طالبة فلسطينية وتجربة التعليم الليبرالي

/ 03-02-2017

طالبة فلسطينية وتجربة التعليم الليبرالي

برلين- مازلت أتذكر محاضرتي الأولى في أول يوم لي في الجامعة.

سألني الأستاذ الفرنسي، النحيف ذو القامة الطويلة والذي كان يدخن بصورة مستمرة نوعاً من السجائر المنتشرة، “هل الله موجود؟؟”

فأجبته بدون تفكير “نعم. وهل يوجد من لا يؤمن بالله؟”

قال الأستاذ “أنا. أنا علماني.”

لم أكن أعرف معنى كلمة “العلمانية” من قبل. بعد بحثي عن معناها في قاموس اللغة الإنجليزية، بقيت صامتة طوال المحاضرة. كان إيماني لا يزال قوياً. لم يغير الأستاذ ذلك. لكن لم يكن لدي المعرفة والمهارات اللازمة لمناقشته.

منذ ذلك اليوم، بدأت باستجواب إيماني، وأفكاري وعاداتي. بدأت بالبحث عميقاً في كيف عشت حياتي، والتي في الغالب لم أختارها بملء إرادتي. بدأت باستجواب كل شيء. بدأت مع “من أنا؟” و”لماذا  أنا هنا؟”

كانت مدرستي، كلية القدس بار، ترفع شعار “مكان للتفكير”. وكانت ترتقي فعلاً لهدفها. لكن الأمر استغرق نحو أربعة أشهر لأدرك أنني أنتقل لنوع مختلف من التعليم هو “التعليم الليبرالي”.

لم أستطع التوقف عن التفكير في الموضوعات التي تواجهني في دراستي.

كانت المقررات الأساسية المطلوبة مني محفزة للتفكير بقوة. درسنا الكلاسيكيين كسقراط وأفلاطون والمنظرين الاجتماعيين ككارل ماركس وماكس فيبر. وكتّاب كفرانز كافكا وجون ميلتون. وأيضاً فلاسفة كسورين كيركيغارد وفريدريش نيتشه. من الصعب تصنيف المفكرين الآخرين لكن قرائتهم كانت رائعة كسيغموند فرويد، ناقشنا أفكارهم ووجهات النظر الدينية والنظريات الاقتصادية.

وكان الوحي هو محور دراستنا في عامنا الأول. في المحاضرات، ناقشنا قصة آدم وحواء مع المهمة المعتادة حول معرفة المسؤول عن إخراج أول الناس من الجنة.  كنت قد تعلمت القصة منذ صغري في رياض الأطفال، كمسلمة تعلمت أن ألوم ومن ثم أسامح آدم وحواء بحسب القصة الواردة في القرأن. لم أكن أتصور وجود وجهات نظر أخرى حول “من نلوم” حتى تعلمت القصة من وجهة نظر الآخرين.

في البداية، رفضت الاعتراف بوجهات نظرهم. لكن قبل أن أتمكن من التعبير عن أرائي بفعالية في المناقشات، اضطررت إلى قبول النقاش والبحث عن أدلة حتى أتمكن من الرد على آراء الطلاب الآخرين. لذلك درست، وفكرت في أراء الجميع بشكل منفصل ثم حاولت بناء أسباب منطقية لدعم وجهة نظري.

قرأنا القرأن والانجيل خلال الفصل. قبل ذلك، لم أكن أعرف أي شئ عن الديانات الأخرى. كما عرفت أنني لا أعرف ما يكفي عن ديني. اعتدت أن أعرف أن علي أن أصلي وأصوم وأن أكون إنسانة جيدة. إلا أنه ضمن 12 طالب مسلم في الفصل، كان هناك طالبة واحدة ملحدة (مسيحية سابقا)، كانت تسأل عن كل شئ يتعلق بالدين. كانت تفند الإسلام والمسيحية، وتعبر دائماً عن أفكارها الإلحادية. عزمت على التعلم بشكل كاف لأتمكن من الاستمرار في النقاش معها.

علمتني دروس الإعلام والصحافة عدم قبول كل شيء بشكل أعمى. علمني أساتذتي كيفي أفسر الأخبار والصور والأفلام والأحداث. علموني أن الحقيقة يمكن أن تتغير ويمكن أن يتم خداع الجميع. البحث عن المدلول، وليس فقط الدلالة، هو الدرس الذي ما زلت أتعلمه.

تم تأكيد ذلك خلال فصل الدراسات الفلسطينية، حيث تمت مناقشة السياسات الفلسطينية. حصل طالب أميركي، لطالما أزعجني أنا والطلاب الفلسطينيين الآخرين باعتباره “غير فلسطيني ولا يعرف شيء عن السياسة والتاريخ”، على درجة  “A” في الفصل فقط لكونه يعرف كيف يفكر بشكل نقدي وويستخدم البراهين. قال الأستاذ “تعلم كيفية تفسير كل شيء، والتفكير المنطقي منذ الصف الأول.”

أزعجتني التجربة. هل حقا تعلمت شيئاً قبل دخول الكلية؟ أو هل كان يتم تلقيني في المدرسة الثانوية في فلسطين ماذا أفكر وليس كيف أفكر؟ لكنني أيضا أدركت أنني اذا تبنيت التفكير النقدي، يمكن أن أتعلم وأسال عن كل شيء.

وهكذا كان. بدأت البحث عن إجابات لفتح طريق جديد لحياتي الفكرية عبر قراءة ومشاهدة كل ما يقع تحت يدي. لأنني في المستقبل أريد أن أختار أفكاري ومعتقداتي. أريد أن أكون قادرة على الإجابة على كل سؤال عن نفسي وأفكاري. لا أريد أن أكون ضحلة التفكير. أريد أن انتبه لنفسي عندما أفكر بشكل سطحي.

تعلمت أن التعليم لا نهاية له. كل يوم هناك شيء جديد لمعرفته. كل شيء له معاني متعددة لا ينبغي لنا أن نغفل عنها وإلا فإننا سنقع فريسة سهلة للجهل.

تجربتي في برلين، حيث أدرس، جعلتني أدرك مدى تعلقي بدراستي الليبرالية. أنا أعيش في ثقافة مختلفة تماما عن ثقافتي، الآن أستطيع التحدث بسهولة مع الآخرين حول الإسلام والسياسة، والحجاب، والصلاة، والصيام، وغيرها من المواضيع.

في هذه المحادثات، تعلمت أنه من الضروري جداً أن تكون معقولاً لا مقنعاً. إذا ركزت فقط على محاولة كسب تأييد الناس لوجهة نظري، فلن أتمكن من خوض الكثير من النقاشات.

بطبيعة الحال، لا حاجة لي للحديث عن الدين، فهناك الكثير من الأشياء الأخرى التي تستحق النقاش أيضاً.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام