الجامعات العربية وسياسة الصمت تجاه قضايا الفضاء العام

/ 28-09-2016

الجامعات العربية وسياسة الصمت تجاه قضايا الفضاء العام

“هل من الممكن دراسة وممارسة النقد المعماري في مجتمع تغيب فيه ثقافة النقد تقريباً؟ وكيف يمكن ممارسة النقد في مجتمع لا تتوفر فيه المعلومات الموثوقة اللازمة لذلك، وحيث يشكك الكثيرون في البيانات التي يمكن العثور عليها؟ وكيف يمكن للمرء انتقاد الهندسة المعمارية في مجتمع جميع المباني المعمارية –الجيدة- فيه في طريقها إلى الزوال؟”

هذا ما كتبه نبيل الهادي، أستاذ الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة، في مقال نشر في العدد الأخير من مشاهد القاهرة Cairobserver، مجلة وموقع إلكتروني تأسس عام 2011 من قبل محمد الشاهد، الباحث الشاب في التاريخ المعماري والحضري المصري. ومع مساهمات العديد من الهواة، والطلاب، والأكاديميين من مختلف المجالات، أصبح موقع مشاهد القاهرة مصدراً قيماً للمعلومات والتحليل فيما يتعلق بالعاصمة المصرية، حيث يشكل تطورها العشوائي محور الكثير من النقاشات.

من المؤسف أن هذا النقاش لا يحدث في معظم الأحيان في الجامعات. يبدو أن هذا هو الإستنتاج للمسألة التي انطلقت نقاشاتها في 18 تشرين الأول/ أكتوبر، والتي كرست لإستكشاف العلاقة بين الجامعات والمدينة، بين الطريقة التي تدرس بها الهندسة المعمارية، والهندسة، والتخطيط العمراني، وبين المشاكل الملحة – الإقتصادية، والإجتماعية، وتلك المتعلقة بالحكم – الناجمة عن التوسع العمراني الكبير.

يمتاز استخدام الفضاء العام بكونه مشحوناً سياسياً في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ففي لبنان، تم تنظيم واحدة من أكثر حملات المجتمع المدني نشاطاً في محاولة للحفاظ على الجزء الأخير المتبقي من ساحل بيروت غير المستغل. التمست “الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة” إيجاد خطط بديلة للتنمية في المنطقة، فضلاً عن تقديم الحجج القانونية والإجتماعية للحفاظ على الفضاء العام. في آب/ أغسطس، أثارت موجة السخط على خدمات جمع القمامة غير الفاعلة في بيروت إحتجاجات سرعان ما تحولت إلى دعوة أوسع لوضع حد للفساد الحكومي.

في المملكة العربية السعودية، خلق التطوير العمراني العنيف في المدن المقدسة في مكة والمدينة – الذي تضمن تدمير العديد من المباني التاريخية أثناء خطط إحاطة المسجد الكبير في مكة بفنادق ضخمة –نقداً. لكن سرعان ما تم خنق الإنتقادات في داخل السعودية، بحسب إياد العلوي، مدير مؤسسة أبحاث التراث الإسلامي التي تتخذ من لندن مقراً لها، والمنتقد الدائم، في الصحافة الأجنبية، لعمليات الهدم والتوسعات. يتبادل الباحثون السعوديون المعلومات معه، كما يقول علوي، لكنهم يخشون الإشتباك مع الشرطة الدينية، أو مع السلطات البلدية إذا ما تحدثوا عن الأضرار التي لحقت بالآثار.

مع ذلك، قد لا تكون قضية الفضاء العام أكثر إثارة للجدل في أي مكان أكثر مما هو عليه الحال في القاهرة، المدينة الألفية الشهيرة بالدراما والإختلال الوظيفي. فالقاهرة هي أكبر عواصم العالم العربي وأكثرها كثافة بالسكان (القاهرة الكبرى موطن لنحو من 19 مليون مواطن) وتعاني من التلوث، والإزدحام، والأحياء العشوائية الضخمة التي تفتقر للمساحات الخضراء والخدمات العامة. وقد كان قلب المدينة الحضرية الكثيف بالسكان السبب الرئيسي لقيام ثورة عام 2011 ضد الرئيس حسني مبارك، حيث سمح لمئات الآلاف من الأشخاص التجمع بسرعة في ميدان التحرير الشهير، والذي تم الصراع عليه، وسيطرت عليه الحراسة المشددة في السنوات الأخيرة.

تبارت الجامعات نفسها – سواء الجامعة الأميركية في القاهرة، أو جامعة القاهرة، أو جامعة الأزهر الإسلامية – فيما بينها بقوة للحصول على مكان في الحدث، وفي الجامعات الحكومية على وجه خاص، اشتبك الطلاب ورجال الشرطة بعنف.

يقول العديد من المساهمين في مشاهد القاهرة  إن هناك فجوة عميقة تفصل بين الجامعات في القاهرة والتنمية في العاصمة. وهذا الإنقسام هو بالضبط ما يأمل الشاهد – الذي كتب أطروحته في جامعة نيويورك عن العمارة والسياسة في مصر بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي –  في أن يبحثه. قال الشاهد، في مقابلة صحفية، “هناك حالة من التناقض في مصر، حيث هناك وضع عمراني مفرط في الإتساع ولكن مساهمة أقسام الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني تقريباً منعدمة”.

لطالما كانت العاصمة المصرية محور اهتمام المنح الدراسية، كما درس بعض الباحثون المحليون الأحياء العشوائية وقاموا بتشغيل مشاريع رائدة هناك.

لكن وبالنسبة لمعظم أقسام الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني في القاهرة “تحولت المدينة إلى شيء لا تعرف المناهج الدراسية كيفية التعامل معه،” بحسب الشاهد، الذي أضاف “لا يزال الطلاب يقرأون عن أشياء تتصل بسبعينيات القرن الماضي، لكن ليس لها أدنى علاقة بالمدينة اليوم.”

تتواجد بعض المشاريع الأكثر إثارة للإهتمام والتي تقدم دراسات على أرض الواقع وحلولاً مبتكرة لمشاكل المدينة خارج الجامعات. لكن الأكاديميين وصناع السياسات لا يأخذون المقترحات على محمل الجد، بحسب الشاهد.

في الواقع، ووفقاً للمقالات المنشورة من قبل مشاهد القاهرة، والتي كتب العديد منها من قبل طلاب هندسة العمارة، فإن معظم الأساتذة لا يشجعون الطلاب على التعامل مع واقع المدن المصرية. حيث يعيش معظم سكانها في أحياء عشوائية تم بناؤها بطريقة غير منظمة لإستيعاب العدد المتزايد لسكان العاصمة. يطمح المهندسون المعماريون للعمل مع السلطات، ليكونوا بمثابة مستشارين حكوميين والفوز بعقود الإنشاءات العامة لصالح شركاتهم. لكنهم نادراً ما ينتقدون سياسات التخطيط العمراني العامة، والتي شجعت على تطوير مجمعات سكنية خاصة ومغلقة في ضواحي المدينة، وركزت على المشاريع الكبرى، وغير الواقعية في الغالب، مثل خطة بناء عاصمة جديدة في الصحراء بقيمة 30 مليار دولار أميركي – في محاولة أخرى لفرض رؤية فوقية عوضاً عن الإنخراط مع إحتياجات المواطنين الفعلية.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام