fbpx


سكن الطالبات في جامعة صنعاء: اكتظاظ وفوضى وقاذورات تلازم المقيمات

/ 06-02-2017

سكن الطالبات في جامعة صنعاء: اكتظاظ وفوضى وقاذورات تلازم المقيمات

صنعاء— ما إن تغمض عينيها وتتكور مخفية رأسها تحت غطاء سميك تفاديًا للصقيع المتسلل من زجاج النافذة العارية من أي ستائر، حتى تستفيق على ارتطام أقدام زميلة تعثرت بها أثناء ذهابها لقضاء الحاجة داخل مصلى صغير سيء التهوية.

تتكدس أسماء في هذا المصلى التابع لسكن طالبات جامعة صنعاء، الذي يفتقر لأدنى مقومات النظافة والاهتمام ويكتظ بمئات الطالبات من عموم المحافظات اليمنية.

على غرار أسماء، ينحصر خيار: إلهام، نسرين، سارة وانتصار، على القبول بهذا الحال المزري أو قطع الدراسة والعودة إلى قراهن النائية، في بلد محافظ يضع قيودًا مجتمعية على تعليم البنات.

وتقف الفتيات أمام خيار الرضوخ لأمر واقع يلامس حدود التشرد وانهيار حلم مواصلة التعليم الجامعي، في بلد يحظر على الفتاة السكن بمفردها قبل الاقتران.:

يقدر إجمالي عدد سكان اليمن بـ24.4 مليون نسمة، تشكل النساء 49 % من إجمالي هذا الرقم.إحصائيات الصندوق الإنمائي للأمم المتحدة تفيد بأن 61.6 % من نساء اليمن ضمن مربع الأمية (الأعلى في العالم)، مقابل 29.6 % من الرجال.

في هذا السكن المتقادم تفتقر النزيلات إلى مياه شرب نظيفة أو ساخنة للاستحمام كما يفتقرن لوجبات جاهزة في المساء بعد إغلاق الأبواب. مخلفات القطط مبعثرةٌ هنا وهناك تحت أقدام الطالبات. تتلاقى الروائح المنبعثة منها مع روائح كريهة تنبعث من أواني طبخ متسخة أو تخرج من حمامات متآكلة.

معاناه الطالبات في المصلى تنسحب أيضًا على المقيمات في الغرف المكتظة، حيث تتكدس 462 مقيمة، أي ضعف طاقة السكن الاستيعابية. ولأنه السكن الحكومي الوحيد في الجامعة، تضاعف عدد الطالبات مع مرور الزمن.

على مدى ستة أشهر، وثقت معدة التحقيق اصطفاف عشرات الطالبات أمام حمامين لقضاء الحاجة أو البحث عن طعام صحي في مطبخ متهالك بعد إغلاق أبواب السكن. ورصدت أيضا مشاهد افتراشهن الأرض بسبب غياب لوائح تسجيل واضحة، إهمال إدارة الجامعة، تداخل الصلاحيات وتبادل الاتهامات بين إدارتي الجامعة والسكن التابع لها. يتفاقم الاكتظاظ وانهيار الخدمات نتيجة تأجير السكن لخر~يجات أنهين فترة دراستهن أو طالبات من العاصمة، في خرق لشروط الإقامة؛ من بينها منح الأولوية للقادمات من المحافظات النائية.

يتألف السكن من 250 غرفة معدة لاستقبال 250 طالبة. وكان الصندوق الكويتي يتكفل بكل ما يحتاجه السكن من خدمات وصيانة، إلا أن الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، أدى إلى تعطيل دعم الصندوق الكويتي لمشاريعه في اليمن فيما غادر طاقم المشرفين المصريين، الذين كانوا يديرونه منذ بنائه عام 1985.

يتوزع السكن على مبنيين: الشرقي والغربي. كل مبنى مؤلف من ثلاث طبقات، تحتوي الواحدة على جناحين، يضم كل منهما بين 70 – 75 طالبة. أما الحمامات فتقسم بحسب عدد الغرف؛ لكل ثلاث غرف حمام واحد مفاتيحه بيد الطالبات اللواتي لا يسمحن لأي طالبات أخريات بدخوله. وهناك مطبخ مشترك لكل جناح يفتقر إلى الأدوات الأساسية: (أواني طبخ، مياه، بوتجاز، أفران، دواليب، مغاسل، أحواض، سخانات، ثلاجات صالحة للاستخدام وصوابين).

في بعض الغرف (حجم أكبرها: ثلاثة أمتار ونصف بعرض ثلاثة أمتار ونصف) يصل العدد إلى ثلاث أو أربع طالبات. بالمقابل هناك غرف تسكن بها طالبة واحده؛ إما لقرابة مع مسؤولين، أو لمعرفة شخصية بمشرفات، فيما بعض الغرف مغلقة لذات السبب- بحسب مديرة السكن بشرى الحمادي.

مطبخ سكن الطالبات

مطبخ سكن الطالبات

المصلى يتألف من صالة مدخل للطابق الثاني تم تخصيصها لطالبات السكن لأداء فرائض الصلاة. لكنه غير معد ليؤوي طالبات تقطعت بهن السبل.

إهمال رسمي

في السر كما في العلن، موقف رسمي واحد “السكن ليس فندق خمس نجوم، ولكن يكفي أنه مأوى وسكن حتى لو كان (عُشة)” وفق توصيف نائب رئيس جامعة صنعاء لشؤون الطلاب د. سنان المرهضي. لكن المرهضي يقر بمعاناة الطالبات وبالإهمال داخل السكن. ويردف بحزم “المعاناة تولد الإبداع.”

أحلام مكسرة

لا يبدو الأمر سهلًا بالنسبة لطالبة جديدة تحلم بالسكن داخل إحدى الغرف ضمن مجموعة طالبات. إذ لم يعد الحلم بغرفة منفردة هدفًا لدى القادمات الجدد إلى العاصمة. فقط تكفي مساحة صغيرة توفر لهن الأمان، ومع ذلك فإنهن لا يفقدن الأمل.

”بدأتُ متابعة الإقامة في السكن الداخلي منذ بداية السنة الدراسية الأولى عام 2013. وطلبوا مني أن أُجري الفحوصات اللازمة: الكبد الوبائي والإيدز، ودفع رسوم السكن – وهي 11500 ريال (53.49 $) سنوياً، تقول أسماء القادمة من محافظة ريمة -200 كم غرب العاصمة صنعاء.

لكن عندما أنهت أسماء تلك الإجراءات أُصيبت بخيبة أمل. قالت “ما إن وصلتُ إلى مديرة السكن حتى قالت لي لا توجد سعة، وطلبت مني أوراق الإجراءات وسند القبض الذي يثبت أني قمت بتسديد الرسوم.بعد أيام عُدتُ إليها لأخذ الملف ولكنها أجابتني بأنه لا يوجد لديها أي أوراق.”

اضطرت أسماء للسكن في منزل إحدى صديقاتها مدة عام. “وعندما عدت للسكن للبحث عن مكاني، لم أجد سوى المصلى،” حسبما تشتكي بحسرة.

المُصلى ينتظر

وبحسب رصد مُعدة التحقيق، بات المصلى حلا وحيدا لطالبات لا يمتلكن خيار آخر سوى العودة إلى منازلهن والتخلي عن حلم الجامعة، بسبب التقاليد التي تجبرهن على الإقامة في السكن الحكومي الوحيد بجامعة صنعاء.

تتشارك الطالبة أسماء أرض المصلى مع 15 طالبة أخرى، خمس من محافظة حجة، طالبتان من عمران، اثنتان من الحديدة، ثلاث من تعز ومغتربتان يمنيتان تقيم عائلتاهما في السعودية، حيث لا يسمح لأبناء المغتربين اليمنيين استكمال التعليم الجامعي هناك.

في المصلى، تختلط الطالبات مع القطط التي تتسلل بحثا عن بقايا طعام، مستغلة عدم وجود باب محكم الاغلاق. نوافذه بدون ستائر، استعيض عنها بأوراق ملصقة بصمغ. حقائب ملابس الفتيات تتناثر هنا وهناك، فيما يتوسط إحدى زواياه حاجز قماشي على حامل حديدي تستخدمه الفتيات كساتر يختبئن خلفه أثناء تغيير ملابسهن.

تنتصب أمام الحاجز عبوات مياه فارغة وأكياس صابون تعتمد عليها الطالبات لغسل أواني الطبخ، لعدم إشراكهن في المطابخ الموجودة داخل السكن.

خيارات صعبة

سخان مياه لايعمل في مطبخ السكن

سخان مياه لايعمل في مطبخ السكن

في غياب حمام ملحق بالمصلى، تلجأ المقيمات به لإحدى رفيقاتهن في الغرف ممن يمتلكن حمامات خاصة. ولاحظت معدة التحقيق أن “صاحبة الحاجة” تستجدي أحيانا من أجل استخدام حمام الغرف الموصد بقفل. 

“الوضع مؤسف للغاية وحالنا صعب جداً.” تقول إلهام.

فيما تروي انتصار أنها استيقظت ذات ليل لاستخدام حمام تابع لطابق الغرف، لكنها فوجئت بأنه مقفل ومكتوب عليه رقم إحدى الغرف. حينها لجأت إلى إحدى المشرفات وأيقظتها لتتوسط لدى صاحبة الغرفة.

سألت إنتصار المشرفة “كيف لي أن أتصرف مرة أخرى”؟ فردت عليها: “لا يوجد خيار سوى أن تقيمي علاقات صداقة مع طالبات يمتلكن مفاتيح.”

تقرير رسمي

مديرة السكن بشرى الحمادي أبلغت نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلاب د. سنان المرهضي – في تقرير قدمته في إبريل/ نيسان 2014- أن مدير عام الإسكان الجامعي محمد الزلب أسكن 15 طالبة في المصلى “وسط البرد دون توفير أي لوازم معيشة لهن أو دورات مياه ومطابخ”.

مدير عام الإسكان محمد الزلب يبرر اكتظاظ السكن وسوء أوضاع الطالبات في المصلى. ويقول لمعدة التحقيق “الطالبات وذووهن يأتون إلى المكتب ويتوسلون لأجد لهن مأوى في أي مكان وبأي طريقة كي لا يعدن إلى ديارهن ولا يُحرمن من فرصة استكمال التعليم.”

ويضيف الزلب “أجد نفسي مضطراً لأن أقبلهن في المصلى.”

طبيبة بلا عيادة

طبيبة السكن لا تعمل في عيادة. وتقول مديرة السكن إن العيادة الخاصة ألغيت على يد مدير الإسكان، الذي أسكن فيها طالبات. وفي الوقت الذي يفتقر السكن للائحة داخلية لتنظيمه والإهتمام بالطالبات- بحسب تأكيدات مديرة السكن – يتحدث مسؤولوه عن معايير قبول الطالبات هناك.

يقول نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلاب – المسؤول الأول عن طالبات السكن- إن من بين معايير قبول الطالبات أن تكون من مناطق نائية أو من كليات تطبيقية أو علمية. إلا إن هذه المعايير لا تطبق بسبب الاكتظاظ عاما بعد عام، مؤكداً وجود مخالفات لتلك المعايير؛ فهناك طالبات ينتمين لكليات نظرية كالتربية والتجارة والآداب يقمن في السكن ولسن من مناطق نائية.

ويرى د. المرهضي “أن المشكلة ليست في السكن الداخلي ولكن مشكلة الجمهورية اليمنية بأكملها في المال. فالدولة في حال شبه إفلاس.” وبحماس يضيف “بالنظر إلى تلك الإمكانيات الشحيحة التي تمتلكها مؤسسات الدولة، شيء رائع أننا ما زلنا على قيد الحياة.”

اتهامات متبادلة

وعن لائحة تنظيم السكن المعدومة يقول المرهضي “الجامعة وضعت استراتيجية منذ 20 عامًا لتنظيم السكن أو لصيانة الجامعة بما فيها السكن، لكنها لم تُوقَع بعد.”

بشرى الحمادي التي عملت سابقا كمشرفة على سكن طالبات جامعة العلوم والتكنولوجيا – جامعة استثمار خاص- تقول إنها حاولت تطبيق اللوائح التي كانت سارية هناك في عملها السابق على سكن طالبات جامعة صنعاء، لكنها لم تفلح، مُرجعة السبب إلى “عدم تعاون إدارات الجامعة العليا معها،” مما اضطرها للعزوف عن العمل.

وتتهم الحمادي رئاسة الجامعة بعرقلة مهامها “حاولتُ قدر الإمكان ضبط الأمور هنا في السكن ولكن لا يوجد تعاون من أحد. فكلما أصدرت قرارا توقع عليه رئاسة الجامعة ثم تقوم بإلغائه ويقومون بتنفيذ ما يتناسب معهم فقط”، مؤكدةً أنها تعمل “بدون صلاحيات وبدون لائحة تنظ~م عملها مع كادر السكن.”

كل ذلك دفعها للعزوف عن العمل لحين إيجاد آلية تدير السكن، حسبما تقول، مشيرة إلى أن إدارة الجامعة تجهض قراراتها. “أهم تلك القرارات كان يقضي بفصل خمس طالبات، وتمت المصادقة عليه من قبل رئيس الجامعة لكنه ألغي بعد ذلك من قبل رئيس الجامعة نفسه.”

وكان المجلس التأديبي للجامعة فصل خمس طالبات من السكن بناءً على قرار مديرة السكن بشرى الحمادي “نظرا لإخلالهن بالأخلاقيات والسلوكيات النافذة باللوائح”، كما جاء في قرار الفصل المصادق عليه من رئاسة الجامعة بتاريخ 4 فبراير/ شباط 2014.

إلا أن رئيس جامعة صنعاء – كبرى جامعات اليمن الحكومية- د. عبدالحكيم الشرجبي الذي وقع على قرار الفصل يرد على اتهامات مديرة السكن بالقول “جميع القرارات أو العقوبات التي تصدرها مديرة سكن الطالبات بشرى حمادي، عقوبات غير قانونية ولا أخلاقية.” ويتهمها بأنها تنطلق بقراراتها تلك “من منطلق حزبي. وحول توقيعه على قرار الفصل، يوضح د. الشرجبي أنه “فقط للمصادقة مني على بيان المجلس التأديبي ولجنة التحقيق التي شُكلت، ولكن من صلاحياتي أيضاً كرئيس للجامعة أن استثني أي قرار حتى بعد أن أوقعه.”

بحسب مصدر في وزارة التعليم العالي بصنعاء، هناك ثمان جامعات حكومية موزعة على ثمان محافظات: صنعاء، ذمار، تعز، حضرموت، الحديدة، عدن، إب وجامعة البيضاء.

وتعد جامعة صنعاء كبرى الجامعات اليمنية، تأسست عام1971.

سكن بلا لوائح

أنابيب الصرف الصحي

تسربات مياة الصرف الصحي من الحمامات الى جدران السكن

ووفقًا لرصد معدة التحقيق، فإن السكن يفتقر للوائح وقوانين مُفع~َلة تنظ~ِم عملية الإقامة وأسس توزيع الغرف والدخول والخروج من السكن. ويفترض أن يؤوي فقط طالبات على مقاعد الدراسة، لكن العديد من الخريجات ما يزلن مقيمات في السكن، من بينهن موظفات – في مؤسسات حكومية وخاصة، حسبما ورد في تقرير مديرة السكن المُقدم لنيابة رئاسة الجامعة لشؤون الطلاب.

تؤكد مديرة السكن بشرى الحمادي في ذلك التقرير أن هناك 23 خر~يجة من العام 2010 ما يزلن في السكن، من بينهن طالبات تعثرت دراستهن. وتؤكد الحمادي أن مدير الإسكان هو من أعاد تسكينهن.

فيما يرد محمد الزلب مدير عام الاسكان على تلك الاتهامات بقوله: انه ليس له أية علاقة بذلك وإن مديرة السكن بشرى الحمادي هي من تبقيهن في السكن ولا تتخذ الاجراءات اللازمة لإخراجهن منه بحسب النظام.

ماذا يتوافر في سكن الطالبات في سورية، إحدى الدول العربية التي تمتلك إمكانيات مشابهة لإمكانيات اليمن (وبرسوم رمزية)

– سوق مركزي يحتوي على محلات لبيع فواكه وخضروات، وجبات جاهزة (ومحل لبيع الفلافل)، فطائر، معجنات، مركز اتصالات، كوافير، مركز تصوير فوتوغرافي، مركز لبيع الخبز، مخيطة. كل ذلك برسوم رمزية تتناسب مع القدرة الشرائية للطالبات.

– مركز لتعبئة الغاز مجانا.

– مصبغة غسيل وكوي مع قسم غسيل للشراشف والحرامات مجانا.

– مركز لبيع القرطاسية وتصوير الأوراق الخاصة بالطالبات.

– مراكز خاصة لتأمين المياه الساخنة للطالبات بالإضافة إلى هاتف خاص بغرفة كل طالبة للاتصال مع زميلاتها مجانا.

– نادي رياضي يضم مجموعة من الأنشطة الطلابية + مطعم.

– مكتبة مركزية مع قسم خاص بالأنترنت والاتصالات.

بحسب ما اورده موقع(سكن الطلاب في العاصمة دمشق)

ماذا يتوفر في سكن الطالبات في جامعة صنعاء:

(وفق مشاهدات معدة التحقيق)

– تسعة أجهزة كمبيوتر غير قابلة للاستعمال.

– مطبخ فارغ.

– صنابير مياه بدون مياه.

– سخانات لا تعمل.

– وجبات معدومة.

– انترنت غير مفعل.

– طبيبة بدون عيادة.

– غرف للتلفاز بدون تلفاز.

– مكتبة بدون كتب.

– ثلاجات بدون مؤن.

– طباخات بعين واحدة.

عقاب المياه

ولا تتوافر مياه في الخزان الأرضي الذي يغذي السكن إلا ساعة واحدة باليوم، فيما تشكو الطالبات من عدم توافر المياه بشكل دائم وعدم نظافتها وصلاحيتها للشرب. وبحسب مديرة السكن بشرى الحمادي فإن مدير عام الإسكان في جامعة صنعاء (محمد الزلب) هو من يتحكم بالمياه وفتح الأنابيب أو إغلاقها. فيما يبرر مدير الإسكان أن إمدادات المياه التي كانت تغذي سكن الطالبات تتبع كلية الزراعة في الجامعة، لافتا إلى أن تلك الإمدادات خرجت من الخدمة منذ فترة. والآن يتغذى سكن الطالبات من الخزانات التابعة لسكن الطلاب المجاور، حسبما يضيف.

المهندس محمد مكرم مدير عام الصيانة يعلق من جانبه على ذلك التحكم المتعمد في المياه: “إنه عقاب جماعي على الطالبات لأنهن لا يقدرن قيمة المياه ويتسببن في إهداره“.

تلوث وإسهالات

لم يعد تلوث مياه السكن أمراً مخفياً على الطالبات، فجميعهن يؤكدن ذلك. تقول الطالبة سارة إنها تصاب وصديقاتها بـ “إسهالات شديدة نتيجة شرب مياه الصنابير الخاصة بالسكن. ذات يوم ملأتُ عُلبة بلاستيكية بالماء من صنابير مياه السكن وبدون قصد نسيت شُربها، وبعد ثلاثة أيام وجدت أن للماء رائحة كريهة ونتنة في العلبة.”

منذ ذلك اليوم أدركت سارة بأن الإسهالات التي كانت تصيبها وصديقاتها كانت بسبب مياه السكن الملوثة.

“طالبنا إدارة السكن كثيرا لتوفير مياه نظيفة للشرب لكن لا احد يلتفت لنا،” تشتكي سارة بألم، مؤكدة أنها تضطر ورفيقاتها إلى شراء ماء من البقالة عبوة خمسة لتر للشرب.

على أن غالبية الطالبات القادمات من مناطق نائية غير مقتدرات ماليا ولا تستطيع مياه معدنية للشرب كـ سارة، فيجدن أنفسهن مضطرات لشرب مياه الصنابير الملوثة، كما هو الحال مع نسرين القادمة من محافظة حجة – 123 كم شمال غرب العاصمة صنعاء. إذ تعاني نسرين من ارتفاع نسب الأملاح في الكلى، بسبب شرب مياه صنابير في السكن. “بالكاد أستطيع السكن وإكمال تعليمي، فكيف أوفر مالا للشرب”؟ حسبما تتساءل.

وتضيف نسرين بمسحة حزن “من حين لآخر تعاودني آلام الكُلى بسبب هذا الماء.”

وبحسب استبيان وزعته معدة التحقيق على 150 طالبة في السكن فإن “متوسط ما تصرفه الطالبة على شراء المياه شهرياً لا يقل عن 1500 ريال يمني – تعادل سبعة دولارات. ذلك يعني أن أقل طالبة تتواجد في السكن لستة شهور تحتاج إلى ما يقارب 45 $ دولارًا؛ أي ما يعادل ربع معدل دخل الفرد شهريا في اليمن شهريا.

ويفيد الاستبيان بأن عبوه مياه واحدة سعة خمسة لترات تبقى لمدة ثلاثة أيام – في أحسن الظروف- أي أن ما تستهلكه الطالبة الواحدة يقدر بـ50 لتر في الشهر؛ عشر عبوات.

تحاليل

أخضعت معدة التحقيق عينة من مياه السكن للفحص في المختبرات المركزية، التي أثبتت بأن المياه ملوثة ببكتيريا تسبب إسهالات وتلبكات معوية كما تُرجع هذه التحاليل سبب التلوث إلى فضلات آدمية وحيوانية في خزانات المياه الأرضية للسكن، في مخالفة لمواصفات مياه الشرب في اليمن.

طالبات بلا تغذية

فيما الوجبات الغذائية (المجانية أو التي تشترى للطالبات) مشطوبة من قائمة الخدمات، فكل طالبة مكلفة بأن تعد طعامها بنفسها وتجلب أواني طبخ ومدخلاته أو تظل بدون طعام. يبرر نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلاب الدكتور سنان المرهضي هذا التقصير بالقول “المعاناة تولد الإبداع حتى ولو أكلت الطالبات روتي (خبز جاف) وشاي.”

سكن بلا صيانة

لا تتوقف معاناة الطالبات في السكن الداخلي عند المياه والوجبات والازدحام واحتلال المصلى والإختلالات الإدارية؛ إذ تتعداها إلى انعدام الصيانة، فمنذ إنشاءالسكن على نفقة الكويت عام 1985، لم تجر عليه أيعملية صيانة جادة، إذ تفتقر مرافقه الصحية للحد الأدنى من الخدمات الأساسية. فغالبية الحمامات تعاني من تسرب داخلي حاد بات يشكل رطوبة في جدرانه وواضحة للعيان _كما يظهر في الصورة _ ، ويحتوي السكن على 6 صالات للحمامات وفي كل صالة عشرة مراحيض.

وبحسب المهندس عبد الله مسعود، وهو مهندس مدني _ يدير مكتبا هندسيا في العاصمة صنعاء _ فإن الرطوبة تشكل خطرا على سلامة المبنى, مؤكداً ضرورة إجراء صيانة دورية عليه.

ويشير مسعود إلى أن المعمول به هندسيًا أن تكون هناك صيانة مرة كل عام لأي مبنى، وأنه في أسوأ الأحوال تكون هناك صيانة ضرورية لمرة واحدة كل خمس سنوات على الأكثر.

الرطوبة التي يعانيها السكن الداخلي لطالبات جامعة صنعاء بسبب تسرب المياه وغياب الصيانة لا تؤثر فقط على المبنى وسلامته ولكنها تنسحب أيضا على صحة وحياة الطالبات القاطنات، إذ يؤكد اختصاصي أمراض الصدر والجهاز التنفسي الدكتور محمد سيف إن الرطوبة تسبب “ضيقا في التنفس والتهابات بالصدر.”

وكانت أمانة العاصمة شرعت في يناير/ كانون الثاني 2012 في عملية صيانة يتيمة للسكن، لكنها توقفت، وهو ما يؤكده المهندس عبد الله البصل، أحد كوادر أمانة العاصمة وتولى أمر صيانة السكن. ويضيف البصل أنه اضطر للتوقف عن أعمال صيانة السكن بعد “ستة شهور لعدم استلام مستحقات بسبب المشاكل المالية التي تعانيها أمانة العاصمة والمجلس المحلي“.

إلا أن الدكتور عبد الحكيم الشرجبي رئيس جامعة صنعاء يؤكد أن السكن لم يشهد أي عملية صيانة منذ بنائه.

مدير عام الصيانة بجامعة صنعاء المهندس محمد المكرم يبرر عدم إجراء صيانة لسكن الطالبات بأن ميزانية إدارته تقل عن 400 ألف ريال (1860 $) سنويا للصرف لكل مباني الجامعة، من إجمالي ميزانية الجامعة المقدرة ب 13 مليار ريال (60 مليون و465 ألف دولار).

في انتظار فرج الصيانة، إزالة الاكتظاظ، توفير لقمة هنية ومياه نظيفة تواصل سارة ورفيقاتها العيش دون الحد الأدنى من المعايير الصحية والبيئية أو الانسحاب من حلم المستقبل والعودة إلى قراهن النائية، في غياب البدائل.

* تم نشر هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية “أريج” وبإشراف سعد حتر، ويعاد نشره هنا بعد موافقة الشبكة والكاتبة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام