تراث العراق يتبدد أمام أعين أبنائه

/ 13-03-2017

تراث العراق يتبدد أمام أعين أبنائه

أجبر مسلّحو تنظيم الدولة الإسلاميّة، مايعرف إعلامياً باسم داعش، علماء الآثار على ترك مناصبهم، وقاموا بمهاجمة مواقع تاريخيّة لا تقدّر بثمن، إضافة إلى ممارستهم لتجارة غير مشروعة بالآثار مما يساعد في تمويل عملياتهم كما يعتقد الخبراء.

لا يزال مصير التراث الثقافي العراقي غير واضحاً حتى الآن، خاصة وأن قدرات المسؤولين والخبراء محدودة حتّى فيما يخصّ تقييم الأضرار.

قال جُنيد عامر حميد جاسم، عالم آثار عراقي يعمل في المتحف الوطني العراقي في بغداد، “هنالك خطّة ممنهجة ومدروسة جيّداً لتدمير بلاد ما بين النهرين، مهد الحضارات.” مضيفاً “تشكّل الظروف الحاليّة وإستحالة الوصول إلى تلك المواقع التحدّي الأكبر الذي يواجهنا الآن.”

تصاعدت المخاوف حيال التراث العراقي عقب سلسلة من الإعتداءات التي تلت إحتلال داعش لمدينة الموصل في الصيف الماضي. فبعد أسبوع من إحتلال المدينة في حزيران/ يونيو، تمّ منع الفريق العامل في متحف الموصل من العمل، وفقاً لعامر الجُميلي، عالم الآثارعراقي والأستاذ في جامعة الموصل والذي تمكّن من مغادرة المدينة إلى بغداد.

بعد ذلك، أظهر شريط فيديو تمّ نشره على شبكة الإنترنت مسلّحي تنظيم الدولة الإسلاميّة وهم يحطّمون القطع الأثريّة في المتحف، والتي زعموا بأنّها كانت رموزاً لعبادة الأوثان. لم يُظهر شريط الفيديو صوراً من القاعة الآشوريّة في المتحف، ممّا يثير مخاوف علماء الآثار العراقيّين في أن تكون تلك القطع قد تمّ نهبها هي الأخرى.

من بين 173 قطعة أثريّة في المتحف – تضمّ منحوتات بارزة وبوّابات ومذابح كنسيّة – 169 قطعة أصليّة و4 نسخ فقط، وفقاً لعالم آثار عراقي في الموصل طلب عدم ذكر اسمه حفاظاً على سلامته. قال “إنّها خسارة كبيرة،” مُشيراً إلى أنّ جميع الأنشطة الآثاريّة متوقّفة الآن في المدينة، “من المستحيل العمل أو فعل أيّ شيء في مثل هذه الظروف.”

من متحف الموصل (تصوير برناديت حنّا متّي)

من متحف الموصل (تصوير برناديت حنّا متّي)

أقيمت العديد من المظاهرات للإحتجاج على الهجوم الذي طال المتحف والإعتداءات الأوسع على الإرث الثقافي العراقي في الجامعات هذا الشهر، بما في ذلك جامعة بغداد وجامعة القادسيّة، وكلاهما تقعان في الأجزاء الجنوبيّة من البلاد التي تقع خارج سيطرة داعش.

قال جعفر الجوذري، طالب دراسات دكتوراه عراقي في جامعة دورهام في المملكة المتّحدة، والمطّلع على تلك المظاهرات، “ليس لذلك أيّ تأثير. نحن نقوم بتظاهرة أو مسيرة في الجنوب، إلاّ أنّنا نعجز عن حماية تراثنا في الشمال.”

بالإضافة إلى الهجوم على متحف الموصل، فقد فجّر المسلّحون قبر شخصيّة دينيّة تُعرف لدى المسلمين بإسم النبي يونس ولدى المسيحيّين بإسم النبي يونان بحسب ما أظهر شريط فيديو تمّ بثّه على الإنترنت الصيف الماضي. وبحسب جاسم فقد قاموا بتدمير الكنائس، والأديرة، والجوامع، والمكتبات والمتاحف. هذا الشهر، قاموا بمهاجمة مواقع أثريّة تشمل النمرود والحضر، والموقع الأخير مسجّل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1985.

تبقى درجة الدمار مجهولة، لأنّه لا يمكن للمسؤولين وعلماء الآثار الوصول إلى المواقع ما دامت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة. مع ذلك، تبقى أي درجة من التخريب غير مقبولة وبمثابة فاجعة، كما قالت لمياء الكيلاني، عالمة الآثار العراقيّة والباحثة الفخريّة المشاركة في معهد الآثار في لندن. أنا أحبّ تلك القطع، هنالك الكثير من الألفة مع تلك التحف، لأنّك تعرفها، وتعرف تاريخها، وتعرف الكيفيّة التي تمّ العثور بها عليها، وبالتأكيد أهمّيتها. لذا، فإنّ الأمر صعبٌ للغاية.”

بالإضافة إلى أهمّيته في مجال الأبحاث، فإنّ بإمكان التراث الثقافي أن يوحّد الشعب استناداً إلى التاريخ المشترك. كما تمتلك المواقع الأثريّة قيمة تثقيفيّة للمجتمعات المحليّة، ومن الممكن أن يكون لها دور حيوي في مجال صناعة السياحة في البلاد إذا ما تعافت في النهاية، وفقاً لخبراء وعلماء آثار.

فعلى سبيل المثال، كانت مدينة نمرود – التي يبلغ عمرها ثلاثة آلاف عام-  موطناً لقصورٍ مهيبة تليق بعاصمة لإمبراطوريّة عظيمة. وبينما تمّ نقل العديد من اللُقى الأثريّة من الموقع إلى المتاحف في أرجاء العالم بعد أن بدأ عالم الآثار الإنجليزي أوستن هنري لايارد التنقيب هناك في أربعينيّات القرن التاسع عشر، إلاّ أنّ الموقع لا يزال يضمّ منحوتات بارزة مهمّة تصوّر الملك والبلاط الملكي القديم، لتكون نافذة لنا على التاريخ، بحسب الكيلاني.

أمّا الحضر، فتضمّ مبانٍ حجريّة مترامية الأطراف على بعد 70 ميلاً من مدينة الموصل. إنّها مميّزة لأنّها كانت يوما ما بوتقة إنصهار ثقافي حيث كان سكّانها العرب يتكلّمون الآراميّة ويرتدون الملابس الفارسيّة، بحسب الكيلاني. كما أنّه لم تتمّ دراستها بشكلٍ جيّد لأنّ التنقيبات فيها بدأت حديثا، في خمسينيّات القرن الماضي.

ومن أجل تقيّيم حجم الأضرار، يعتمد الخبراء على صور الأقمار الصناعيّة، وصور التدمير التي تظهر على الإنترنت وتقارير عبر الهاتف من مصادر محلّية.

قال أكسيل بلاث، مدير مكتب اليونسكو في العراق، إن التحليل الأوّلي لصور الأقمار الصناعيّة يظهر بأنّ النمرود والحضر لم يتمّ تجريفهما بالكامل. “لا يزال في إمكاننا رؤية مبانٍ، هياكل مميّزة، للمباني التي كانت هناك. لكن في الإمكان أيضا رؤية جرّافات وآلات تقنيّة أخرى في المواقع،” والتي يمكن أن تكون قد أستعملت في إجراء تنقيبات غير قانونيّة أو لتدمير الآثار.

من متحف الموصل (تصوير برناديت حنّا متّي)

من متحف الموصل (تصوير برناديت حنّا متّي)

على أيّة حال، فإنّ في إمكان الصور الجويّة أن تظهر الكثير بالنسبة للمباني على سطح الأرض فقط. قال عبد الأمير الحمداني، عالم آثار عراقي وطالب دكتوراه في جامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك، “لا يمكننا تقيّيم الأضرار، حتّى الصور الجويّة غير ذات فائدة لأنّها لن تظهر لنا أبداً ما حصل للتماثيل والمنحوتات البارزة في النمرود – كلخو القديمة – والحضر.”

وبعيداً عن حجم الأضرار التي يمكن أن تكون قد حصلت، فإنّ التاريخ لن يُمحى أبداً بتدمير الموقع. حيث يقول علماء آثار بأنّ الموقع موثّق بشكلٍ جيّد وبأنّه في الإمكان ترميم الآثار.

لكنّ أحد الشكوك الكبرى، مع ذلك، تتعلّق فيما يمكن أن يحصل للآثار المنهوبة، والتي يصعب في العادة إسترجاعها.

على الأقل رمزيّاً، يحاول البعض إحتواء الموقف.

ففي بغداد، أُعيد إفتتاح المتحف الوطني العراقي في أواخر الشهر الماضي وقُبيل الموعد المحدّد، “كردٍ سريع على ما حصل في متحف الموصل،” بحسب جاسم. تعرّض متحف بغداد للنهب عام 2003 عقب الغزو الذي قادته الولايات المتّحدة الأميركيّة وتمّ غلقه لما يزيد عن عقدٍ من الزمن. لقد تمّ تدريب أفراد الأمن الآن ونصب كاميرات مراقبة من أجل حماية أفضل للمتحف.

قال جاسم “إنّ أهم شيء الآن هو رفع الوعي الثقافي النهريني لاسيّما بين الأطفال وطلاّب المدارس والمعاهد والجامعات.” إذ  من الممكن أن يساعد ذلك في منع إعتداءات مستقبليّة قد تطال آثار الأمّة.

لكنّ المنطقة تواجه معركة أوسع ضدّ التدمير. فقد دمّرت الحرب والنهب والهجمات ذات الأهداف المحدّدة التراث الثقافي في سوريا، بينما أدّت فترة عدم الإستقرار السياسي في مصر والتي بدأت قبل أربعة أعوام إلى إرتفاع حاد في نهب الآثار.

تباطأت أعمال النهب في مصر مؤخّراً. لقد أفاق الشعب على المشكلة بعد أن تمّ نهب متحف ملوي الوطني عام 2013، بحسب سليمة إكرام، أستاذ المصريّات في الجامعة الأميركيّة في القاهرة. لكنّ الحاجة لعقوبات أقصى فيما يخصّ سرقة الآثار والإتّجار بها، وتقليص الطلب على الآثار، لا تزال قائمة من أجل المساعدة في القضاء على المشكلة. قالت “إذا لم يكن هناك طلب، فلن يكون هناك داعٍ للتحضير.”

تشكّ إكرام في أنّ الأوضاع ستتحسّن قريباً لاسيّما في العراق وسوريا. “قالت ستستمر هذه الشعوب في إراقة الدماء وتمزيق بلادها، وسيرافق ذلك تمزيق تاريخها، والتاريخ والتراث العالميّين.”

* كتبت سارة لينش من القاهرة وجلجامش نبيل من إسطنبول.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام