الفصول الدراسية العربية تتجاهل الكثير من الوقائع التاريخية

/ 18-03-2015

الفصول الدراسية العربية تتجاهل الكثير من الوقائع التاريخية

بيروت– لم تتغير كتب التاريخ المدرسية في لبنان منذ خمسينات القرن الماضي. إذ تستمر الفرق السياسية في الجدال حول من يمتلك الحق في كتابة تاريخ البلاد بعد الاستقلال من الاحتلال الفرنسي.

مع الوقت، تحولت بعض الملاجئ القديمة من زمن الحرب الأهلية إلى نواد ليلية. مع ذلك، يبدو أن جراح الحرب لم تلتئم بعد بشكل كاف للسماح بكتابة قصة الصراع في كتب البلاد المدرسية.

في جميع أنحاء العالم العربي، يبدو التاريخ كشوكة غير مرغوب بها في خاصرة الحكومات. إذ قالت جودي بارسلو، الرئيس السابق لمؤسسة الحبري El-Hibri Foundation في واشنطن والباحثة في التاريخ والعلوم السياسية، “هناك أسباب عديدة لرغبة الحكومات بعدم التمعن في الماضي.”

في مصر، البلاد التي تعتز كثيراً بماضيها البعيد، حاول كل نظام جديد محو آثار النظام الذي سبقه. ازداد هذا التوجه بعد  ثورة يناير عام 2011، حيث احتل موضوع تدريس الخلافة الإسلامية حيزاً كبيراً من النقاش لفترة طويلة. ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسى منصبه العام الماضي كانت هناك محاولات لإزالة هذا الموضوع، بحسب بارسلو.

بدورها، تبدو دول الخليج متشددة حيال تدريس تاريخ الديمقراطية في بلدان أخرى، كما تعتقد بارسلو. قالت “يريدون أن يتمتع مواطنوهم بسلوك حسن وهم مصممون على تعليم المواطنة لكن من دون غرس القيم الديمقراطية.”

في العام الماضي، اندلع جدل كبير في الأردن بعد حذف وزارة التربية والتعليم لدرس في كتاب اللغة العربية حول طيار أردني قُتل خلال حرب 1967 مع إسرائيل. إذ قال كثيرون إن الحذف جاء استجابة لمتطلبات اتفاقية السلام مع إسرائيل. لكن الوزارة نفت الاتهامات موضحة أن الحذف جاء ضمن عملية تحديث المناهج  الدراسية.

في لبنان، لا يتعلم الطلاب تقريباً أي شئ عن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 واستمرت 15 عاماً. قالت فايدة مهنا، والتي تدرس التاريخ في الكوليج البروتستانت الفرنسية في بيروت، “يتضمن المنهاج تاريخ لبنان خلال الحربين العالميتين والأحداث التي سبقتهما حتى تاريخ استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1943.”

لم تتمكن الحكومة منذ توقف الحرب من تمرير مشروع قانون من شأنه السماح بتدريس نسخة محدثة من التاريخ في الصفوف الدراسية. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإصلاح التعليم، فإن الانقسامات السياسية منعت دائماً محاولات إيجاد منهاج أكثر حيادية لمادة التاريح للفصول الدراسية. يحاول بعض خبراء التعليم الالتفاف على البرلمان. قالت مها شعيب، مديرة مركز الدراسات اللبنانية، “نريد تسليم النقاش إلى المعلمين، لا علاقة للسياسيين بالتاريخ. ينبغي أن لا يتدخلوا.”

في المقابل، يقول بعض صناع القرار إن عدم تحديث المنهاج يسمح للبنان بالتعافي والنمو بصورة قوية تكفي لمواجهة تاريخه الحديث دون الخوف من اشتعال الصراع مجدداً.

مع ذلك، يبدو الحديث عن ضرورة عدم نبش الماضي حجة ضعيفة وفقاً لبارسلو التي قالت “الصمت ليس أبداً المسار الصحيح للعمل، وكذلك التلاعب في الذاكرة التاريخية.”

توافق شعيب على أن تجاهل المشكلة يزيد الأمور سوءاً. قالت “شبح الحرب الأهلية حاضر دائماً، لذلك فإن تدريس التاريخ مهم للغاية وأي محاولة لتسييس ذلك هو ظلم للناس.”

وفقاُ لبارسلو، فإن إصلاح أنظمة المدارس غالباً ما يأتي في آخر أولويات الإصلاح بعد انتهاء الظلم الاجتماعي أو الصراع. قالت “إنهم يتمسكون بالماضي الذي يجب أن يكون الجميع قادراً على تجاوزه. بعد كل شيء، استمر الفصل بين الطلاب السود والبيض في جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري.”

على المستوى الجامعي في لبنان، لايوجد منهج تاريخ مفروض من قبل الحكومة على الجامعات مما يعني أن تدريس الحرب الأهلية هو أمر ممكن في حالة غير عادية. قالت شعيب “لا يتم ذلك إلا بمبادرة شخصية من قبل الأستاذ.”

يوافق عدنان الأمين، أستاذ سياسة التعليم المتقاعد من الجامعة الأميركية في بيروت وأحد مؤسسي الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، مع شعيب. قال “من النادر تدريس الحرب الأهلية في الجامعة، لأن المسؤولين عن اختيار المناهج عادة ما يكونوا محافظين.”

من جهة أخرى، يخشى بعض رؤساء الجامعات من حدوث انقسامات في صفوف الطلاب نتيجة تدريس الحرب الأهلية، بحسب الأمين الذي يعتقد أنها مخاوف لا أساس لها.

تدرس ياسمين دبوس، صحافية وأستاذة في الجامعة اللبنانية الأميركية موضوعاً في تاريخ وسائل الإعلام اللبنانية خلال الحرب الأهلية. لايستهدف الموضوع دراسة التاريخ بحد ذاته ولكن دراسة كيف شهد الصحافيين الحرب وتعاملو معها.

دُهش الطلاب مما تعلموه، بحسب دبوس. قالت “لم يكونوا على دراية بحجم دموية الحرب وكم من نواب البرلمان اليوم كانوا متورطين فيها.”

وعلى الرغم من عدم وعي الطلاب بتفاصيل الحرب الأهلية قبل بدء تدريس المادة، فإن مشاعر العداء بين الطلاب من مختلف الطوائف لا تظهر على السطح بحسب دبوس. حيث يمتلكون رد فعل واحد يتمثل بالخوف من اندلاع الحرب مجدداً.

قالت “حتى أنا، كأستاذة عاشت الحرب، أدركت كم نحن بحاجة ماسة لدراسة تاريخنا لأننا في خطر من تكرار ذلك.”

تعتقد شعيب إن معركة كتابة التاريخ ستستمر غالباً مع تعاقب الحكومات والسياسيين، مما يدفعها للتوقف عن تأمل حدوث أي تغيير. في المقابل، بدأ مركز الدراسات اللبنانية بجمع أولئك الذين يرغبون في تحسين تدريس التاريخ اللبناني. فقد وجدت شعيب ثغرة في النظام الحالي يمكن الاستفادة منها.

تحتاج المدارس اللبنانية والأساتذة لإتباع المنهاج الرسمي مع الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و17، والذين يخضعون لامتحانات رسمية. قالت “هذا يعطينا حرية للقيام بكل ما نريد في الصفوف الأخرى.”

في الواقع، ترغب شعيب بخلق منهاج بديل من شأنه مساعدة الطلاب خلال السنوات التي لايتقدمون فيها لاختبارات على مستوى وطني. كما ترغب بمساعدة المؤرخين لامتلاك حق الحصول على المعلومات ومن ثم مساعدة التربويين للعمل معاً لمعرفة أفضل السبل تعليم التاريخ. قالت “لدينا أولاً معركة كبيرة مع أنفسنا. ليس من أجل تسويق قصة معينة، ولكن لتمكين الطلاب من تحليل وكتابة التاريخ بذكاء.”

تعتبر شعيب المملكة المتحدة، حيث يقع مقر مركز الدراسات اللبنانية، مصدراً للإلهام. قالت “إنهم يعلمون التاريخ، وكيف يُصنع، بدلاً من إصدار واحد للأحداث.”

تبدو شعيب بالنظام البريطاني بسبب اشتراك الجماعات المهنية غير الحكومية، مثل الجمعية التاريخية، في تطوير المناهج الدراسية. وتقول إن الكثير من الأشخاص غير المؤهلين في لبنان يتدخلون باتخاذ قرارات بشأن المنهاج.

قالت “كما يكره العلماء تدخل السياسيين في اختيار أبحاثهم، يكره أساتذة التاريخ ذات التدخل.”

يستغرق تصميم المنهج البديل واعتماده في عدد لابأس به من المدارس نحو عشر سنوات، بحسب تقديرات شعيب التي تبدو متفائلة بعض الشئ. قالت “نحتاج لكسب شجاعة المعلمين.”

تعتقد مهنا أن الفكرة جيدة، إذ ترغب بتدريس  الحرب الأهلية في صفها والإجابة فعلياً على أسئلة الطلاب المتعبة والقيام بما بوسعها لشرح أسباب حذفت بعض الفقرات من المنهج.

في حال تمكن الأساتذة اللبنانيون من الاتفاق على منهج حول الحرب الأهلية، فإن هذا من شأنه منح الأمل لبلدان أخرى مزقتها الحروب. قالت شعيب “أتساءل أحيانا ماذا سيفعل السوريين حيال ذلك عند انتهاء حربهم.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام