خيارات محدودة لذوي الاحتياجات الخاصة بالجامعات المصرية

/ 22-01-2015

خيارات محدودة لذوي الاحتياجات الخاصة بالجامعات المصرية

* تنشر هذه القصة بالتعاون مع مدى مصر.

في عام 1976، أثبت ستيفن هاوكينج – الفيزيائي الرائد ومدير قسم البحوث بمركز علم الكونيات النظرية بجامعة كامبريدج- أن الثقوب السوداء تُخرج أنواعاً معينة من الأشعة بسبب تفاعلات الفيزياء الكمية، عرفت فيما بعد بـ “إشعاعات هاوكينج”. أبهر الفيزيائي البريطاني العالم باكتشافه وغيره من الإنجازات الأخرى وهو في حالة شلل كامل بسبب مشكلة في جهازه العصبي، حيث يتواصل مع المحيطين به بواسطة جهاز إليكتروني يترجم أفكاره إلى كلمات.

لكن لو كان هاوكينج طالباً مصرياً فإنه كان سيواجه صعوبات عديدة عند دخوله الجامعة. ذلك أنه وبالرغم من الضمانات الدستورية للحق في التعليم، يكافح الكثير من الطلاب المصريين من ذوي الاحتياجات الخاصة ضد ما يمكن وصفه بقوانين تحمل قدراً كبيراً من التمييز ضدهم عند التحاقهم بالتعليم الجامعي. وتعتبر قصة الطالبة منة الله سعد مثالاً صارخاً لهذا التمييز.

فلطالما حلمت الطالبة ذات الثمانية عشر عاماً بالالتحاق بكلية الآثار بجامعة القاهرة، لكن تم رفضها بسبب إعاقتها فقط. قالت منة والدموع تملأ عينيها السوداوين “أشعر بالظلم، ولا أستطيع متابعة دروسي. لا أعلم إن كنت سأعود يوماً إلى كليتي.”

ولدت منة بحالة شلل كامل في نصفها الأيسر، لتبدأ رحلة كفاحها للذهاب للمدرسة. خلال دراستها الابتدائية، كانت والدتها ذات الأربعين عاماً تحملهاً يومياً كطفلة رضيعة من منزلهما بالدور الخامس بحي صفط اللبن الشعبي إلى مدرستها وتبقى معها هناك حتى تعود بها للمنزل.

قالت الأم “كنت أخرج في الصباح الباكر من المنزل في صفط اللبن حتى المدرسة بحي السيدة زينب في رحلة تستغرق 45 دقيقة بالمترو، أجلس معها بالفصل، أكتب لها، آخذها إلى الحمام، ثم أعود بها للمنزل لأراجع دروسها معها.”

استطاعت منة بصعوبة أن تبدأ بالمشي حينما أنهت المرحلة الابتدائية بعد سنوات طويلة من جلسات العلاج الطبيعي المكلفة. حصولها على درجات مرتفعة بالثانوية العامة أهلها لتلتحق رسمياً بكلية الآثار بجامعة القاهرة.

لكن طريقها للجامعة يبدو وعراً تماماً كحال طريقها للمدرسة.

في شوارع صفط اللبن الموحلة وغير الممهدة، تشق منة ووالدتها طريقهما بصعوبة وسط عربات التوكتوك السريعة المحيطة بهما من كل جانب لتأخذ “ميكروباص” لجامعة القاهرة، قبل أن تشقا طريقهما وسط مباني الجامعة، وهي المشقة الأخرى. قالت الأم إنها تضطر هي وابنتها أن يصعدا السلام للوصول لقاعات المحاضرات لعدم توفر مصاعد بمباني الكلية، مضيفة “أجلس معها طوال اليوم كالعادة. لا يوجد لدى أي مشكلة طالما أن ابنتي تحقق حلمها وتتلقى التعليم الذي تريده.”

إلا أن طموحات منة مبالغ فيها على ما يبدو.

قال والد منة، سعد هيبة الذي يعمل موظفاً عاماً بمحافظة القاهرة، إن زوجته توجهت لاستصدار بطاقة القيد في الكلية بعد انتظام الدراسة بشهر لتكتشف أن ابنتها لن تتمكن من الاستمرار في الكلية بسبب اعاقتها. “أخبرتنا إدارة الكلية أنه لا يمكن قيد الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة بالكليات العملية وأنه تم قبولها من خلال مكتب التنسيق عن طريق الخطأ. قال عميد الكلية إنه يجب نقلها لكلية الآداب.” وأضاف والد منة “لم أكلف الدولة مليماً واحداً في تعليمها أو في علاجها أثناء رحلة العلاج الطبيعي الطويلة. هل كثير عليها أيضاً أن تلتحق بالكلية التي تريد؟” مشيراً للأموال التي دفعها للدروس الخصوصية والتي تمثل عبئاً كبيراً على العائلات المصرية حتى مع كون التعليم الحكومي مجاني.

بدوره، قال عميد الكلية محمد حمزة في تصريحات صحفية إن منة غير مؤهلة للالتحاق بكلية الآثار بسبب إعاقتها، حيث أن بعض المواد تتطلب زيارات ميدانية لمواقع أثرية.

وقال نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الطلاب والتعليم وعضو المجلس الأعلى للجامعات عز الدين أبو ستيت إن الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة غير مسموح لهم بالقيد في الكليات العملية، بينما يمكنهم القيد في مجموعة محدودة من الكليات النظرية كالحقوق والتجارة والآداب.

يصدر وزير التعليم العالي، الذي يترأس أيضاً المجلس الأعلى للجامعات، مرسوماُ سنوياُ يحدد الكليات التي يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة الالتحاق بها. طبقا لأبو ستيت، يتم تعميم المرسوم على كل الجامعات. وفي تعليقه على حالة منة بالتحديد قال “تتطلب الكليات العملية بعض المهارات التي نعلم بشكل مؤكد أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يمتلكوها، ليس من العدل أن نسمح لهم بالدخول لكليات نحن نعلم مسبقا أنهم سيفشلون بها.”

بينما تعاني منة بسبب عدم قدرتها على الالتحاق بالكلية التي تحلم بها، قالت مها محروس، وهي أم الطفل الأصم جون ذي الستة عشر عاماً، إن ابنها لا يمكنه حتى الحلم بعبور بوابة جامعة القاهرة. فطبقاً لنفس القوانين، لا يمكن للطالب الأصم الالتحاق بالجامعة أصلاً.

كحال منة، بدأت رحلة كفاح جون من المرحلة الابتدائية. توفر الحكومة المصرية مدارساً حكومية مخصصة للصم والبكم من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية. لكن محروس قالت إن المدرسين لا يجيدون التواصل مع الطلال  بلغة الإشارة، ” يحصل ابني على تعليم مناسب لحالته بشكل صوري. فالمدرس لا يجيد استخدام لغة الإشارة ويتحدث لطلاب لا يمكنهم سماعه. ادفع الآلاف من الجنيهات كل عام لمدرسي دروس خصوصية الذين يجيدون لغة الإشارة.”

بين جون وحلم الالتحاق بالجامعة يقف حائط صلب يمنعه من تحقيقه. قالت محروس ” وصل ابني للعام الأخير في الثانوية الصناعية ويريد الالتحاق بالجامعة بشدة. لكنه لا يستطيع لأنه أصم. تقول الدولة أن ابني أقل من الطلاب الآخرين، فقط لكونه أصم.”

وقال المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية محمد أبو ذكري إن القوانين الجامعية ليس لها أي سند قانوني أو دستوري، “ألزم الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي وقعت مصر عليها الدولة المصرية ليس فقط بضمان المساواة في الحق في التعليم لذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن أيضا بتوفير سبل إتاحة التعليم لهم لتسهيل أي عقبات يواجهونها.”

وشرح أبو ذكري أن هذه الوسائل تشمل قاعات محاضرات بمقاعد مخصصة لذوي الإعاقة الحركية، ومصاعد لتسهيل الحركة داخل أبنية الحرم الجامعي، وكتب مكتوبة بطريقة برايل من أجل الطلبة المكفوفين، ومساعدين متخصصين في لغة الإشارة من أجل الطلبة الصم والبكم، ومرافقين لمن لا يستطيعون الكتابة بسبب إعاقتهم. قال “لا أعرف السند القانوني التي تستند عليه قرارات المجلس الأعلى للجامعات. أفضل اللجوء للاتفاقيات الدولية في هذا المجال”. ويضيف المحامي الذي هو أيضاً من ذوي الاحتياجات الخاصة “تشعرني القوانين المحلية المصرية بالاحباط.”

يتفق مؤسس جمعية حقوقي من أجل دعم ذوي الاحتياجات الخاصة والمحامي عصام سعيد مع أبو ذكري في عدم قانونية أو دستورية قرار المجلس الأعلى للجامعات، قال “إنه فقط قرار إداري حكومي بلا أسانيد قانونية أو دستورية، لكن يتم استخدامه لحرمان الملايين من ذوي الاحتياجات الخاصة من حقهم في التعليم.”

ويقول مراقبون إن الدستور المصري شكل علامة فارقة في رحلة النضال من أجل ضمان حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر. تحظر المادة 53 من الدستور التمييز ضد المواطنين من ذوي الاحتياجات الخاصة، بينما تلزم المادة 81 الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة والأقزام، صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وترفيهيًا ورياضيًا وتعليميًا وتهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم.

كما ينص الجزء السادس من قانون الطفل أيضاً على حقوق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بما في ذلك توفير فرص تعليم مساوية للطلاب  العاديين وفي نفس المؤسسات التعليمية.

لكن الالتزام بهذه الواجبات مكلف جداً. يعتقد هيبة أن جزءاً كبيراً من قرار رفض إدارة الكلية تسجيل ابنته يعود لعدم قدرة الدولة على الوفاء بمسؤولياتها. قال “تعلم إدارة الجامعة جيداً أنه إذا تم قبولها بالكلية، سيتعين عليها تخصيص مرافق لها، فلماذا إذن يقوموا بواجبهم؟ فليلقوا بها بأي كلية أخرى حيث لا تكلفهم مليماً واحداً.”

لكن تجربة هاوكينج ليست ببعيدة. فمنة التي جلست هائدة بجوار والدها في معظم وقت مقابلة عائلتها قالت بفخر إنها تتمنى أن تنال بعضاً من حظ الكاتب الكفيف طه حسين الملقب بـ “عميد الأدب العربي”.

“دفعت الحكومة تكاليف منحته الدراسية لفرنسا وعينت أخوه مرافقاً له خلال دراسته بجامعة السوربون. أصبح بعدها وزيراً للمعارف -التعليم حالياً- ولقب بعميد الأدب العربي، فهل أكون يوما ما مثله؟”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام