حوار مع أحد مناصري الحرية الأكاديمية

/ 03-02-2017

حوار مع أحد مناصري الحرية الأكاديمية

إسطنبول- يؤدي طريق ملتوي يمر بمدن أعلى التل ويصل إلى شمال إسطنبول إلى واحدة من أفضل مؤسسات التعليم العالي في تركيا، وهي جامعة كوتش.

هناك ومن مكتبه الذي يطل على ساحة الحرم الجامعي على حافة البوسفور، يدير رئيس الجامعة عمران عنان الجامعة من خلال منهج عدم التدخل. حيث يقول مؤيدو أسلوبه إن هذا المنهج في الإدارة يجب أن يعتبر نموذجًا لباقي جامعات المنطقة. بدوره، يقول عنان الذي قضى معظم تاريخه المهني في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأميركية قبل عودته إلى تركيا منذ خمسة أعوام “أفضل شيء أن تعين أفضل الأساتذة وتترك لهم حرية الأداء، وبذلك تضمن الحصول على أفضل النتائج بدون تدخل مستمر.”

ويضيف إن هذه الفلسفة تعكس رؤية مؤسسة فهبي كوتش، والتي لا تسعى إلى التأثير على منهج الجامعة، على الرغم من دعمها للجامعة بمبلغ يصل إلى 30 مليون دولار سنويًا. فقد أسس رجل الأعمال التركي فهبي كوتش هذه الجامعة منذ أكثر من عقدين.

والآن، كحال الكثير من الجامعات التي تؤسسها الأسر الثرية في تركيا والتي توفر التعليم لأكثر من 5300 طالب، ومعظمهم من أفضل  3 في المئة من الطلاب الذين اجتازوا امتحان قبول الجامعات، وهو اختبار يجب أن يجتازه الطلاب قبل الالتحاق بأية جامعة تركية، يتخرج من الجامعة سنويًا 140 طالبًا حاصلاً على درجة الدكتوراه. كما يحمل أعضاء التدريس بالجامعة شهادات دكتوراه من أفضل الجامعات في كافة أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

ويقول عنان في حديثه مع الفنار للإعلام حول نموذج إدارته للجامعة، ونظام التعليم العالي في تركيا، والجامعة التي تقع وسط التلال المشجرة “تعتبر جامعة كوتش ضمن قائمة الإيفي ليج بالنسبة لتركيا”.

ما هي رؤية جامعة كوتش ورسالتها؟

أُسست جامعة كوتش لتصبح مركزًا للتميز في الأبحاث والتعليم في تركيا. فإذا فكرنا في ذلك على نطاق واسع وبما يتناسب مع حجم جامعة كوتش مقارنة بباقي الجامعات في الساحة التعليمية في تركيا، أعتقد أن رسالتنا تتبلور في خلق نموذج لما يمكن أن يكون عليه التعليم المتميز والبحث العلمي وآفاق المعرفة المتفتحة.

وفي نفس الوقت، أعتقد أننا نملك إمكانات حقيقية في مجال العلوم والبحث والتنمية، لأنه إذا اجتمع هذا الكم من العقول الذكية والمستنيرة، فبالتأكيد سيكون هناك فرصة لاكتشاف أشياء جديدة ومؤثرة يمكن أن تؤثر إيجابيًا على الاقتصاد. وعلى الأرجح سيظهر الاختراع الكبير القادم والذي سيؤثر تأثيرًا كبيرًا على الاقتصاد التركي من جامعات مثل جامعة كوتش. ولكن في مجال التعليم، سيظل عدد الطلاب في جامعة كوتش قليلاً مقارنة بإجمالي عدد الطلاب في تركيا. لكن هؤلاء الطلاب سيصبحون قادة الغد وسيتحملون مسئولية الكثير من الناس في الشركات التي يؤسسونها أو من خلال المناصب التي سيحصلون عليها.

ما الذي تفعله لتعزيز الأبحاث متعددة المجالات؟

ببساطة نعزز الأبحاث متعددة المجالات من خلال إزالة العوائق والعقبات بين مختلف الأقسام.كما نقدم منحًا لتمويل الأبحاث في الجامعة سواءً بتمويل مركزي من الداخل أو الخارج في المجالات المتعددة، وذلك لأعضاء هيئة التدريس ممن يتمتعون بإمكانية التفكير بدون عوائق أو حواجز، لأن برامج تمويل الأبحاث تقدم فقط للأبحاث التي يدفعها الفضول وحب المعرفة والاكتشاف. فلا تُقدم هذه المنح للأبحاث التقليدية، كما لدينا سلسلة من الندوات التي تغطي مختلف المجالات والتي تشجع الناس على الاستماع لأفكار بعضهم البعض. كما نمنح الفرصة لأعضاء هيئة التدريس للإشراف على أبحاث الدكتوراه في مختلف المجالات، وبالتالي يمكن لأستاذ في الفيزياء الإشراف على طالب دكتوراه في قسم آخر والعكس صحيح. ومن ثم فنحن نسعى إلى الحد من هذه العوائق قدر الإمكان، وفي مجال التعليم نطبق نفس المنهج من خلال إضافة دورات عن الفنون الحرة لكل الكليات والمدارس.

 كيف ترى دور جامعة كوتش في المنطقة؟

يمكن لجامعة كوتش أن تمثل نموذجًا لكافة الجامعات في أوروبا والشرق الأوسط. فهي تعتبر جامعة صغيرة بموارد محدودة ولكنها نجحت في استقطاب مجموعة من أفضل العقول المتميزة بالنسبة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وبإتباع نموذج إدارة سليم أطلقنا لهم العنان ليحققوا إنجازات عظيمة. ويمكن أن يصبح هذا النموذج مثالاً يحتذى به. يمكن للناس أن ينتجوا الأفضل ويتميزون، كلما أفسحت لهم المجال لذلك بحرية. وبالتالي فأنت تخلق بيئة حرة وتحافظ عليها رغم كل الاعتبارات وفي رأيي هذا أفضل ما يمكن أن تقدمه للعقول المتميزة. فإذا أدرك الجميع قدرة هذا النموذج على تحقيق إنجازات هائلة، سيسارعون إلى تطبيقه في كل مكان.

هل تقصد بهذا النموذج في الإدارة منهج الحرية الأكاديمية وعدم التدخل في العمل الأكاديمي؟

نعم أقصد عدم التدخل في العمل الأكاديمي. فإذا عينت أحدًا لا تتدخل في عمله. وحتى تسير الأمور بسلاسة لا تتدخل في أعمال الآخرين. ويعتبر ذلك في غاية الأهمية لأن الخيار الآخر هو التحكم والسيطرة والتدخل في كل صغيرة وكبيرة. وهذا ما يقود أعضاء هيئة التدريس والطلاب إلى الجنون وبالتالي لن يفلحوا في شيء.

حدثنا عن جهود جامعة كوتش للتواصل مع الجامعات الأخرى على المستويين الدولي والإقليمي.

لدينا برامج للتبادل مع عدد كبير من الجامعات، فحوالي 90 في المئة من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة حاصلون على درجات الدكتوراه من الخارج، ولا تزال تربطهم علاقات مع هذه الجامعات ونحن نستفيد من ذلك، فمن خلال هذه الروابط أسسنا برامج للتبادل. فنحن نحاول إجراء أبحاث مشتركة وتبادل الزيارات بين الأساتذة.

قضيت جزءًا كبيرًا من حياتك المهنية في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا. فكيف استفادت جامعة كوتش من هذه الخبرة؟

هذا ما يميزني عن زملائي هنا لأنني رأيت هذا النموذج الجديد الذي أتحدث عنه وعايشته، هذا النموذج من البيئة الأكاديمية الحرة التي تشجع الأكاديميين على التميز، وعلى إجراء الأبحاث ودمج التدريس مع الأبحاث؛ حيث تعتبر جامعة ستانفورد من أفضل الجامعات التي تطبق هذا النموذج. كما أشرفت على تخريج 60 طالبًا للدكتوراه في جامعة ستانفورد وأفهم جيدًا ما الذي يعنيه العمل مع طلاب الدكتوراه وحجم الاستفادة التي يحصل عليها المرء من خلال العمل مع هؤلاء الشباب والإشراف على أبحاثهم. فلقد تبلورت هذه الخبرة في ذهني ودفعتني للتركيز على أهم ما يميز الجامعات البحثية؛ ألا وهو الأساتذة والطلاب وتركيزهم على التميز البحثي. ومن هنا، يجب على الجامعات البحثية أن تركز في المقام الأول على الأبحاث بالإضافة إلى التدريس.

 كيف تخلق بيئة تضم أفضل أعضاء هيئة التدريس؟

ينبغي في البداية أن تحافظ على أفضل المعايير؛ حيث تعتمد معايير الترقي والتقييم والتعيين هنا على الخطابات الخارجية.فعند الترقية من أستاذ مشارك إلى أستاذ، يجب أن يحصل الشخص على خطابات من 10 أساتذة في هذا المجال على مستوى العالم تضم آرائهم حوله، ولا يوجد أي معيار آخر أهم من هذه الخطابات. ومن هنا نعين الأساتذة المتميزين ممن يستقطبون بدورهم زملائهم وهكذا تسير الأمور. يحرص الناس على الجودة وبالتالي أعضاء هيئة التدريس المتميزون يجذبون أمثالهم.

ما الذي تتميز به تركيا فيما يتعلق بالتعليم العالي؟

تشجع الجامعات بعضها البعض على التميز. فإذا خلقت البيئة التي تعزز التميز، سيلعب التنافس للوصول إلى القمة بعد ذلك دوره بين الجامعات. قد استفدنا هنا في تركيا كثيرًا من ذلك. كما نستفيد كثيرًا من اختبار القبول في الجامعات، والذي قد يفتقر إلى بعض الأبعاد وبالتالي يخفق فيه بعض الطلاب، ولكنه إلى حد كبير يحقق المساواة في الفرص، وبالتالي أي طالب – حتى من أبعد الأماكن في شرق تركيا – إذا كان يتميز بالذكاء وحقق نتائج جيدة في الاختبار يمكنه الالتحاق بهذه الجامعة أو غيرها من الجامعات المتميزة. ولا توجد أية مساومة في ذلك، فلا يمكن لأي شخص أن يتصل بي ويسألني لماذا لم تقبل هذا الطالب على سبيل المثال. فإذا لم يتميز الطالب في الاختبار، لا يمكنني أن أقبله. ولا أدري إذا كان الوضع كذلك في الدول الأخرى، ولكنه إذا لم يكن كذلك، فبالتأكيد هذه ميزة تتمتع بها تركيا.

 تم تحرير هذا الحوار بغرض التوضيح والإيجاز.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام