التعليم: السلاح الوحيد المتبقي

/ 28-09-2016

التعليم: السلاح الوحيد المتبقي

بعد مضي شهر من عامي الدراسي الأخير، أشعر بالتوتر حيال دخول “العالم الحقيقي” بعد إنتهاء الكلية. لكن، في الوقت نفسه، يواصل العالم الحقيقي تدخله في الكلية.

بدأت فصلي الدراسي نصف السنوي في كلية القدس “بارد” على أسس صحيحة، مع إحراز تقدم في مشروع تخرجي، وهو فيلم عن الكيفية التي يراقب بها الفلسطينيون وسائل الإعلام المحلية في السنوات التي أعقبت بدء الصدع بين حركتي فتح وحماس في عام 2007. كما أنني أحصل الآن على ثلاثة مواد كبرى هي: نظرية وممارسة الفيلم الوثائقي، فن التركيب، ونظرية النقد الأدبي. وهذا يعني الكثير من المواد الصعبة والمربكة. لكن الطاقة الفكرية التي أتلقاها من دراسة هذه المواد تستحق العناء.

إن ما يجعل الحياة الجامعية أروع هم الأصدقاء بالطبع. عندما أتذكر بأنني سأتخرج في العام المقبل، أفكر فيهم ويصيبني التوتر. أنا لا أرغب في ترك الكلية. وعندما أبدأ في التفكير في حياة ما بعد التخرج، أفكر في مسؤولياتي القادمة في العالم المهني، وتحديات التقديم لكلية دراسات عليا. هل تراني سأنجح؟ أنا لست متأكدة من كوني أرغب في أن أكبر.

في النهاية، ورغما عن كل شيء، فإن الحياة تستمر. إنها تتفتح بشكل تلقائي، من دون أية أعذار. يتوجب علي أن أهيئ نفسي نفسياً للمرحلة المقبلة من حياتي. فقد تكون أكثر إثارة للإهتمام، على أية حال.

ووسط كل شيء أواجهه – ذات التحديات التي يواجهها الطلاب من أميركا إلى أستراليا كل عام، كما أفترض – فإن الطلاب الفلسطينيين من أمثالي يواجهون أزمة إضافية من نوع خاص.

أتذكر عندما رأيت صورة الطفل السوري الذي جرفته الأمواج على الشاطئ التركي. عصفت الأفكار بذهني. في ذلك اليوم، لم أتمكن من الدراسة. في كتبي وعلى شاشة الكومبيوتر المحمول الخاص بي، رأيت صورة ذلك الطفل. هنالك العديد من الصور من هذا القبيل، لأطفال قتلوا في حرب عام 2014 بين إسرائيل وغزة. لقد ألقت الأمواج بجسد الطفل السوري على الشاطيء تقريباً مع الذكرى السنوية الأولى للحرب على قطاع غزة. اختبرت ذكريات من الماضي. وشعرت بالصدمة.

مع ذلك، فإن أزمة اللاجئين السوريين ليست الشيء الوحيد الذي يشوش تركيزي. ففي الضفة الغربية، الأمور تكاد تخرج عن السيطرة. فالتوتر بين الجنود والمستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين يتصاعد بشكل خطير.

كان الشهيدان الأخيران، ضياء التلاحمة ومهند حلبي، طالبين في جامعة القدس. وكليتي تابعة لتلك الجامعة.

لقي ضياء التلاحمة، 21 عاماً، مصرعه عندما إنفجرت قنبلة كان ينوي إلقاءها على نقطة تفتيش في الضفة الغربية، بحسب وكالة فرانس برس للأنباء. وبعد بضعة أيام، قام حلبي، 19 عاماً، بقتل إسرائيليين إثنين وجرح إثنين آخرين، بما فيهم طفل صغير. لقد قام بطعن ضحاياه قبل الإستيلاء على بندقية أحدهم والبدء بإطلاق النار. فقامت الشرطة بقتله.

قام التلاحمة وحلبي بذلك رداً على الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القدس بشكل عام والمسجد الأقصى على جبل الهيكل على وجه الخصوص. إذ منعت إسرائيل المسلمين من الصلاة في المسجد، وأساءت معاملة النساء في الموقع. كما كان الشابان أيضاً منزعجين من ممارسات المستوطنين ضد الفلسطينيين، لاسيما بعد قيام متطرفين يهود بقتل علي دوابشة، الطفل الفلسطيني البالغ من العمر ثمانية أشهر، مع والديه في هجوم في نابلس.

مع الأجواء الراهنة، لم يعد الذهاب إلى الكلية بالنسبة لي سهلاً أو آمناً. في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر، أوقفني جدار من الغازات المسيلة للدموع عن الدخول للحرم الجامعي. ولم يكن ذلك ليهمني لو واصلت طريقي عبر الغاز. لكن الجنود الإسرائيليين قاموا بإغلاق إثنين من البوابات الرئيسية للجامعة. لا يرغب ووالدي في أن أغادر المنزل حتى، لأنه يتوجب علي أن أجتاز العديد من نقاط التفتيش الإسرائيلية التي يستهدفها المسلحون. كما اشتبك الطلاب والجنود الإسرائيليون في الحرم الجامعي أيضاً. وقام الجنود بإلقاء القنابل الصوتية وقنابل الغاز المسيل للدموع.

وفضلاً عن ذلك، لا يمكن الإعتماد على التيار الكهربائي عقب الهجمات الإسرائيلية. ولكن لدي بعض المهام الدراسية لأنجزها. لقد كتبت هذه المدونة على هاتفي الخلوي لأن جهاز الكومبيوتر المحمول الخاص بي لم يكن مشحوناً. ولم أتمكن من تقديم بحثي لنصف الفصل الدراسي الأول في الوقت المحدد. فتوجب علي أن أطلب من أحد زملائي إرسال رسالة بالبريد الإلكتروني لأستاذي ليوضح له الوضع.

تشكل سلامة الطلاب مصدر قلق كبير بالنسبة لأولياء الأمور. لكن المرور بالمستوطنات ونقاط التفتيش، وحضور المحاضرات، وتنظيم الإحتجاجات التي نمارس فيها حقنا في حرية التعبير وإظهار تضامننا مع شهداء الجامعة جزء من مقاومتنا المشروعة.

لا ينبغي أن يخيفنا شيء ويثنينا عن إكمال تعليمنا. فالتعليم بالنسبة لأي شاب، مفتاح مستقبلهم. وبالنسبة للفلسطينيين، فإنه السلاح الوحيد الذي لم تجردنا إسرائيل منه حتى الآن.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام