اللغة الأمازيغية: اعتراف رسمي وتهميش علني

/ 12-01-2018

اللغة الأمازيغية: اعتراف رسمي وتهميش علني

بعد مرور عشر سنوات على البدء بتدريس الأمازيغية – لغة السكان البربر في المغرب – في المدارس، وأربع سنوات على الإعتراف بها دستورياً كلغة رسمية، تظل الكيفية التي يتم من خلالها دمجها في التعليم غير واضحة.

كان الإعتراف بالأمازيغية أمراً هاماً، وإعادة تعريف للهوية المغربية، بحسب بول سيلفرشتاين، عالم الأنثروبولوجيا في كلية ريد والذي قام بدراسة هذه القضية.

تعتبر الأمازيغية النسخة القياسية الموحدة من اللغات الأمازيغية. وينتشر ما يقرب من 25 إلى 30 مليون ناطق بالأمازيغية واللهجات البربرية الأخرى في جميع أنحاء دول شمال أفريقيا، من المحيط الأطلسي وصولاً إلى مصر. (انظر القصة ذات الصلة: صعوبات تواجه تدريس اللغة الأمازيغية رسمياً في الجزائر).

في المغرب، تحيط مجموعة من الأسئلة بموقع اللغة البربرية في المدارس. تساءل سيلفرشتاين “ما هي اللغة التي يجري تدريسها؟ ولمن؟ وما الغرض من وراء ذلك؟ وهل الأمر مجرد إلتفاتة معنوية؟”

يتحدث باللغات الأمازيغية (هناك ثلاثة فروقات إقليمية رئيسية) ما يقدّر بـ35-40 في المئة من مجموع سكان المغرب. لكن الخطاب السياسي في شمال أفريقيا، سواء أكان قومياً أم إسلامياً، ظل ولفترة طويلة من الزمن معادياً للغة الأمازيغية، وناظراً إليها على أنها تشكل تهديداً للحمة الوطنية. وعلى مدى عقود، كان منح الأطفال أسماء أمازيغية ممنوعاً في المغرب. وبهذا كان عدم الإعتراف باللغة المحكية في الأجزاء الداخلية الريفية الفقيرة من البلاد وسيلة تمييز فعالة أبقت البربر خارج نطاق المشاركة السياسية، والإجتماعية، والإقتصادية في المجتمع المغربي.

في عام 1994، جاء الملك الحسن الثاني بقراراتٍ لصالح تدريس الأمازيغية في المدارس، ويرجع ذلك جزئياً إلى إنفتاح سياسي أكبر وجزئيا كإستجابة لضغوط نشطاء حقوق الأمازيغ. في عام 2003، وضع إبنه، الملك محمد السادس ، المبادرة في إطار التنفيذ. وفي الدستور الجديد الذي ساهم في صياغته ” في عام 2011، تم الإعتراف بالأمازيغية بإعتبارها واحدة من اللغات الرسمية في المغرب. وتزين الكتابات الأمازيغية الآن واجهات معظم المباني العامة.

لكن عبد السلام خلافي، الباحث في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب IRCAM قال “ليست هناك سياسة لغوية حقيقية حتى الآن. هنالك تردد. العقليات لا تزال غير مستعدة لدمج الأمازيغية ومنحها الفرصة. هنالك تغير في الخطاب، لكن لم يطل هذا التغير الممارسة بعد.”

أنشأ الملك المعهد في عام 2003، وقد عمل الباحثون على إيجاد أبجدية موحدة لكتابة هذه اللغة التي تشتمل على العديد من اللهجات والتي تمّ تناقلها شفاهياً على مدى آلاف السنين. عمل خلافي على تطوير الأبجدية الجديدة والكتب المدرسية الجديدة لتعليم اللغة. وكان خلق أبجدية جديدة أمراً مثيراً للجدل بحد ذاته. فقد كانت الأمازيغية تاريخياً وعلى الأغلب تكتب بالحروف العربية أو الرومانية. الآن يتم تدريس الأمازيغية لما نسبته 12 في المئة فقط من الطلاب المغاربة. وبسبب هذا، فإن آلاف الأطفال الذين يتحدثون الأمازيغية كلغة أولى يخفقون في الدراسة، بحسب خلافي.

يعتقد خلافي وزملاؤه في المعهد الملكي بأنه يتوجب على الطلاب أن يبدأوا تعليمهم بلغتهم الأم – اللهجة المغربية من اللغة العربية أو أيا من اللهجات الأمازيغية التي يتحدثون بها – ومن ثمّ تعلم النسخة القياسية الموحدة. كما إنهم يطالبون بتوفير ست ساعات أسبوعياً لتدريس الأمازيغية في جميع مرافق التعليم الإبتدائي والثانوي.

يقول المعارضون لإدراج الأمازيغية في المنهج التعليمي إن ذلك يشوش المشهد اللغوي المعقد بالفعل، وبأنه ستتم خدمة الطلاب بشكلٍ أفضل من خلال تعلمهم للغاتٍ يمكن أن تفيدهم في الإقتصاد العالمي.

قال “ليست لغة التدريس هي العائق أمام الطلاب، بل التدريب الرديء للمعلمين.” مضيفاً “إن دمج الأمازيغية يعد مكسباً حتى بالنسبة للغات الأخرى، لأن الدراسات أظهرت بأن الطفل الذي يتم إستقباله في المدرسة بلغته الأم يتعلم اللغات الأخرى بشكل أسهل.”

اليوم، يتواجد خمسة آلاف من معلمي الأمازيغية الذين تم تدريبهم في المعهد الملكي على الساحة. فاطمة إبراهيمي، التي تقوم بتدريس الأمازيغية في إحدى مدارس العاصمة الرباط، واحدة من أولئك المعلمين. تم تدريب إبراهيمي لتعمل كمدرسة للغة العربية، لكن ولكونها ناطقة بالأمازيغية كلغة أم، فقد تطوعت لتتدرب من جديد على تعليم هذه اللغة.

طفلة من البربر( جوستين كليمنس، فليكر)

طفلة من البربر(جوستين كليمنس، فليكر)

قد تكون العربية والفرنسية واللغات الأجنبية الأخرى وسائل إنفتاح على المنطقة وبقية العالم، وتحمل مزايا مهنية، بحسب إبراهيمي. لكن أن تقوم بتدريس تلك اللغات لوحدها فهي “طريقة ماديّة في التفكير”، كما تعتقد حيث يتوجب على المغاربة تعلم الأمازيغية لأنها جزء من تراثهم. ثم أشارت إبراهيمي إلى صديق ناطق بالعربية جلس معها في أثناء المقابلة، وقالت “كلانا مواطنان مغربيان. لماذا يتم تدريس لغته في المدرسة وليست لغتي؟”

وبالنسبة للكثير من المتحدثين بالأمازيغية، فإن تدريس لغتهم مسألة عدالة إجتماعية. قال خلافي إن والدته وجدته تتحدثان الأمازيغية فقط. “لقد كانت نافذتهن الوحيدة على العالم، وطوال حياتهن لم يتمكن من مشاهدة التلفاز، أو الإستماع إلى الراديو، أو أن فهمهن عندما يذهبن إلى المستشفى.”

اليوم هنالك وسائل إعلام باللغة الأمازيغية. لكن لا تزال المحاكم، والمستشفيات، ومرافق الإدارة العامة الأخرى تعمل باللغة العربية حصرياً.

عندما كان خلافي طالباً في الجامعة، كان عليه أن يتناقش مع المشرف عليه ليتم السماح له بإجراء بحوث عن الحكايات الشعبية الأمازيغية. وتوجد أقسام للغة والثقافة الأمازيغية في جامعات فاس، ووجدة، والرباط، وأغادير، وقد تخرج من كلٍ منها آلاف الطلاب.

عبد الله بونفور، باحث في مركز الأبحاث البربرية، جزء من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية في باريس. ويعتبر المعهد الأقدم وواحداً من بين معاهد قليلة تركز على اللغة، وعلوم اللغة، والثقافة البربرية، وهو يتعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والبرامج في الجامعات المغربية.

يقترح بونفور التركيز على إدخال الأمازيغية على المستوى الجامعي أولاً. لقد واجه إدخال الأمازيغية فشلاً إلى حد كبير، كما كتب بونفور في رسالة وردتنا عبر البريد الإكتروني، نتيجة لمشاكل عامة يواجهها نظام التعليم المغربي ذو الأداء الضعيف، وضعف تدريب المعلمين، وخلق لغة أمازيغية قياسية لا تتوافق مع أية لغة محكية. قال “إن تعليم لغة ما قرار سياسي وليس تربوي.”

فيما كتب سالم شاكر، أحد زملاء بونفور، أن “لغة البربر تمثل إهتماماً علمياً لا نقاش عليه. فهي تمثل وضعاً مختبرياً حقيقياً: لغة بدون دولة، تم تهميشها على مدى الألفي سنة الأخيرة، وعلى إتصال دائم ووثيق مع اللغات الأخرى، وغنية جداً باللهجات لكنها متجانسة أيضاً على مساحة جغرافية واسعة، وتقدم العديد من الخصائص الأصيلة.”

إن قرار إدراج الأمازيغية في المناهج الدراسية مهم من الناحية الرمزية، بحسب سيلفر شتاين، لأنّ ذلك “إعتراف بأن كونك بربرياً ليس شيئاً يتوجب عليك أن تخفيه. لكن هنالك “فجوة بين القيمة الرمزية للأمازيغية والطريقة البراغماتية التي ستكون عليها الأمازيغية في الواقع مهمة وظيفياً بالنسبة للسكان.”. حتى النشطاء والمثقفين الأمازيغ لا يعملون ويكتبون عموماً بالأمازيغية. فوفقاً للمعهد الملكي، تمت كتابة 250 كتاباً فقط باللغة الأمازيغية.

يشك سيلفرشتاين في نجاح السياسة التعليمية الجديدة في وقف التناقص المستمر في أعداد الناطقين بالأمازيغية، لأن اللغة تتنافس مع الإنجليزية، والفرنسية، والعربية، وعندما يفكر الشباب حول ما سيحتاجون إليه في المستقبل، فإن الأمازيغية غالباً ما تحل ثانياً، بحسب سيلفرشتاين.

الهوية البربرية الآن معترف بها أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البلاد، لكن هذا الإعتراف من غير المرجح أن يوقف تراجع هذه اللغة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام