لنتعلّم اللغة العربيّة من أجل عالمٍ أفضل

/ 28-09-2016

لنتعلّم اللغة العربيّة من أجل عالمٍ أفضل

* نُشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة الكرونيكل ويعاد نشرها هنا مترجمة بموجب اتفاق مع الصحيفة وبموافقة من المؤلف.

قبل أربعة وسبعين عاماً، نشر هنري لوس مقاله المعنون بإسم “القرن الأميركي”، والذي قال فيه إنّ الثقافة الأميركيّة من الممكن أن تلعب دور البطولة في خلق بيئة عالميّة تزدهر فيها الولايات المتّحدة الأميركيّة. كانت اللغة الأميركيّة من بين أبرز أمثلته على ذلك، ليست الإنجليزيّة فحسب، بل اللهجة الأميركيّة العاميّة التي ستنتقل إلى العالم من خلال الموسيقى، والأفلام، والكوميديا، والثقافة الشعبيّة. كان ذلك بالنسبة للوس علامة على العالميّة التي لم يعترف بها الأميركيّون أنفسهم حتّى ذلك الحين.

في يومنا هذا لا يشكّ سوى قلّة قليلة في قوّة وإمتداد الثقافة الأميركيّة عالمياً، أو في كون البلد قوّة دوليّة. إذ اتّبعت الكليّات منهجاً في طريقة التعليم حول العالم يختلف بشكلٍ كبير عمّا كانت تقوم به في عام 1941، وأخذت الدراسات الأميركيّة تسعى لتكون أكثر عالميّة في أفاقها العامّة. الآن الكثير من اللغات الأجنبيّة تدرّس مقارنة بما هو عليه الحال في زمن لوس، وأضحت الدراسة في الخارج بمثابة وسيلة عبور بالنسبة للعديد من الطلاب.

مع ذلك فإنّ زحفاً أحاديّ اللغة يكاد يهيمن على التعليم العالي، على الرغم من الجهود الحثيثة للكثيرين. والدلائل على ذلك كثيرة وفي كل مكان: جامعات كثيرة تغلق أقسام اللغة الألمانيّة، وتوقف برامج دراسة الروسيّة والفرنسيّة، ومتطلبات اللغات الأجنبيّة العامّة في تقهقرٍ مستمر. بصورة عامةّ، تراجع معدّل التسجيل في كليّات اللغات بواقع 6.7 بالمئة في الفترة بين 2009 و2013، بحسب رابطة اللغات الحديثة. فعلى الرغم من نمو ظاهرة الدراسة في الخارج، إلاّ أنّ سهولة دراسة طلاب الكليّات لفروعهم باللغة الإنجليزيّة تتزايد في بلدان مثل الأردن، وجمهوريّة التشيك، وفرنسا، وتركيا. يساهم الشعور المتزايد بأنّ الإنجليزيّة قد اصبحت لغة عالميّة مشتركة في تنامي شعور مؤسف بأنّ تعلّم لغات أخرى أمراً لا طائل من وراءه.

تعدّ اللغة العربيّة واحدة من اللغات التي تعاني من جراء هذا المناخ، بسبب صعوبتها ومعارضة العديد من برامج تعليم اللغات تبنّي أشكالها العاميّة المحكيّة. فعلى الرغم من كونها لغة الدراسة الأسرع نموّا منذ عام 2001، إلا أنّ معدل التسجيل هبط بنسبة 7.5 بالمئة بين عامي 2009 و2013. ومع التركيز العسكري والسياسي الهائلين على الشرق الأوسط، يصبح  من الضروري أن يتعلّم الأميركيّون العربيّة. فإذا ما كانت الولايات المتّحدة تحاول الفهم عوضاً عن القصف والغزو واحتلال جزءا من العالم والذي كان هاجس حكومتنا الرئيسي لما يقرب من العقد والنصف من الزمن، فإنّ الكليات تحتاج بصورة متزايدة لتدريس اللغة العربيّة بطريقة تنبض بالحياة. لم يحظ التعليم العالي من قبل بدورٍ حيويّ ليلعبه في تحقيق السلام مثلما هو عليه اليوم.

تعتبر اللغة العربيّة اللغة الخامسة الأكثر شيوعا في العالم، مع ما لا يقل عن 295 مليون شخص من الناطقين بها كلغة أمّ. وهي لغة محكيّة في 60 بلدا، وهو الرقم الثاني بعد الإنجليزيّة فقط. وهذا يعني وجود وظائف هناك لمن يتحدّثون العربيّة بطلاقة، وطيف واسع من الفرص في القطاعين العام والخاص، ويتضمّن ذلك آفاقا ما كنّا لنتصوّرها. لكنّ هذا ليس هو السبب الوحيد – أو حتّى الرئيسي – لدعم دراسة اللغة العربيّة.

إن دراسة اللغة العربيّة أمر جيّد أخلاقيّا ومسألة تهمّ مصالحنا القوميّة. حيث أنّ إعداد جيل جديد يفهم ويتحاور بالعربيّة قد يساعد في عكس سوء فهم الجيل السابق للعالم العربي، خصوصا مع إستمرار جرائم الكراهيّة ضدّ المسلمين، والقلق حيال سوء الفهم المتعلّق بالعالم العربي.

أنا أدعم تعلّم وتعليم جميع لغات العالم، وأدير برنامجاً يطلب من الطلاب المتخصّصين لدينا تخصيص ثلاث سنوات على الأقل لدراسة واحدة من لغات الشرق الأوسط الأربع: العربيّة، والعبريّة، والفارسيّة، والتركيّة. لكنّني أركّز على أهميّة اللغة العربيّة هنا لأنّها اللغة الأكثر إستخداماً في المنطقة – فهي اللغة الرسميّة أو الرسميّة المشتركة في 24 بلد – ويبدو أنّ الإقبال الكبير على دراستها في كليّات الولايات المتّحدة يتماشى مع شعبيّتها وأهميّتها في العالم.

كما أنّها واحدة من أصعب اللغات أيضا، مع العديد من اللهجات الوطنيّة بالإضافة للمستوى الرسمي منها والذي يمتاز بالتعقيد والثراء النحوي. يكمن جزء ممّا يعيق دراسة اللغة العربيّة في الولايات المتّحدة في معارضة تبنّي العلاقة بين هذه الأشكال المتنوّعة.

تصنّف اللغة العربيّة ضمن الفئة الرابعة من اللغات من قبل وزارة الخارجيّة (مع لغة الماندرين “الصينيّة”، واليابانيّة، والكوريّة)، وهو مستوى اللغات الأكثر صعوبة. ويشير هذا في الغالب إلى تعقيد قواعد اللغة العربيّة الفصحى. لذا تتطلّب دراسة اللغة العربية أربع سنوات في الكلية، فيما تحتاج سنين أطول لتحقيق مهارة ما في اللغة العربيّة الفصحى أكثر مما تحتاجه مع اللغة الفرنسيّة أو الإسبانيّة. ويتطلّب ذلك تفاني ومثابرة الطلاب الأميركيّين من أجل إحراز تقدّم.

علاوة على ذلك، فإنّ تعلّم اللغة العربية الفصحى الرسميّة لا يساعد طلبة الكليّات من الأميركيّين في تحدّث اللهجات المحلية إلاّ قليلا، لأنّ كلاّ منها يمتاز بصيغ عاميّة متميّزة عن غيرها نسبيّا. فكّر في الفروقات بين اللغتين البرتغاليّة والإيطاليّة، أو الإسبانيّة والفرنسيّة، وسيكون لديك فهم مقارب للفوارق بين العربيّة المغربيّة واللبنانيّة، أو المصريّة والعراقيّة. لا أحد في العالم العربي يتحدّث العربيّة الفصحى المعاصرة في حياته اليوميّة، على الرغم من أنّ الصيغة الرسميّة تستعمل في المطبوعات، والأدب، والأبحاث، وبصيغة معدّلة في وسائل الإعلام.

قد تكون إحدى طرق التغلّب على هذا التحدّي في إعطاء اللهجات وقتا أكثر في الفصول الدراسيّة، حيث أنّها أسهل نسبيّا في التعلّم من العربيّة الفصحى المعاصرة، وأن تضعها في قلب التدريس في الكليّة. في الكليّات التي تقدّم برامج لدراسة العربيّة، يتم تعليم اللهجات بصورة عامّة في دورات إضافيّة، وبشكلٍ هامشي إلى جانب اللغة الرسميّة. فيما تقوم برامج قليلة في الولايات المتّحدة الأميركيّة بما يزيد عن تقديم حصص متباعدة، أو أكثر من لهجة واحدة (غالبا المصريّة، وأحيانا الشاميّة).

يجب أن يتغيّر هذا، وهناك إشارات على إمكانيّة حصول التغيير.

أعاد برنامج تدريس اللغة العربيّة الرائد في جامعة تكساس في أوستن النظر في الفصل بين العربيّة الرسميّة والعاميّة، ويقوم الآن بدمجهما معا بشكلٍ أكثر تكاملا. فيما تضع الطبعة الثالثة الجديدة من الكتاب المنهجي “الكتاب” الشائع الإستعمال والذي تطبعه جامعة جورج تاون اللهجات المتنوّعة في محور الدراسة.

عندما يتبنّى المدرّسون الأميركيّون فهما كاملا بأنّ اللغة العربيّة لغة حيّة، وبأنّنا نحتاج لأن نتحاور بها، قد نبدأ في التحرّك لتجاوز الحوار الأحادي الجانب لمنطق القرن الأميركي المتضمّن في مقال هنري لوس. فبعد القرن الأميركي، سيساعدنا الجيل الجديد من طلاب الكليّات – والمواطنين بطبيعة الحال – لأن نصغي وننخرط بحماس مع جزء كبير من العالم في المستقبل.

* بريان ت. إدواردز أستاذ مساعد لللغة الإنجليزيّة ودراسات الأدب المقارن، والرئيس المؤسّس لبرنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة نورث وسترن. سيصدر كتابه الأحدث “ما بعد القرن الأميركي: نهايات ثقافة الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط” عن مطبعة جامعة كولومبيا في الخريف المقبل.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام