مدرسة متنقلة لتعليم أطفال الشوارع في اليمن

/ 21-01-2015

مدرسة متنقلة لتعليم أطفال الشوارع في اليمن

صنعاء، اليمن—تتعالى أصوات ضحكات أطفال يرددون حروف الأبجدية العربية. ينظر المارة باستغراب إلى هؤلاء الأطفال الحفاة متسائلين عن الذين يفعلونه في حافلة متوسطة الحجم في منطقة جولة ريماس في صنعاء. هم ليسوا في رحلة مدرسية، بل يتلقون دروساً تعليمية في الحافلة.

في تشرين الأول/ أكتوبر، أطلق  نزار السقاف (40عاماً) – والذي يعمل في مجال التسويق- المدرسة المتنقلة بهدف تعليم أطفال الشوارع العاملين في جولة ريماس في صنعاء القراءة والكتابة. حيث تعتبر منطقة جولة ريماس من أكثر الاماكن التي تحتضن عمالة الأطفال في صنعاء.

تقدم المدرسة دروساً كل ثلاثاء وخميس لمدة ساعتين. ويبدأ الأطفال بالتوافد إلى المدرسة المتنقلة في تمام الساعة الثالثة عصراً.

يصعد مهيوب أحمد (7 سنوات) سعيداً إلى الحافلة، ويضع بجانبه الأشرطة التي يبيعها للسائقين. يحاول مهيوب خطّ الحروف الأبجدية في دفتره، لكنه يكتب ببطء فهو مازال غير معتاد على الإمساك بالقلم.

ينظر مهيوب إلى السماء كلما سمع صوت طائرة، ويحلم أن يكون طياراً. قال “استأذنت من والدي لأحضر الحصص هنا في المدرسة المتنقلة، لأنني لا أستطيع الذهاب الى المدرسة كباقي الأطفال وترك عملي”. مضيفاً أنه ينتظر يومي الثلاثاء والخميس بفارغ الصبر “أشعر خلال الساعتين بأني طفل كباقي الأطفال الذين يذهبون الى المدارس”.

يصعد طفل آخر إلى الحافلة ليرحب به الأطفال الآخرون بحرارة. يعطيه نزار قلماً ودفتر لينضم لباقي التلاميذ. لم تبخل الحافلة على طارق صالح، رغم أنه تعدّى سن الـ12، بل أعطاه فرصته الأولى للتعلّم.

يعمل طارق في تنظيف السيارات، ويتأخر في حضور الدرس بسبب عمله. يتمنى طارق “الإلتحاق بالمدرسة، وارتداء الزي المدرسي ليصبح طبيباً”. قال “لم يسمح لي أخي الكبير بالحضور إلا بعدما أقنعه نزار بفائدة التعليم لي. أحب هذا المكان، فأنا أحتمي به من الشمس وارتاح قليلا من العمل”.

يتخذ الأطفال من كراسي الحافلة مقاعداً لهم، بينما يتنقل نزار بينهم. يتابع كل طفل على حدة، حيث يختلف أسلوب تعليم كل طفل بحسب مقدرته وسرعته على الكتابة خاصة وأن جميعهم يواجهون صعوبة في إمساك القلم والكتابة.

قال نزار “رغم إنهم لايزالون يتعلمون الأحرف الأبجدية الأولى، لكن إصرارهم على التعلم والاستمرار منذ أشهر يجعلنا متفائلين بتخطيهم المراحل الأولى للكتابة”.

يتجاوزعدد الأطفال العاملين في اليمن المليون ومائتين طفل، وتتوزع  نسبة كبيرة منهم في المدن الرئيسية، وفقاً لإحصائية صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عام 2012.

يعتقد البعض أنّ الحافلة أو “المدرسة المتنقلة” مكان مناسب لتأهيل الأطفال العاملين في أماكن تواجدهم.

قام نزار بتدريس 45 طفلاً عاملاً خلال العام الماضي. لكن غالبية الأطفال لا يستمرون طويلاً بسبب ظروفهم المادية الصعبة، ممّا يحتم عليهم العمل طوال اليوم. كما أنّ غالبية الاطفال المتواجدين هم من الذكور.

لا يوجد أعضاء دائمين أيضاً في هذه المبادرة، إذ أنها مبنية على التطوع الشخصي ومقدرة المتطوعين على تحمل هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون  لمعاملة خاصة وقوة صبر. حيث يتعرضون من وقت لآخر إلى حالات من تقلب المزاج والغضب السريع ويستخدمون الألفاظ البذيئة.

Mobile school 1

الباص المتنقل في صنعاء (تصوير سمر قائد)

يستأجر نزار الحافلة بمبلغ 20 دولار لمدة ساعتين. ويؤكدّ أنّ “الأطفال الراغبين في التعلم باقين معنا إى اليوم، وأحيانا يأتي فقط طفل واحد لكن نحن مستمرون ودائما نستقبل أطفالاً جدد”.

يواجه نزار مشاكل عديدة مع أهالي الأطفال، الذين يرغبون بعودة أطفالهم للعمل.

يمر الكثير من الناس بجانب المدرسة المتنقلة، ولا يخفون فضولهم.  ينزعج الأطفال من هذا الفضول، لأنّ البعض يسخر منهم ويصفون تعليمهم بالأمر غير المجدي.

يتطوع هاني نعمان في المدرسة المتنقلة منذ أربعة أشهر. وقال إن الأطفال  يتوقفون عن الدراسة عند سماع بعض الكلمات الجارحة من الناس “نقوم بتشجيع الأطفال بالدراسة وتحفيزهم، ونعطيهم من وقت الى آخر الحلويات ودفاتر وأقلام التلوين” مشيراً إلى أن “بعض الناس يشترون لنا الماء والاقلام والدفاتر، عندما يعرفون غاية المدرسة المتنقلة، ويعطونا الكلمة الطيبة، الأمر الذي يسعدنا جميعنا”.

يدرس الطفل عبده علي ( 11 سنة) في المدرسة المتنقلة منذ فصل الصيف في المدرسة المتنقلة. ويعتبر الطالب الوحيد الذي التحق بالمدرسة منذ بداية الدراسة في أيلول/سبتمبر الماضي.

قال عبده “عندما رأى أهلي سرعتي في التعلم وحبي للحضور إلى المدرسة المتنقلة، تغير رأيهم وسجلوني في المدرسة. اتفقت مع عائلتي أن أعمل في أوقات مختلفة بعد انتهائي من الدراسة.”

يحلم القائمون على المشروع بامتلاك حافلة كبيرة الحجم، مصمم كالمدرسة بسبورة وكراسي وطاولات ليستطيعوا استقبال أكبر عدد من الأطفال، وتوفير الجو التعليمي اللازم.

قال نزار “جاءت فكرة هذه المدرسة من حلمي بإنشاء مدرسة داخلية لتعليم الأطفال العاملين، الحافلة مجرد خطوة أولى.”

حكومياً، يعتبر مركز إعادة تأهيل الاطفال العاملين في العاصمة صنعاء والذي تم تأسيسه عام 2003، المركز الرسمي الوحيد المسؤول عن متابعة شؤون الأطفال المتسربين من المدارس. يضم المركز 660 طفل وطفلة اليوم ويهتم بإعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس إلى 45 مدرسة حكومية، عن طريق التنسيق مع وزارة التربية والتعليم من أجل إعفائهم من الرسوم وتوفير المستلزمات المدرسية. إلا أن عدم توفر الميزانية الكافية وقلة عدد الكادر العامل في المركز (16 موظف فقط) لايسمحان بتطوير خدمات المركز وانتشاره.

في المقابل، لا تعتبر فكرة المدرسة المتنقلة جديدة. إذ سبق وأن تم تطبيقها في بعض دول شرق آسيا كنيبال والهند وباكستان، ونجحت بشكل كبير. كما سبق وأن نفذتها منظمة ديا Dia الفرنسية في مدينة تعز عام 2009.

يعتقد مهيوب العمري، الخبير التربوي في مكتب منظمة اليونسيف في اليمن أن “المدرسة المتنقلة” تحتاج إلى المزيد من الجهود من قبل المتطوعين فيها ليتم الاعتراف بها رسمياً من خلال إجراء اختبارات للطلاب في نهاية العام الدراسي وتدرجهم في صفوف دراسية وفق نتائجه.

يقترح العمري دمج الأطفال في مدارس التعليم العام بعد التنسيق مع مكتب التربية “اذا استمرت هذه المدرسة كمبادرة فردية فقط، من دون تنسيق مع الجهات المختصة أو وجود ممول ومنظمة ترعى نشاطها، فأنها ستتعرض يوما ما للتوقيف.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام