموحة متعطشة للتدريب والتعلم.

فإذا كانت جميع الأطراف مستفيدة، فوائد جمة لكل منها، فهل تستمر في إهمال مشكلة يمكن معالجتها بأبسط الحلول؟

*صالح الشاعر: حاصل على الدكتوراة من جامعة القاهرة، عمل في التدريس الجامعي، وتحقيق التراث، ونشر عددًا من البحوث المحكَّمة في تخصصه، ترجم له معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين. يمكن متابعته على تويتر [email protected]




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام