العراق: تراجع جودة التعليم في كليات الطب المرموقة

/ 03-02-2017

العراق: تراجع جودة التعليم في كليات الطب المرموقة

يشعر محمد حسن، الطبيب العراقي المقيم، بالقلق إزاء قدرته على الوفاء بقسم أبقراط. إذ يشعر حسن المتخرج حديثاً من قسم جراحة القلب والصدر في كلية طب كربلاء في العراق، والبالغ من العمر 27 عاماً، بالقلق حيال إمكانية إيذاء مرضاه عوضاً عن مساعدتهم.

قال حسن “لم يكن معظم الأساتذة قادرين على شرح الموضوعات بشكلٍ جيد. فقد قاد النقص في أعداد الأكاديميين الكلية لإستقدام أطباء عاملين وحتى أساتذة من كليات أخرى للتدريس. فقاموا بإعطاءنا فصولاً طويلة لنقرأها بأنفسنا. وكانت الإمتحانات مستمدة من الإنترنت.”

تكاد شكاوى حسن بأن أساتذة الطب العراقيين ليسوا المعلمين الأفضل أن تكون شائعة.

قبل عدة سنوات، كان خريجو كليات الطب العراقية يعتبرون من بين أفضل الأطباء في منطقة الشرق الأوسط. لكن اليوم، وبعد عام من صعود ميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وأكثر من عقد من الزمن على غزو الولايات المتحدة الأميركية، فإن كليات الطب الـ21 في البلاد تفتقر للأساتذة، والجثث الخاصة بدروس التشريح، والتجهيزات المختبرية وغيرها من الأساسيات.

قال ثروت سليمان الحيو، أستاذ الجراحة في كليّة الطب – جامعة بغداد، “إن أهم العقبات تتمثل في عدد أعضاء هيئة التدريس. لدينا نقص شديد في عدد أعضاء هيئة التدريس. والمشكلة الأخرى تتمثل في الدعم المالي، والذي كاد أن يكون منعدماً في العام الماضي. والوضع مماثل تماماً هذا العام أيضاً.”

نتيجة لذلك، يقول الطلاب إن العديد من برامج تدريس الطب العراقية تركز على الجانب النظري أكثر من جوانب الطب السريري أو الأبحاث. كما يتذمر الطلاب من أسلوب تدريس الأساتذة وكفاءتهم.

قال أحمد مفرج، الطبيب المتخرج من كلية الطب في الجامعة المستنصرية في عام 2013، “كانت المشكلة في المختبرات تتمثل في عدم وجود هيئة تدريس مهنية “محترفة”. معظم الأدوات لم تكن تستعمل وكانت الدروس في المختبر مثلها تماماً مثل أية محاضرات أخرى.”

وبهذا يعكس النمط التربوي  لتعليم الطب في العراق إنحيازه للجانب النظري.

في الإمتحانات، يتوقع الأساتذة من الطلاب أن يقوموا بإسترجاع خطوات تشخيص وعلاج الأمراض أو الإصابات بدلاً من إختبارهم حول كيفية إمكانية تطبيق تلك الخطوات بطريقة دراسات الحالة – وهو النهج الشائع في الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى. إذ لا يساعد الحفظ عن ظهر قلب، في النهاية، الطلاب في المواقف الحياتية الواقعية، بحسب أكاديميين.

قالت سارة العُبيدي، طالبة الطب العراقية سابقاً والباحثة الزائرة لدراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة يوتا الآن، “إن طريقة الإختبار ليست مفيدة. الأمر كله يتمحور حول إدارة التشخيص Diagnosis Management. إن نظام الإختبارات الأميركي والأسئلة متعددة الإختيارات M.C.Q. أفضل بكثير، ويمكن له أن يقيم المعرفة بطريقة شاملة.”

كما لا يتمكن طلاب الطب العراقيين من الحصول على الخبرة العملية لأنهم نادراً ما يتمكنون من الحصول على جثث للتشريح. يذكر أساتذة بأن التكاليف العالية للجثث هي السبب في عدم حصول الطلاب على فرصة تدريب عملي.

قالت تُقى جواد الجبوري، الطالبة في المرحلة الرابعة في كلية طب – جامعة ذي قار، “لدينا نماذج جثث من البلاستيك فقط. الجثث باهظة الثمن. حتى الهياكل العظمية عبارة عن نماذج بلاستيكية.”

كما أحبطت إعتراضات دينية أيضا الجهود الرامية لجلب الجثث إلى كليات الطب.

قال مفرج “كانت هناك الكثير من الجهود لجلب جثث جديدة، لكنها فشلت جميعاً بسبب الآراء الدينية التي تحرم تشريح الجثث.” مضيفاً أن جامعة بغداد تحتفظ بجثث تعود في تاريخها إلى سبعينيّات القرن الماضي، تستخدم لتوضيح ملامح التشريح البشري، من دون إستخدامها للتشريح.

أدت الإضطرابات السياسية لتفاقم المشكلة، لاسيما بعد إستيلاء متشددي تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من العراق في صيف العام الماضي.

طلاب طب في مختبر التشريح- جامعة كركوك (تصوير محمد حاتي)

طلاب طب في مختبر التشريح- جامعة كركوك (تصوير علي محمد حائط)

قال أوس الجمال، المتخرج حديثاً من كلية طب نينوى، في الموصل، “قبل أن أتخرج، قامت الكلية بجلب شاشات إلكترونية كبيرة بالحجم الطبيعي حيث يمكن القيام بالتشريح إلكترونياً. لقد حدث هذا تماماً قبل إجتياح عناصر الدولة الإسلامية للموصل.”

زاد إغلاق كلية الطب في الموصل – ثاني أكبر مدن العراق – بعد إجتياح ميليشيات تنظيم داعش للمنطقة العام الماضي الطين بلة، لاسيما بالنسبة للأطباء المهتمين بالحصول على تخصصات بعد إتمام شهادة الطب العام. حيث قام تنظيم الدولة الإسلامية بإغلاق ثاني أكبر كلية طب في البلاد، والتي كانت تلبي حاجة العراق من التخصصات الطبية.

كما تواجه المدن الأخرى صعوبات في الحصول على التخصصات الطبية. قال سيف الدين هاشم، طبيب أسنان من البصرة يرغب في الحصول على المزيد من التدريب في كلية الطب – جامعة البصرة، “لقد قام رئيس قسم أمراض اللثة بإستقدام أساتذة من الهند. لكنهم غادروا البلاد بعد ستة أشهر. نحن بحاجة لتخصيص المزيد من المقاعد في التخصصات الطبية.”

قد لا يتمكن هاشم بالضرورة من تحمل تكاليف التدريب في حال عثوره على البرنامج التدريبي الذي يحبه. قال هاشم “توفر نقابة أطباء أسنان العراق فرصة للحصول على تخصص بدوام جزئي للحصول على دبلوم تقني في مجال طب الأسنان التجميلي في أيام عطل نهاية الأسبوع فقط. يكلف ذلك 10.000 دولار أميركي.”

يضطر الطلاب المتحمسون والأذكياء الحاصلون على شهادة البكالوريوس في الطب أن يدخلوا في نظام إقامات دورية محطمة للمعنويات في نظام المستشفيات العراقية الفوضوي.

قالت هبة عبد الرحمن رشك، والتي درست في كلية طب الكندي في بغداد قبل أن تترك المهنة من فرط الاشمئزاز في عام 2013، “يمتلك الخريجون الجدد عقلية علمية، وهم على أهبة الإستعداد للتدريب، وتغمرهم أحلام مثالية حتى وقت مواجهتهم لواقع نظام الرعاية الصحية المروع.”

حصلت رشك مؤخراً على منحة برنامج فولبرايت للحصول على شهادة الماجستير في علم الأوبئة في الولايات المتحدة الأميركية. قالت رشك إن عنابر المستشفيات العراقية غالباً ما تكتظ بسبب المراجعين من أفراد الأسر بالإضافة إلى المرضى، والأطباء، والممرضين، وغيرهم من موظفين.

قالت الجبوري “تتألف حصص الدروس العملية من 12 طالب وطالبة في كل منها. ومع ذلك، ففي بعض الأحيان تكون العنابر صغيرة بحيث لا يمكن لها أن تستوعبنا جميعاً.”

نتيجة لذلك، غالباً ما يتزاحم الأطباء المقيمون مع الموظفين وأقارب المرضى في محاولتهم لإستيعاب وحضور الدروس التي يلقيها الأطباء. قال مفرج “في العراق، لا توجد مستشفيات تعليمية منظمة ومجهزة تجهيزاً جيداً. من الصعب جداً أن تقوم بتدريس 20 طالباً وطالبة في غرفة تضم 10 مرضى، و20 من أقاربهم في ظل غياب أجهزة تكييف الهواء.”

تؤدي ظروف الإكتظاظ إلى سوء الصحة العامة، وإنتشار العدوى، وغيرها من مضاعفات صحية من الممكن أن تؤدي لموت المرضى بسبب حالات كانت قبل عقود قليلة تتطلب إقامات قصيرة الأمد في المستشفى. نتيجة لذلك، وفضلاً عن توترات أخرى قد تنشأ عن الإختلافات السياسية أو الدينية، أصبحت الإعتداءات على الأطباء من قبل أفراد الأسر الغاضبة أو التي تشعر بالحزن لفقد أحد الأقرباء من الأمور الشائعة الآن.

ونتيجة لكل ذلك، فإن المرضى يعانون، بحسب رشك.

قالت “تتمثل الكارثة في جلب الأطباء بعد تخرجهم، بمعرفتهم النظرية فقط، وتركهم وحدهم في أقسام الطوارئ بعد إعطاءهم القليل من التعليمات. الجميع يلقون عبء العمل على آخرون، بدءاً من أطباء الإختصاص نزولاً لمن تحتهم.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام