الفن يولّد الأمل في الأحياء الفقيرة في القاهرة

/ 28-01-2015

الفن يولّد الأمل في الأحياء الفقيرة في القاهرة

القاهرة – قد تبدو التربيّة الفنيّة مجالاً غريباً لتركّز عليه جمعيّة خيريّة تعمل في حيّ عشوائيّ تجتاحه مظاهر الفقر في القاهرة. لكنّ عزّة كامل، مؤسٍّسة جمعيّة ألوان وأوتار، وهي منظّمة غير ربحيّة، تؤمن بأنّ الفن أداة قويّة للغاية.

قالت “عندما إنطلقنا بالمشروع في البداية، كان الناس يتساءلون بإستمرار “لماذا الفن بينما يتضوّر الناس جوعاً. اليوم، نفس أولئك الأشخاص هم أقوى الداعمين لنا.”

على مدى العشر سنوات الماضية، لاحظت كامل وبشكل مباشر كيف يمكن للفن، والحرف اليدويّة، والتعليم غير الرسمي تطوير الأطفال المصريّين ممّن تلقّوا تعليماً محدوداً أو لم يتلقّوا على الإطلاق في واحدة من أكثر المناطق العشوائيّة فقراً في العاصمة المصريّة.

تقوم منظّمتها بتدريس الفن، والموسيقى، والحرف اليدويّة لطلاب تتراوح أعمارهم من عمر الدراسة الإبتدائيّة وحتّى خريجي الدراسة الثانويّة. تستعمل المنظّمة الدروس التجريبيّة، والألعاب، والعمل المجتمعي، وتوفّر مرافق مجّانيّة ومفتوحة للشباب، بما في ذلك مكتبة ومركزاً للفنون. وبالنسبة لمعظم هؤلاء الأطفال – إن لم يكن كلّهم – فإنّ ألوان وأوتار تمنحهم أولى تجاربهم مع الفن.

وأوضحت كامل “الفن ليس للأثرياء فقط، إنّه وسيلة علاجيّة بالنسبة لهؤلاء الأطفال فهو ينتشلهم بعيداً عن الشوارع حيث بإمكانك العثور على المخدّرات، والعنف، والحركات الأصوليّة. كما إنّه يطوّر العديد من المهارات الإجتماعيّة لديهم ويعزّز ثقتهم بأنفسهم. نحن نستعمل الفن لجذبهم، وإشراكهم في المجتمع، وتحويلهم لأناس أفضل.”

وفقاً لتقرير التنافسيّة العالمية للعام 2014، حصدت مصر المركز الأخير من بين 148 بلداً فيما يخص جودة التعليم الإبتدائي. يعني ذلك بأنّ ما يقارب السبعة عشر مليون طالباً وطالبة في التعليم الإبتدائي والثانوي في مصر سيتلقّون ما يمكن القول بأنّه أسوأ تعليم في العالم.

وبينما يعتمد الإصلاح الشامل للنظام التعليمي على الحكومة المصريّة، تحاول ألوان وأوتار إحداث التغيّير في أحد الأحياء السكنيّة. تقول المنظّمة بإنّها قد عملت مع ما يقرب من 4000 طفل وشاب في الحيّ العشوائي في المقطّم في القاهرة، والذي يقدّر عدد قاطنيه بـ 136.000 نسمة. وقد حصدت المنظّمة جوائز من منظّمات متعدّدة، كجائزة نقابة المرأة Women’s Guild  من منظّمة الأمم المتّحدة، وجائزة عن الفن والعلوم الإنسانيّة من اللجنة الرئاسيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة.

قالت كامل ” يعيش طلاب ألوان وأوتار في هذه المنظومة (الإجتماعيّة) حيث كلّ شيء خطأ أو لا أخلاقي، ونحن نحاول إفساح المجال أمامهم لكي يتمكّنوا من إكتشاف قدراتهم.” مضيفة “هنا يكمن جمال الفن، فلا يوجد صواب وخطأ فيه. إنّه يمنحهم المجال كي يتمكّنوا من النمو من دون أيّ شخص يراقبهم ويكتم أنفاسهم.”

تلقّى الطلاب هنا تعليماً محدوداً أو لم يتلقّوا على الإطلاق، وبالكاد يستطيع بعض المشاركين في عمر الثانية عشر القراءة والكتابة رغم إتمامهم ست سنوات في المدرسة.

قالت كامل “عليك أن تفهم بأنّ هؤلاء الأطفال يكرهون التعليم. لأنّ طبيعة التعليم الحكومي الذي تلقّوه في المدرسة بإمكانه جعل أي شخص أن يكرهه.” وأضافت “نحن نؤمن بأنّ التعليم ليس من الضروري أن يأتي من خلال  كتاب أو في فصل دراسي، كما إنّنا نشجّع فكرة تعلّمهم من بعضهم البعض، ومن مجتمعهم، ومن بيئتنا.”

تؤمن كامل بأنّ في إمكان الأطفال أن يكونوا عناصر تحفيز لإحداث التغيّير. قالت موضحة “هم غير مسؤولين عن جلب النقود لأسرهم بعد. نحن نطوّرهم بحيث لا يحتاجون للصدقات (الماليّة والغذائيّة) التي نمنحها إيّاهم في المستقبل.”

وبحسب كامل فإن “الشيء الجيّد فيما يخصّ العمل مع المجتمع هو أنّ هؤلاء الأطفال يغيّرون ذويهم وليس العكس من ذلك. فما أن يلاحظ أولياء الأمور تطوّر سلوك أبناءهم ومهاراتهم الإجتماعيّة حتّى يشعروا بالرغبة في أن يتغيّروا معهم.”

وقد عُرّفت الدروس التجريبيّة أوّل مرّة من قبل عالم النفس ديفد كولب على أنّها “العمليّة التي بواسطتها تتولّد المعرفة من خلال نقل الخبرة.”

ويتعلّم طلاب ألوان وأوتار من خلال ألعاب بسيطة ولعب، ليستوعبوا تجاربهم وملاحظات الآخرين الإدراكيّة، بالإضافة إلى التعلّم من خلال التعبير عن إستنتاجاتهم الذاتيّة. كما تساعدهم طرائق التعلّم هذه على التفاعل وتطوير العلاقات فيما بينهم. في حين تبقى فاعليّة التعليم التجريبي غير محسومة، تعتقد كامل بأنّ خرّيجي البرنامج يعتبرون شهادة على نجاح المشروع.

وجد تقرير منظّمة التنمية والتعاون الإقتصادي المعنون الفن لأجل الفن عام 2013 بأنّ التعليم الموسيقي يزيد من معدّل ذكاء الطالب وأداءه الأكاديمي. بينما تقوّي الفنون البصريّة التفكير الهندسي، وتعزّز الدراما الجانب العاطفي، ويقوّي التعليم المسرحي المهارات اللغويّة.

أصبح بعض من طلاب ألوان وأوتار مدرّسين ومطوّرين في البرنامج نفسه. فقد قام برنامج أنقذوا الأطفال بتوظيف ثلاثة من خرّيجي البرنامج كمنسّقي أنشطة لمشاريعهم على أرض مصر. بينما أصبح طالب رابع يدعى أحمد فاخر، 22 عاماً، مدرّساً خصوصياً للموسيقى.

قال فاخر “لقد وجدتّ فضاءاً يحترمني وأناساً يحترمونني. الآن يوصي الآخرون بي كمدرّس بعدما شاهدوا مقدرتي وكم أنا جيّد في التدريس. لم أعتقد يوما بأنّني سأتحدّث الإنجليزيّة بشكل جيّد، لكنّني الآن جيّد في هذه اللغة بما يمكّنني من إعطاء دروس في الجيتار للأجانب.”

ولكونه الطفل الأصغر لأسرة فقيرة من المقطّم، لطالما شعر فاخر بالإحباط لعجزه عن التعبير عن نفسه.

قال “أردت تطبيق كل ما إختبرته في ألوان وأوتار في المنزل. تعلّمت نمطاً جديداً من الحوار مع والدي الذي لا يشترط أن يختتم بعنف. لقد غيّر ذلك حياتي وعلاقتي بأسرتي كليّا.”

شاركت أسماء عشري، 23 عاماً، في برنامج نهضة المحروسة التدريبي التابع لمنظّمة اليونيسيف، والذي يحاول تطوير روّاد أعمال إجتماعيّين، وربحت منحة قدرها 4000 جنيه مصري (حوالي 536 دولار أميركي) والتي أعادت إستثمارها في ألوان وأوتار.

قالت عشري “أدركنا بأنّه كان هنالك العديد من الأطفال في ألوان وأوتار، لذا قرّرنا أن نقوم بتعليمهم بأنفسنا، فإستعملنا المنحة لتجهيزهم بالأدوات والموارد.”

اليوم، تقوم عشري بتدرس القراءة والكتابة في ألوان وأوتار، وهي تشعر بالإمتنان على الثقة بالنفس والمهارات التي ساعدها البرنامج على تطويرها.

قالت “لطالما كرهت سؤال الناس لي عن الأشياء التي أحبّ فعلها أوعن طبيعة موهبتي الفضلى لأنّني لم أكن أمتلك شيئا لأقوله. في ألوان وأوتار، جرّبت وتعلّمت العديد من الأنشطة لدرجة أنّني أشعر اليوم بالفخر والسعادة وأنا أخبر الناس عمّا أحبّه وأجيد فعله.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام