حوار مع ساري حنفي: واقع البحوث في العالم العربي

/ 06-02-2017

حوار مع ساري حنفي: واقع البحوث في العالم العربي

أمضى عالم الإجتماع ساري حنفي وفريقه السنوات الخمس الأخيرة في إنجاز أبحاث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث قاموا بإجراء مقابلات مع مئات الأكاديميين – من مختلف التخصصات – ممن يعملون في لبنان، والأردن، ومصر، وفلسطين والمغرب. وطرح فريق حنفي تساؤلات حول الطريقة التي يجري الأكاديميون أبحاثهم من خلالها والتحديات التي تواجههم.

على مدى سنوات عمل حنفي على إجراء تلك المقابلات، وقام بنشر النتائج التي توصل إليها في عدد من المجلات. (يمكنك العثور على بعض المراجع في نهاية الحوار).

في آب/ أغسطس، تم تكريم حنفي، رئيس قسم الإجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، على عمله وتم منحه جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب. تأسست الجائزة عام 1982 لتكريم الأبحاث التي تؤدي إلى زيادة الوعي بالبحث العلمي والثقافي في المنطقة. تحدث حنفي مع الفنار للإعلام عن واقع البحث العلمي في العالم العربي وكيف يتغير ذلك الأمر بسرعة.

هل وجدت بأن الباحثين في أجزاء مختلفة من المنطقة لديهم قواسم مشتركة كثيرة أم لا؟

هنالك الكثير من الأشياء المشتركة. على سبيل المثال، تأخذ العديد من الجامعات نتائج الأبحاث في نظر الإعتبار عند النظر في فرص الترقية بالنسبة للكادر التعليمي. لكن لا ينبغي أن يكون البحث مقتصراً على عدد الأبحاث المنشورة فحسب – على الجامعات أن تقوم بإجراء تحليل نوعي للجودة أيضاً. يتوجب علينا أن ننظر إلى كيفية إستقبال الجمهور للأبحاث وإذا ما كانت تسهم في خلق وعي حول قضية ما أو المجال محل الدراسة.

كما أننا بحاجة لأن نكون أفضل، كمجتمع أكاديمي، في الإشادة ببعضنا البعض. في حزيران/يونيو 2014، قمت بتنظيم تكريم لعالم الإجتماع اللبناني سمير خلف في الجامعة الأميركية في بيروت. عندما قمنا بإرسال الدعوات للأشخاص على قائمة بريدنا الإلكتروني، تلقينا سبع مكالمات هاتفية ورسائل عبر البريد الإلكتروني تسألنا عن تاريخ وفاة سمير، وأربعة رسائل إلكترونية أخرى تسألنا عن تاريخ إحالته على التقاعد. يشير هذا الحدث إلى عدم وجود تقليد في العالم العربي لتكريم الأشخاص وهم على قيد الحياة. كما يشير أيضاً إلى غياب “مجتمع علمي” يقدر مساهمات أعضاءه.

لاحظنا بأن التعاون الدولي قد إزداد في جميع أنحاء العالم العربي. لكن هذه الزيادة تعني بأن الباحثين العرب قد أصبحوا جزءاً من خطط البحوث خارج المنطقة. ولهذا فإن الكثير من هذه الأبحاث تهتم بالمشاكل الدولية بدلاً من المشاكل العربية. أرغب في رؤية المزيد من البحوث العكسية. كما إنني أرغب في رؤية شراكات يسودها جو من المساواة بشكلٍ أكبر. عندما بدأت هذا المشروع البحثي، أدركت بأن الشركاء من أوروبا عادة ما يكونون المؤلفين الرئيسيين، فيما يكون الشركاء العرب في العادة المؤلفين الثانويين. وفي بعض الأحيان تغيب الأسماء العربية من الخطوط الثانوية تماماً – ليصبحوا مجرد مشاركين عوضاً عن كونهم مؤلفين.

ما هو موقفك حيال الإضطراب الأخير بخصوص التصنيف العالمي للجامعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ هل يلهم ذلك الأكاديميين على الإنجاز أم أنها تعاقب الأبحاث على المدى الطويل؟

أنا سعيد للغاية لأن الفنار للإعلام تشكك في قيمة مثل هذه التصنيفات، إنها مهزلة حقيقية لأن معظم هذه التصنيفات عبارة عن أنشطة اقتصادية. حيث تحصل الجامعة على تقييم أعلى في التصنيف إذا ما لجأت لإستخدام الخدمات الإستشارية التي تعرضها وكالة التصنيف. هنالك الكثير من الأعمال المالية تجري وراء هذه الجداول والرسوم البيانية الجميلة التي يقومون بإنتاجها. يجب أن يتم الحكم على أية جامعة من خلال علاقتها مع محيطها. ينبغي علينا جميعاً ألا نقلق كثيرا بشأن التسلسل الهرمي للجامعات. نحن بحاجة للتركيز على جودة الأبحاث – وليس هنالك مقياس حقيقي لذلك.

ما الذي يمكن أن يسمح للباحثين العرب بأن يكونوا أكثر قدرة على التنافس مع نظراءهم الغربيين؟

من شأن إنفاق المزيد من الأموال على الترجمة أن يسمح للباحثين العرب بأن يكونوا أكثر حضوراً على الساحة الدولية.

حتى إذا ما تمت ترجمة المزيد من الأبحاث العربية، يخبرني مراقبون آخرون بأن الباحثين غير المنخرطين في تعاون دولي يكونون محدودي التفكير بشكل كبير.

الصلة المحلية للأبحاث لا تعني بالضرورة أن تكون محدود الفكر. على الباحثين أن ينظروا في المسألة ذات الصلة. عليهم أن يسألوا أنفسهم: كيف سيدرك المجتمع الدولي ذلك؟ لا ينبغي أن يتواجد الباحثون العرب داخل قوقعة. إذا ما كنت تعيش في داخل قوعقة فإنك ستعتقد بأنك مهم في حين أنك لا تؤثّر في النقاشات الأوسع. لا يمكنك أن تكون مهتماً بالجمهور المحلي فحسب.

إذن، ما هي الأشياء الرئيسية التي تعرقل البحوث في العالم العربي؟

يمكنني أن أقول بأن أهم عاملين هما الدولة والجماعات الأيديولوجية. هاتين هما القوتين اللتين تسعيان لإزالة شرعية العلوم الإجتماعية على وجه الخصوص. يعتبر غياب حرية التعبير مشكلة كبرى في العالم العربي. الرقابة الذاتية والرقابة الحكومية شائعة للغاية. أود أن أثني على الفنار للإعلام لتسليطها الضوء على زوال الأكاديميين على أيدي القوى السياسية. لدينا مشكلة حقيقية حيث لا يجرؤ الناس على الكلام والإنتقاد. لقد تم الزج بعلماء إجتماع مبدئيين في السجون، أو تم نفيهم أو إغتيالهم. وقد قيدت الحكومات في العديد من الدول العربية العلوم الإجتماعية بقوة. على سبيل المثال، من النادر في المنطقة العربية أن تسمع عن “ورقة بيضاء” يكتبها علماء الإجتماع بناءاً على طلب من السلطة العامة لتتمّ مناقشتها لاحقا في الوسط العام.

علاوة على ذلك، ينظر إلى العلوم الإجتماعية على أنها مناهضة للمؤسسة الدينية “الكهنوتية”. حيث يدرس الخطباء في العالم العربي الدين مع غياب تام للعلوم الإجتماعية. لذا فإنهم يرون علماء الإجتماع كمنافسين لهم للفت إنتباه الجمهور. لأن رجال الدين يريدون إحتكار الأخلاق في المجتمع.

ما هو الإتجاه الذي تمضي إليه البحوث العربية؟ هل الأمور تتحسن أم تزداد سوءاً؟

أعرف بأنني قلت بأنه يتوجب علينا التركيز على الكيف أكثر من الكم، لكن من حيث (كمية) البحوث المنشورة، فإن الأوضاع أفضل بكثير. المزيد والمزيد من البلدان تجري أبحاثاً رائعة بشكل أكبر. أما فيما يتعلق بجوانب خلق المعرفة، فإنني لا أعرف. أعتقد بأنه لا تزال لدينا مشكلة هناك، فليس هناك إتصال بين البحوث والصناعة. إذا ما أخذنا معدل النشر كمؤشر على حجم الأبحاث في العالم العربي، فإن هنالك تقدماً واضحاً. فقد ضاعفت تونس بحوثها المنشورة أربع مرات في أقل من عقد من الزمن – من 540 بحثاً عام 2000 إلى 2026 بحثاً عام 2008. كما شهد المغرب أيضا طفرة قوية جدا في مجال إنتاج البحوث. وأظهرت كلاً من الأردن ولبنان نتاجاً بحثياً قوي. فقد إستيقظت الأردن وأظهرت نمواً متواصلاً وسريعاً يفوق مستوى لبنان الآن. وأخيرا ينبغي للمرء أن يلاحظ النمو الهائل لدولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

مع ذلك، فإن العدد الإجمالي للمقالات العلمية منخفض نسبياً. ويقدر عدد المنشورات العلمية العربية بحدود 20000 ورقة بحثية سنوياً. وعلاوة على ذلك، فإن عدد المقالات المنشورة سنوياً لكل 100 باحث تتراوح من بحثين فقط في بعض الدول العربية إلى حوالي 100 بحث في دولة الكويت. لكن لا يزال هنالك مجال للتحسن.

* تم تحرير هذه المقابلة من قبل الفنار للإعلام بهدف الإيجاز والوضوح.

مراجع مختارة:

“التشابكات المعقدة: الإنتقال من السياسة إلى علم الإجتماع العام في العالم العربي“. مجلة علم الإجتماع الراهن Current Sociology.

“الأنظمة الجامعية في المشرق العربي: النشر على الصعيد العالمي والإختفاء محليا مقابل النشر المحلي والإختفاء عالميا” مجلة علم الإجتماع الراهن Current Sociology.

“الإنتاج السوسيولوجي الفلسطيني: التمويل والإعتبارات الوطنية” (كتاب – الفصل 21 من مقرر ISA  للتقاليد السوسيولوجية المتنوعة)

دراسة تجربة: الأشراك المعقّدة لسوسيولوجيا العموم في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. (باللغة العربية)




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام