أبواب موصدة أمام الباحثين في الشرق الأوسط

/ 03-02-2017

أبواب موصدة أمام الباحثين في الشرق الأوسط

يقول العديد من الأكاديميين الذين يعملون في منطقة الشرق الأوسط إنهم يعملون في مناخ من القمع والإضطهاد المتزايد.

إذ لا يجد الباحثون على الإطلاق سهولة في البحث في العديد من المواضيع التي تعتبر “حساسة” من قبل الأنظمة العربية المستبدة. وعلى الرغم من وعود  الإنتفاضات العربية التي اندلعت قبل أربع سنوات ولفترة وجيزة بعهد جديد أكثر إنفتاحاً، إلا أن الباحثين الأجانب الآن وعلى وجه الخصوص يقولون إنهم يخشون أن يتم حرمانهم من دخول البلدان التي يدرسونها إذا ما ركزوا على الموضوعات المحرمة أو في حيال قيامهم بإنتقاد سياسات الحكومة بشكل علني.

فاني عالمة فرنسية شابة في مجال علم الإجتماع السياسي في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الإجتماعية في باريس. في تموز/يوليو، سافرت فاني، وفي إطار بحثها، إلى مدينة دمياط المصرية للقاء عدد من أعضاء حركة 6 أبريل، الحركة الطلابية المؤيدة للديمقراطية والمعارضة للنظام العسكري في البلاد والتي تم حظرها في عام 2014. في الساعة الرابعة من صباح اليوم الثاني من شهر تموز/يوليو، قالت فاني إن ما يقرب من عشرة من رجال الشرطة وضباط المخابرات جاءوا إلى غرفتها في الفندق، وقاموا بإعتقالها، وتفتيش أمتعتها، قبل أن يتم اقتيادها إلى مطار القاهرة وإجبارها على شراء تذكرة للسفر خارج البلاد. قالت فاني في مدونة نشرتها إنها لم تتلق أبدا سبباً رسمياً لإبعادها. حيث كتبت “سمعت بأن هناك حالات مماثلة. أعتقد بأن النظام كان يراقبني قبيل إعتقالي، وربما منذ دخولي للأراضي المصرية. لا يمكنني التأكد من هذا. لكن قد يكون لديهم عين على كل باحث أو صحفي يدخل البلاد.”

أطاح الجيش المصري بالرئيس الإسلامي محمد مرسي، عقب إحتجاجات واسعة، في صيف عام 2013. وشن النظام الجديد برئاسة الجنرال عبد الفتاح السيسي، حملة على الإرهابيين، لكنها طالت أيضاً المعارضين السياسيين من مختلف الإنتماءات السياسية.

قال ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن ورئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط، “اليوم، أنا لا أعتقد بأن أحداً ممّن يحاولون القيام بمشروع بحثي يحمل الكلمات “عسكري” أو “الأمن” أو “الإخوان المسلمين” سيلجأ للذهاب إلى القنوات الرسمية.”

يحاول بعض الباحثين تجنب إجراء عمل ميداني في مصر، ولا يقومون بإرسال طلاب دراسات عليا إلى هناك. قال السيد براون، “جزء من هذا الإضطراب يتأتى من حقيقة أن أي شيء ستقوم به في مصر تقريباً يُحتمل أن يكون غير قانوني. لأن المجتمع بأسره يعمل في منطقة رمادية من الناحية القانونية.”

في كانون الأول/ديسمبر2014 ، تمت دعوة ميشيل دن، باحثة أولى مشاركة في مؤسسة كارنيغي لبرنامج الشرق الأوسط للسلام الدولي لحضور مؤتمر نظمته مؤسسة بحثية متصلة بوزارة الخارجية المصرية. لكن طلب منها العودة لدى وصولها لمطار القاهرة. فقد كانت السيدة دن من أشد منتقدي انتهاكات حقوق الإنسان والنظام الإستبدادي للحكومة الحالية. قالت دن “أعتقد بأنهم أرادوا أن يجعلوا مني نموذجاً يلهم الآخرين في إتباع رقابة ذاتية على أنفسهم. من المرجح جدا أن ينجح النظام في جعل الناس يترددون في الكتابة، أو أن يجعلهم غير مباشرين فيما يقولونه إذا ما كتبوا.”

كما أن دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة الخليجية الصغيرة الغنية بالنفط، لجأت أيضا لإستخدام أسلوب الطرد والقوائم السوداء ضد عدد من الباحثين. ففي آذار/مارس من هذا العام، تم/ منع الأستاذ في جامعة نيويورك، أندرو روس، من الصعود إلى طائرة متجهة إلى الإمارات العربية المتحدة. وكان السيد روس، من أشد منتقدي سياسات تنظيم العمالة وسجل حقوق الإنسان في دولة الإمارات، وكذلك لإنشاء جامعة نيويورك فرعا لها هناك. وفي أيار/مايو، تمّ منع وليد رعد، الفنان والأستاذ المشارك في إتحاد كوبر Cooper Union، والزميل المدافع عن حقوق العمال المهاجرين، من دخول البلاد أيضاً. وكحال مصر، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بإغلاق وحظر المنظمات غير الحكومية الدولية وقلصت من هامش حرية التعبير.

قال مات دوفي، أستاذ الصحافة الذي كان يدرس في جامعة زايد، في أبوظبي، حتى تم إلغاء عقد عمله وتأشيرة دخوله للبلاد فجأة في عام 2012، “إنه أمرٌ لا يصدق عندما أرى الفرق بين ما كان الناس يقولونه على موقعي تويتر والفيسبوك في عام 2011، وما يقولونه الآن. الجميع يدرك بأنه لا ينبغي أن يقول شيئا ينتقد الإمارات العربية المتحدة، وبالطبع ليس الأساتذة المغتربين.”

وقال كريستوفر ديفيدسون، القاريء المتابع لسياسات الشرق الأوسط في جامعة دورهام، والذي كتب العديد من الدراسات النقدية عن دول الخليج، والذي أصدر آخر كتاب له بعنوان “ما بعد الشيوخ: الإنهيار المقبل للممالك الخليجية”، “من المهم جداً أن تكون قادراً على الوصول الفعلي إلى البلاد التي تبحث عنها، وإلا لن يكون بإمكانك أن تدعي إمتلاكك الخبرة بشأنها.” وأوضح ديفيدسون بأنه لم يتم منعه من دخول الإمارات العربية المتحدة، ولكنه يعتبر شخصا غير مرغوب فيه في المملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين. ويعتقد السيد ديفيدسون بأنه من غير المرجح أن يتخذ الأكاديميين الشباب الذين يمتلكون القليل من الأمن الوظيفي هذا النوع من المواقف الإنتقادية الحاسمة التي قد تعرضهم لفقدان فرصة دخول البلاد.

بدوره، قال أندرو غاردنر، أستاذ علم الأنثروبولوجيا في جامعة بوجيه ساوند، في الولايات المتحدة الأميركية، “الكثير من إنعدام الأمن الذي يشعر به الناس حيال إجراء البحوث في منطقة الخليج ناجم عن أحداث عرضية. نحن لا نمتلك معايير واضحة لما يمكننا وما لا يمكننا القيام به. هنالك حجاب من التسلط القبلي لا يمكننا الرؤية من خلاله.”

لكنه يعتقد بأن العلماء الأجانب يستجيبون بسرعة للرقابة الذاتية. فقد كتب السيد غاردنر دراساتٍ عن العمال المهاجرين في البحرين وقطر والتي إمتازت بالوضوح في تبيان الظلم والإهانات التي يعانون منها. لكنه يقول بأنه يعتقد بأن التعاون مع باحثين محليين يساعد في تجنب ما أسماه “سياسة الإذلال”. لأن جلب العار للأنظمة المحلية بشكل صارخ سيؤدّي إلى نتائج عكسية، بحسب إعتقاده.

قال غاردنر “من يدري، في المرة القادمة سأكون هناك بهدف القيام بمشروع، وربما أكون الشخص الذي سيتم ترحيله أو منعه من دخول البلاد، ولكن وحتى يحدث ذلك، سأواصل كوني صريحاً، ومتفائلاً، ومتعاوناً، وناقداً بشكل بناء في محاولة لجعل الوضع أفضل بالنسبة لجميع المعنيين بالأمر.”

وبينما اختار غاردنر العمل والمشاركة، أحرق آخرون جسورهم. فقد أدان مارك لينش، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن، ممارسات الحكومة العسكرية في مصر. وقرر أيضاً ألا يزور البلاد بعد الآن جزئيا كموقفٍ رمزي كما قال “إذا ما كان هذا النوع من الأماكن هو ما ستكون عليه مصر، فعليهم أن يدفعوا الثمن. أعتقد بأنه من الخطأ التعامل معها كمكان طبيعي في حين إنها ليست كذلك.”

يقول لينش إنه يعرف العديد من الباحثين الذين يعملون تحت الرقابة وبأنه يحترم قرارهم للقيام بذلك. وقد مضى بعضهم إلى أبعاد إستثنائية في ذلك. فقد عمل أحد طلاب الدكتوراه الأوروبيين، الذي طالب بعدم الكشف عن إسمه، في مصر منذ عام 2012، باحثاً في مجال علاقات العمل. في عام 2012، تم إستجوابه من قبل الأجهزة الأمنية، وأخبروه بأن “يبحث له عن بلد آخر.”

إذ ذهب الباحث الشاب في زيارة إلى مدينة صناعية، وإضطر للإختباء في المقعد الخلفي لسيارة مستأجرة عندما تجتاز السيارة حواجز الشرطة على الطريق إلى هناك. قال الباحث “لكن، كان من الصعب إجراء إتصالاتٍ ومعارف جدد، كان الناس خائفين جدا من الحديث.” كما عانى أيضا من “الجانب النفسي لكل ذلك – التوتر، والقلق، والشعور بأنك مجرم في حين أنك لست كذلك.”

وأضاف الباحث “كنت أتساءل في كل يوم إن كان الأمر يستحق ذلك. لكنك لن ترغب في المخاطرة بأن يتم إستبعادك من المكان الذي استثمرت فيه الكثير من الوقت والجهد، ومن الرقعة الجغرافية التي تتركز فيها جميع طموحاتك الأكاديمية.”

يبدو من الصعب قياس مدى الترهيب الذي يواجهه المختصون في الشرق الأوسط لأن الكثيرين منهم يفضلون عدم لفت الإنتباه إلى أي صعوباتٍ تواجههم. قال براون “عندما يقع أحد الباحثين في مأزق، يفكر أو تفكر بالشكل التالي: لو كان بإمكاني القيام بها بشكل مختلف، لو كنت قد قمت بذلك في بلد آخر، ألخ.”

يمكن للأكاديميين المحليين أن يواجهوا عواقب وخيمة أكثر إيلاماً بكثير إذا ما دخلوا في مواجهة مع السلطات. في أيار/مايو، تمت محاكمة عماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة، غيابياً جنباً إلى جنب مع الرئيس السابق مرسي بتهمة التجسس، وحكم عليه بالإعدام.

قالت ستناي شامي، المديرة العامة للمجلس العربي للعلوم الإجتماعية ببيروت، إن الباحثين العرب يجرون أبحاثهم على الدوام تقريبا في بلدانهم، ولذلك فإن التحديات التي تواجههم لا تتعلق عادة بمسألة اجتياز الحدود. وفي البلدان التي دمرتها الصراعات، مثل سوريا، أو العراق، أو ليبيا، هنالك القليل جدا من العمل الأكاديمي من أي نوع كان ليجري هناك. وفي البلدان الأخرى، بحسب شامي، التي تقدم منظمتها المنح البحثية للباحثين في جميع أنحاء المنطقة، بأنها لاحظت “الكثير من التوتر “القلق”…من جانب من حصلوا على منحنا. لأنهم لا يعرفون ما الذي سيتم اعتباره مثيراً للجدل، أو يمس السياسة.”

وأضافت شامي بأنه لطالما كان من الصعب الحصول على إذن لإجراء أنواع معينة من البحوث، لكن قد يكون ذلك بسبب كون “الحكومات أكثر وعياً وأكثر إهتماماً فيما يخص السيطرة على عمل الباحثين، بعد ثورات الربيع العربي.” موضحة أن وسائل التواصل الإجتماعي تهدد الإحتكار الرسمي طويل الأمد للمعلومات، مما يثير حفيظة السلطات، “الخوف من المعلومات الخاطئة في الأيادي الخطأ – حتى إذا لم يكونوا متأكدين من ماهية ما يمكن أن تكون عليه تلك المعلومات.”

لذا يتوجب على الباحثين الأجانب والباحثين المحليين على حد سواء أن يواصلوا مساعيهم البحثية في المنطقة في مواجهة القيود، والشكوك، والتأثيرات التي تقشعر لها الأبدان.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام