fbpx


أبحاث ترصد عنف الحروب الفوضويّة

/ 28-09-2016

أبحاث ترصد عنف الحروب الفوضويّة

أبوظبي– يمكن للأحداث أن تجري بسرعة فائقة في ميادين المعارك الحديثة ممّا يجعل من الصعوبة بمكان معرفة حقيقة ما يجري هناك. ومع كثرة الفصائل المتحاربة، وجبهات المعارك المبهمة، والصحفيّين المختطفين، والمشادّات العامّة على الإنترنت، يصبح التضليل هو الأكثر شيوعاً.

هل ليبيا في حالة حرب أهليّة شاملة؟ وأي مناطق بلاد الشام تحت سيطرة الحكومة وأيّها تحت سيطرة تنظيم داعش؟ وأين يتمّ إرتكاب جرائم حرب؟ كل هذه الأسئلة – على أهميّتها – لا يمكن الإجابة عليها بسهولة في خضمّ المعركة.

يحاول باحثون الآن الإجابة عن هذه الأسئلة بسرعة أكبر. فقد وجد علماء كومبيوتر ممّن يقيمون بعيداً عن جبهات الصراع طريقة لحشد مصادر معلومات من مواقع التواصل الإجتماعي، ونشرات الأخبار، وتقارير المنظّمات غير الحكوميّة. حتّى الآن فإنّ الجزء الأكبر من المصادر التي تمّ تجميعها تعتمد على بيانات جمعت عن طريق الإنترنت. إلاّ إنّ بعض الأبحاث، بما في ذلك بحث أجراه خبير في العلوم السياسيّة لدى جامعة نيويورك في أبوظبي، اختبرت طريقة جديدة، تعرف بإسم حشد المصادر، تمّ تطويرها في الكونغو وأدّت لجمع الكثير من البيانات الواقعيّة من أناس يعيشون في وسط الصراعات.

تتبع منظم  Crisis.net هذا الأسلوب لجمع كميّات كبيرة من البيانات، وتنظيمها، قبل أن تتمّ مشاركتها. ساهم جوناثان مورغان، مؤسّس مشارك في Crisis.net، بتأسيس مشروع خريطة العنف Violence Map Project، والتي تكشف حجم أعمال العنف في سوريا من خلال موقعي اليوتيوب والفيسبوك وقت حصولها. استخدم مورغان أحد برامج الكومبيوتر ليبحث عن منشورات في وسائل التواصل الإجتماعي ذات كلمات رئيسيّة مثل “قنبلة” أو “داعش” والتي يتمّ إدخالها فيما بعد في خريطة تفاعليّة. يمكن للمستخدمين الضغط على أيّة منطقة في البلاد ومشاهدة لقطات حديثة للمسلّحين في ذلك الجزء من سوريّا.

تعدّ البيانات المجمّعة بهذه الطريقة قويّة من ناحية العدد، لكنها ضعيفة فيما يخصّ الجودة – إذ يصعُب على مورغان معرفة إذا ما كان ما ينشره الناس على موقعي اليوتيوب أو الفيسبوك حقيقيّا أم لا. قال ” هناك إحتماليّة كبيرة في أنّ ما يقوله الناس مجرّد أكاذيب، إنّه إنتقاد عادل للبيانات المجمّعة من مواقع التواصل الإجتماعي.”

 ساهم مورغان أيضا في تأسيس موقع سوريا تراكر Syria Tracker، والذي يرسم خرائط الحرب في البلاد. يعتبر المتعقّب “التراكر”، جهداً إنسانيّاً، يهدف لتوثيق أعداد ضحايا الحرب في سوريا إضافة إلى أسمائهم. لا يستعمل وسائل التواصل الإجتماعي فقط في جمع البيانات بل تقاريراً إخباريّة، ومعلومات من منظّمات غير حكوميّة لا تزال تعمل على الأرض في سوريا. قال مورغان إنّ عدم الإعتماد الكلّي على مواقع التواصل الإجتماعي يساعد في التخفيف من عدم الدقّة. “يشبه الأمر وضع الإصبع لجسّ النبض،” يوضّح مورغان، “كلّما قيّمنا الوضع أكثر، كلّما سيصبح في إمكاننا أن نفهم الصراع بصورة أفضل عندما يتطوّر.”

يعتبر مركز توثيق الإنتهاكات في سوريا أحد المنظّمات غير الحكوميّة التي تجهّز موقع سوريا تراكر بالبيانات. يتألّف المركز من فريق يضم 30 شخصاً، نصفهم لا يزال في سوريا بينما يعمل الآخرون في المنفى. يوثّق المركز أسماء الأشخاص الذين قتلوا على يد النظام والمجموعات المعارضة بالإضافة إلى أسماء المفقودين، بما في ذلك أسماء المدنيّين والجنود والمقاتلين الآخرين.

قال بسّام الأحمد، المتحدّث بإسم المركز، “لا نزال نمتلك مراسلين في في حمص وحلب وإدلب ودمشق. ينشر الكثير من الناس حول الإنتهاكات على موقع الفيسبوك، لكنّنا نطلب من مراسلينا التواصل مباشرة للتأكّد من دقّة ذلك.”

يتضمّن ذلك حضور الجنازات، والتحدّث إلى أفراد الأسرة مباشرة، أو الحصول على أوراق حكوميّة حيثما أمكن ذلك. بينما يعمل الأعضاء خارج سوريا على غربلة وتحليل مقاطع الفيديو. قال الأحمد “لا يمكننا أن نضمّن كل إسم نسمع به، يجب علينا أن نتأكّد. إكتشفنا بأنّه ليست كلّ المعلومات صحيحة، وفي بعض الأحيان يستحيل قول ذلك.”

كان الأحمد يعمل مدرّسا لللغة العربيّة في سوريا، لكنّه الآن يقيم في اسطنبول. شارك في المظاهرات ضدّ نظام الأسد في بداية الثورة السوريّة، لكنّه يقول إنّ المركز غير مسيّس. قال “مهمّتنا التوثيق فحسب.”

يعمل مراسلو المركز في ظروف شديدة الخطورة. إذ تعرض أحد أعضاء الفريق للخطف من قبل  تنظيم داعش في أوائل عام 2014 ولم يسمع أحدٌ عنه شيئا منذ ذلك الحين.

على الرغم من المخاطر، فإنّ المراسلة الشخصيّة مسألة حيوية. حيثُ أظهرت دراسات بأنّ واحد من كل أربعة أشخاص يكذبون على الفيسبوك. وهذا ما توصّل إليه البحث في جامعة نيويورك في أبوظبي.

اعتمد بيتر فان دير فيندت، أستاذ العلوم السياسيّة المساعد، المكالمات الهاتفيّة مع سكّان شرق الكونغو ليسأل القرويّين عن أوقات ظهور قوّات حفظ السلام، أو قوّات المتمرّدين أو الجنود الحكوميّين، وما الذي قاموا به عند دخولهم. قال فيندت “قمنا بإختيار بعض الأشخاص القلائل، وأسميناهم مراسلينا الهاتفيّين، وقمنا بتدريبهم بشكلٍ مكثّف.”

في الكونغو، تماما كما هو الحال في سوريا، كانت هنالك مخاوف بأنّ يقوم جنود الحكومة أو المعارضة بمعاقبة الأشخاص ممّن يخبرون العالم الخارجي عن أفعالهم. لذا حرص فيندت بأن لا يعرف المشاركون بعضهم البعض،  بحيث إذا ما تعرّضت إحدى القرى للخطر، تبقى القرى الأخرى في سلام.

قال فيندت “أحد السيناريوهات الكابوسيّة بالنسبة إلينا قيام جنود الحكومة أو المتمرّدين بدخول إحدى القرى وسؤالهم عن هويّة المراسلين والقيام بقتلهم.”

بالإضافة إلى الشبكة، يستعمل فيندت نظاما من الرموز. بهذه الطريقة لن يتمكّن الجنود من معرفة ما قد قاله القرويّون في حال تمكّنهم من التجسّس على تلك الرسائل. قال “قمنا بتزويدهم بقائمة رموز. 11 مثلا تعني بأنّ قوّات حفظ السلام كانوا في القرية، 12 تعني جنود الحكومة، وهكذا.”

بعد ذلك جاء السؤال حول ما سيتمّ فعله بهذه المعلومات. لا يرغب فيندت في نشر تلك المعلومات، خشية تعريض مراسليه للخطر. لكنّه يرغب، بصورة عامّة، باستخدام البيانات في الحفاظ على حياة الناس، وليس كبحثٍ أكاديمي فقط.

تجلت أهميّة السؤال بقوّة عندما كان فيندت يتناول عشاءه في الكونغو في مكانٍ بعيد عن منطقة الصراع في أحد المطاعم الفاخرة التي تصطاد سمك السلمون الخاص بها. قال “كنت أجلس هناك أتناول عشاء خياليّا عندما رنّ هاتفي المحمول.”

 كان محتوى الرسالة التي تلقّاها تقول بأنّ في إمكان المراسل رؤية منزل أحد الجيران وهو يتعرّض للحرق. قال “كان شعورا فظيعا للغاية.”

قرّر فيندت مشاركة معلوماته مع قوّات حفظ السلام. إلاّ إنّه وبسبب شكوك بعض الكونغوليّين حيال أولئك الجنود أيضاً، أضاف فيندت رمزاً آخرا لللائحة، تسمح للمرسل بأن يخبره إذا ما كان في الإمكان مشاركة تلك المعلومات.

حتّى لو تمكن فيندت من إبلاغ قوّات حفظ السلام حول إحراق قرى أو استهداف المدنيّين، فإنّه من غير المرجّح أن تتوقّف أيّ من جرائم الحرب هذه. فأحداث العنف تجري في جزءٍ بعيد من غابة الكونغو وربّما تكون قوّات حفظ السلام بعيدة عنها. لكنّ ذلك لم يثن مراسليه عن مواصلة إرسال الرسائل النصّية. سألهم فيندت عن سبب إصرارهم في الوقت الذي لا يبدو فيه ما يقومون به نافعا في إيجاد فرصة سلام أو تحقيق العدالة، فأجابوه بأنّ الشيء الوحيد الأسوأ من أن التعرض للإنتهاك هو ألاّ يعرف أحدٌ بذلك أبدا “يقولون بأنّ هذه الأمور المروّعة كانت تحصل على مدى أجيال ولم يسمع أحدٌ عنها قطّ.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام