حوار مع أحد أكثر رؤساء الجامعات “مثابرةً” في المغرب

/ 15-06-2016

حوار مع أحد أكثر رؤساء الجامعات “مثابرةً” في المغرب

أغادير- تضم جامعة ابن زهر – الواقعة في جنوب المنطقة الساحلية في المغرب والتي تجذب السائحين الباحثين عن دفء أشعة الشمس – أكثر من 80000 طالب وهو ما يعادل حوالي أربعة أضعاف طلاب جامعة أكسفورد. ولكن بطريقة أو بأخرى ينجح عمر حلي، رئيس جامعة ابن زهر، في إدارة الجامعة بكفاءة مع قلة الموارد المتاحة لديه مقارنة بجامعة أكسفورد. يقول الرئيس حلي، وهو أستاذ سابق في اللغة العربية، إنه يحرص دائمًا على التواصل مع الأطراف المختلفة في الجامعة.

ويبدو أن ذلك صحيحًا بالفعل. فلقد تخللت المقابلة القصيرة نسبيًا التي أجريت معه عدة مقاطعات من هواتفه المحمولة. يقول مارتن روز، مدير المجلس البريطاني في المغرب “قد يكون الأمر مثيرًا للضيق عندما تكون معه، لديه حوالي أربعة هواتف محمولة وهو دائمًا يستخدم إحداهم.”

يحمل حلي، والذي تجمع شخصيته بين الدماثة والشدة والبساطة، بداخله شعورًا بالتصميم والإيجابية. يقول مارتن روز “لم يستسلم حلي أبدًا للنظام والذي يمكن أن يكون غير عملي على الإطلاق هنا في المغرب. فهناك بعض الأشخاص الذين يخضعون للنظام ثم يشتكون منه، ولكن حلي ليس واحدًا منهم. فهو شخص لا يقبل بالهزيمة.”

تبعد الجامعة التي يرأسها حلي بمسافة يوم عن المركزين السياسيين والاقتصاديين في المغرب وهما الدار البيضاء والرباط. ولهذا السبب، يشعر بعض الأكاديميين في جامعة ابن زهر بالتهميش. لكن حلي يعمل جاهدًا لإيصال صوت الجامعة إلى وزارة التعليم وغيرها من الهيئات المعنية. فإذا كان حلي يُرى أحيانًا كشخص مثابر ولحوح، إلا أنه نجح في تأسيس مجموعة من المباني في الحرم الجامعي في أغادير والتي لا تختلف كثيرًا عن المباني في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من ضعف الموارد في الموازنة.

كما نجح أيضًا في الحفاظ على جو من السلم داخل الحرم الجامعي في الوقت الذي انصاعت في جامعات أخرى لصدامات سياسية عنيفة. قال روز “هناك توترات وعنف دائم بين المجموعات العرقية في الجامعات المغربية. ولكن يتم التعامل معها بشكل فعال في جامعة ابن زهر. ففي مدينة فاس قد تتطور الصراعات إلى قتال بالسيوف، ولكن الوضع أهدأ بكثير في أغادير.”

تحدثت الفنار للإعلام مع الرئيس حلي (وتابعت الحوار معه بالبريد الإلكتروني) وذلك في أحد فنادق أغادير المطلة على البحر في أعقاب مؤتمر حول فرص التوظيف المتاحة لطلاب جامعته بعد تخرجهم.

ما هي خلفيتك الأكاديمية، وكيف أصبحت رئيسًا للجامعة؟

أنا أساسًا أستاذ جامعي. فأنا هنا منذ حصولي على درجة البكالوريوس، وهو ما يعادل 27 عامًا من العمل في الجامعة، بالإضافة إلى أربع سنوات دراسية! ولقد شغلت منصب نائب رئيس الجامعة لثماني سنوات وتوليت منصب رئيس الجامعة منذ ثلاث سنوات.

ما هو الدافع وراء بقائك في نفس المؤسسة طوال هذه المدة؟

أنا معجب بديناميكية هذا المكان، حيث تتوفر هنا عناصر النجاح والقدرة على تحقيق الكثير، ولكن علينا أن ندير العجلة. فأنا لا أحاول أن أخترعها ولكن كل ما أحاول فعله هو فقط إدارتها.

هناك الكثير من أعمال العنف الدائرة داخل الجامعات في المغرب، فهل الوضع أهدأ في جامعة ابن زهر؟ ولماذا؟

يسود العنف اليوم أنحاء المجتمع بصفة عامة أكثر من أي وقت مضى. يبدو أن الشباب والكبار على حد سواء يتقبلون مختلف “الحقائق” كما تبدو ظاهريًا بدون تفكير أو تساؤل أو في بعض الأحيان تقييم للمخاطر. لم يكن الوضع كذلك منذ عده عقود. فلم يكن من الممكن تقبل العنف كتيار سائد. في الماضي، كان العنف سببه قمع المتظاهرين، ولكن الجامعة لم تعد منصة لهذا العنف عندما فقد اتحاد الطلاب في المغرب اهتمامه وصلته بالموضوع. لكن لا تزال هناك بعض الأمور اليوم التي تؤدي إلى استخدام العنف في جامعتي،إلا أن الطلاب يفهمون جيدًا خطورة الوضع. والأمر يحتاج إلى الكثير من العمل لنحافظ على هدوء الأوضاع.

ما الذي يمنع جامعتك من تحقيق صيت عالمي؟ 

نحن نعاني من مشكلة في العلاقة بين أبحاث العلوم الأساسية وأبحاث العلوم التطبيقية. تحتاج المغرب هذه الأيام إلى أبحاث العلوم التطبيقية، حيث يؤمن القطاع الخاص والمجتمع المغربي بشكل عام بأن التنمية تُحقق من خلال الأبحاث العملية، مما يعني أن الناس ينتظرون نتائج ملموسة من هذه الأبحاث (يمكنها أن تحسن الأوضاع وتغيرها). مع الأسف، تعمل الجامعة وحدها في هذا المجال وقد أعطت الأولوية للأبحاث الأساسية، وهذه هي المشكلة الأولى. أما المشكة الثانية فهي تكمن في صورة الجامعة نفسها. فمن خلال اتباع النموذج الفرنسي في التعليم، كانت الجامعة دائمًا تركز على ما يعرف بــــــ “المعرفة المتناهية”. وأن أتحدث هنا عن منهج تقليدي كلاسيكي سامي مستمد من فلسفة القرن الثامن عشر. ومن ثم، يُنظر للجامعة بأنها بعيدة عن المجتمع كمؤسسة للتميز. وأنا أسعى الآن إلى دفع الجامعة للتفكير في إيجاد وسيلة لتصحيح هذه العلاقة بهدف تطوير المجتمع الذي ننتمي إليه.

ما الذي تقترحه لتحقيق التوازن لصالح الأبحاث الأكثر عملية؟

باعتبارنا جامعة كبيرة، نظمنا هذا العام مؤتمرات بحثية رأينا من خلالها بوضوح ما نقوم به من أبحاث وتمكنا من تصنيفها بشكل دقيق. وكان الهدف من وراء ذلك هو تسهيل الأمور بالنسبة للجيل القادم من العلماء في الجامعة. فيجب أن نعد شباب الباحثين من خلال منهج جديد وفكر مختلف، يسمح لنا بمعرفة الاحتياجات الحقيقية للعالم. فعلى سبيل المثال، نتحدث هذه الأيام أكثر وأكثر عن علم الأحياء والتنوع الحيوي، الذي أعتقد أنه يفيد المجتمع. فنحن نستخدم العلوم الحيوية للوصول لقيمة ثقافية ومالية للمنتجات المغربية التي تصنع في المنازل مثل زيت أرغان.

على الأقل، يجب أن ننظر إلى المعامل البحثية لدينا ونتعرف جيدًا على يقومون به ونعيد تصنيفه. وبعد ذلك يمكننا أن نجري نقاشًا حقيقيًا حول العلوم الأساسية مقارنة بالعلوم التطبيقية. وأتمنى أن يشجع ذلك على دعم أبحاثنا في الوقت الذي نولي فيه المزيد من الاهتمام بالبحث العلمي. وجامعتنا لديها القدرة على تحقيق ذلك. وأنا أفتخر لأنني نجحت في خلق جو من الثقة بين مختلف الأطراف المعنية في الجامعة، وقد تحقق ذلك كله بفضل دعم الوزارة لكافة مبادراتنا.

هل يمكن أن تصف لنا المشهد العلمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

في الواقع لا يوجد هناك مشهد علمي واحد لهذه المنطقة. يعتبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منطقة واحدة، ولكن من الخطأ أن نفترض أن البحث العلمي واحد في جميع أنحاء منطقة الشرق الوسط وشمال إفريقيا. فهناك الكثير من الاختلافات بين الدول ومختلف الجامعات فيها. فالنمو الاقتصادي والطبيعة السياسية لكل دولة يلعبان دورًا أساسيًا ومؤثرًا في النشاط البحثي في الجامعة. فيما يتعلق بالأبحاث، أعتقد أن المغرب قريبة من تونس ولكنها بعيدة جدًا عن الجزائر على الرغم من قرب المسافة بينهما.

يبدو أن المغرب لديها إيقاع وأخلاقيات في العمل تفصلها عن الجزائر، والتي تمتلك موارد أكثر منا، ولكنها لا تتكيف بسهولة ولا تتبع نفس الإيقاع. ومصر والسودان تختلفان عن المغرب. ولن أسهب في الحديث عن كل دولة في المنطقة، ولكن يكفي أن أقول أننا مختلفون ولكن من السهل جمعنا وتصنيف أبحاثنا على أنها “أجريت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”. فعندما تتحدث عن أبحاث منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قد تظن أنها كيان متجانس، ولكن واقعيًا نجد أنفسنا على خريطة شديدة التفاوت. 

كما لا يوجد حوار متعلق بالأبحاث بين بلادنا كما قد تتصور. وبدون أي تعاون أفقي ملحوظ على الخريطة، لا يمكننا أن نتحدث عن منطقة منتجة تشهد تبادلاً حقيقيًا يسمح لنا بأن نتحدث عن منطقة منظمة، مقارنة بالتعاون الأوروبي حيث يوجد استراتيجيات وعلاقات واضحة بين الدول.

ما هي التغييرات الإضافية التي إذا طرأت على النظام المغربي سيكون من شأنها أن تساعد رؤساء الجامعات؟

أي تغيير يساعدنا على تحقيق الأفضل، وعلى الابتكار، وتزويد شبابنا بالأمل في تطوير بلادنا. في بعض الأحيان، يكون كل ما نحتاجه هو تجاوز الأفكار التقليدية التي يمكن أن تعوقنا عن تحقيق النجاح.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام