طرق بسيطة لتحسين التجربة التعليمية للاجئين السوريين

/ 22-01-2015

طرق بسيطة لتحسين التجربة التعليمية للاجئين السوريين

دفع الصراع الذي نشب في سوريا في عام 2011 ملايين من السوريين إلى النزوح خارج بلادهم؛ حيث لجأ ما يزيد عن 1.4 مليون سوري إلى لبنان، الدولة الصغيرة المجاورة لسوريا ذات الموارد المحدودة والتي تعاني أصلًا من الكثير من المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويشكل الأطفال أكثر من نصف اللاجئين، ومن بينهم 400000 في سن الدراسة.

عدا عن صعوبة الالتحاق بالمدارس بسبب الأعداد الكبيرة للطلاب، واجه الأطفال السوريون ممن سنحت لهم الفرصة للالتحاق بالمدرسة عائقًاً كبيرًاً يتمثل بلغة التعليم، حيث تُدرس المناهج اللبنانية باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، بينما لم تكن اللغات الأجنبية تلقى الاهتمام اللازم في سوريا، ومن ثمَّ لم يحظ الطلاب بفرصة إجادتها. وقد عبّر سامر، البالغ من العمر 12 عامًا من الرقة عن هذا الواقع “في سوريا، حتى اللغة الإنجليزية كنا ندرسها بالعربية.”
شاركتُ مع فريق من الباحثين في إعداد دراسة ميدانية على نطاق ضيق في ربيع 2014 في مركز تعليمي غير رسمي في بيروت تديره المنظمة غير الربحية “جسور”. كنا نهدف في المقام الأول إلى فهم المخاطر المختلفة، والأصول، والعمليات الأساسية التي تؤثر على تحصيل الطلاب من اللاجئين السوريين في المدارس اللبنانية العامة.
وعلى الرغم من ضيق نطاق الدراسة، إلا أنها كشفت مدى صعوبة الوضع والتحديات التي يواجهها الأطفال السوريون في المدارس اللبنانية. و لكنها بينت أيضا أن المتطوعين من المدرسين السوريين يمكنهم بالفعل تحقيق تأثير إيجابي.

ما هي طبيعة المخاطر التي اكتشفناها؟
لا تنحصر الصعوبات التي تواجه الأطفال السوريين في المدارس البنانية في لغة تدريس المناهج؛ حيث تشير الدراسة إلى أن الأطفال يمكنهم تخطي هذا العائق بسهولة من خلال وسائل دعم تقليدية مثل تكريس ساعات إضافية لتدريس اللغات خارج حدود المنهج أو الالتحاق بالدورات الصيفية لتعليم اللغات. ولكن هناك صعوبات أخرى غير ظاهرة وبالتالي لا تؤخذ عادة في الاعتبار عند تصميم برامج تعليم اللاجئين. فعلى سبيل المثال، اكتشفت الدراسة أن أولياء الأمور السوريين من المستويات الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة يلعبون دورًا حاسمًا في تعليم أطفالهم. فعلى الرغم من الرغبة القوية لدى معظم الآباء في إتاحة التعليم لأولادهم، ولكن – باعتبارهم لاجئين – فهم لا يمتلكون دومًا الوسائل المناسبة التي تمكنهم من دعم أولادهم بفاعلية خلال رحلة التعليم الشاقة. ففي بعض الأحيان، قد يُجبرون على دفع أولادهم إلى العمل، وفي أحيان أخرى لا يحصلون على المعلومات الصحيحة حول الفرص المتاحة للتعليم.
وبالإضافة إلى ذلك كله، يُظهر الأطفال الذين ينتمون إلى مستويات اجتماعية اقتصادية تصرفات وردود فعل أكثر عنفًا من نظرائهم نتيجة العنف الذي عايشوه في سوريا أو داخل أُسرهم . ويتفاعل هؤلاء الأطفال بحساسية أكبر تجاه التمييز ضدهم في المدارس. تجعل هذه العوامل مجتمعة هذه الشريحة من الأطفال أقل تحملاً للضغوط وبالتالي يتسربون من المدارس بشكل أسرع. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون تنظيم دورات لتعليم اللغات كافيًا، وقد يكون لبرامج دعم وتوعية موجهة للآباء تأثيرًا أكثر إيجابية في عدم تسرب هؤلاء الأطفال من المدارس.
تكشف الدراسة أيضًا أن شعور الأطفال السوريين بالتمييز ضدهم وبالإقصاء عن نظرائهم من اللبنانيين في المدارس نابعٌ من إدراكهم الشخصي ولا يتعلق بالضرورة بأحداث بعينها، إلا في حالات بسيطة، مما يشير إلى أن تصميم برامج ونشاطات تجمع الأطفال السوريين واللبنانيين سيكون له دور إيجابي يساعد الأطفال السوريين على التكيف في المدارس ويحث نظرائهم من اللبنانيين على الشعور بالمسؤولية وقبول الآخر، بل ويمكن أيضًا أن يعزز من التماسك الاجتماعي في المجتمعات المضيفة.
في حين قلَّ الحديث عن ممارسة الطلاب اللبنانين للتمييز ضد السوريين، أشار الآباء والأطفال السوريون إلى كثير من حالات سوء المعاملة والتمييز من قبل الإداريين والمدرسين في المدارس. ومن ثم، نحن نعتقد أن ذلك عائد إلى افتقار الكادرالتعليمي اللبناني للتدريب اللازم لمعرفة كيفية التعامل مع الأعداد كبيرة من الأطفال السوريين من ذوي الاحتياجات التعليمية والنفسية الخاصة ممن التحقوا بمدارسهم.

ما هي مواطن الدعم التي يمكن الاعتماد عليها ؟
كشفت الدراسة بعض مكامن القوة التي يمكن الاعتماد عليها لإتاحة تعليم فعال للأطفال السوريين، ونقصد تحديدًا الدعم الذي يحصل عليه الأطفال في مراكز التعليم غير التقليدي التي يديرها مغتربون ومتطوعون سوريون. فإلى جانب التعليم، يوفر المتطوعون السوريون للأطفال في هذه المراكز الدعم العاطفي والاجتماعي والنفسي، وفي بعض الأحيان الدعم المالي المحدود.
حاليًا، لا يتيح النظام التعليمي اللبناني العام مكانًا للمدرسين السوريين للمشاركة في تعليم أطفال اللاجئين، على الرغم من قدرتهم على تحديد الاحتياجات التعليمية للاجئين بشكل أفضل من نظرائهم اللبنانين. ولذلك نعتقد أن البرامج التي تشجع على التعاون بين المدرسين اللبنانيين والسوريين في تعليم الأطفال السوريين ستحسن من التجربة المدرسية للطلاب وتعزز من التماسك الاجتماعي في البيئة الحاضنة.
توصياتنا
على الرغم من محدودية البحث الذي أجريناه، إلا أن نتائجه قد تكون نقطة بداية لبرنامج أفضل لتعليم أطفال اللاجئين السوريين. ففي البداية، بدت المشكلات الأساسية في لبنان متعلقة بعائق اللغة وسوء المعاملة في المدارس، ولكن الدراسة كشفت أن الطلاب الذي يحصلون على دعم مناسب في بيوتهم غالبًا ما يتخطون عائق اللغة بنجاح، ويكون لديهم دافع قوي للذهاب إلى المدرسة وحماية أنفسهم من الآثار السلبية لسوء المعاملة والتمييز ضدهم. أما الأطفال الذين يفتقرون إلى الدعم من أولياء أمورهم فقد لا يكون لديهم الوعي والطاقة الكافيين للاستمرار في الذهاب إلى المدرسة رغم الصعوبات التي يلاقونها، وبالتالي يكونون أكثر عرضة للتسرب من المدارس.
نعتقد أنه يجب أن تؤخذ هذه النتائج في الحسبان عند تصميم برامج تعليمية مستقبلية حتى في دول الجوار الأخرى التي تضم مجتمعات كبيرة من اللاجئين السوريين. وتؤكد هذه النتائج على أن البرامج الناجحة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار حقيقة الخلفية الاجتماعية للأطفال وتحرص على تقديم الدعم لأولياء أمورهم. ويجب أن تشرح هذه البرامج لأولياء الأمور أهمية التعليم لأطفالهم، وما الذي يمكن أن يتوقعوه من المدارس المحلية، ودورهم في دعم أطفالهم.
عدا عن ذلك، بينت الدراسة الدور الإيجابي للمتطوعين السوريين. من المؤكد أن تعاون المعلمين المحليّين الملمين جيدًا بالمناهج مع المعلمين السوريين الذي يتمتعون بطاقةٍ وبمنظور اجتماعي مختلفٍ، ويعرفون الاحتياجات التعليمية والعاطفية للأطفال، سيساعد الطلاب على التكيف والتطور بشكل جيد في الأجواء التعليمية الجديدة.
لا شك أن هذه السياسات تحتاج إلى استثمارات قوية ودعم حكومي حتى تحقق النجاح، وإذا تم تطبيقها بشكل سليم لن يشعر المعلمون في الدول المضيفة بأي تهديد أو منافسة من قبل المعلمين السوريين. وسيخلق ذلك بدوره تماسكًا اجتماعيًا أفضل بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، فمع الأسف يبدو أن اللاجئين سيجبرون على البقاء في هذه المجتمعات أكثر مما نريد جميعًا.

* علا أبو عمشة باحثة سورية، حاصلة على شهادة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر و مهتمة باستخدام التقنيات التعليمية في التعليم العالي. منذ بداية الأزمة السورية، انصب اهتمامها على التعليم في حالات الطوارئ.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام