حوار مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي

/ 15-06-2016

حوار مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي

بغداد— في مكتبه وسط العاصمة بغداد، تحدث وزير التعليم العالي والبحث العلمي علي الأديب الذي يوصف بأنه أكثر الوزراء والساسة العراقيين أناقة وهدوءاً بإسهاب عن واقع التعليم في البلاد خصوصا تلك التفاصيل التي تتعلق بفترة تسلمه للوزارة والتي امتدت على مدى ثلاث سنوات وبضعة أشهر.

درس علي الأديب علم النفس بجامعة بغداد أواسط ستينيات القرن الماضي، وقام بتدريس العديد من المواد ذات الاختصاص التربوي مثل طرائق التدريس العامة والخاصة وعلم نفس الطفل والإدارة المدرسية وعلم النفس التربوي. تعرض الأديب للملاحقة من قبل النظام السابق بسبب مواقفه المعارضة، ثم عاد الى العراق عام 2003 وشارك في كتابة الدستور العراقي الجديد. كما انتخب عضوا في البرلمان لدورتين متتاليتين قبل أن يتسلم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 27 ديسمبر عام 2010. حصل على شهادة الماجستير في علم النفس من الجامعة المستنصرية عام 2009.

• بعد مرور ثلاثة اعوام على استلامك لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، كيف تصف واقع التعليم في البلاد اليوم؟ 

خسر العراق ثلاثة عقود كاملة من التطور المعرفي والحضاري جراء الحروب والصراعات التي عصفت به، والانهاك الذي أصاب المنظومة التعليمية كان حاداً جداً. بدأت عملي استناداً إلى استراتجية تهدف إلى ردم الهوة المعرفية والتعليمية بين العراق وباقي الدول العربية. لكن لا يمكن المراهنة على أن هوة معرفية بهذا الحجم يمكن تجاوزها خلال عامين أو ثلاثة. إلا أن ما تحقق خلال الأعوام الثلاثة الماضية كان نقلة نوعية أعادت للتعليم العالي حيويته ومنحته القدرة على السير ثانية باتجاه المراتب المتقدمة التي كان يحتلها في عموم المنطقة العربية قبل عقود.

• كيف يمكننا قياس هذا التقدم، هل هناك معطيات يمكن من خلالها معرفة مقدار ما تحقق في قطاع التعليم مؤخرا؟

لا يتعلق الأمر هنا بالمعطيات الكمية فقط، فالتعليم العالي في الغالب يتعامل مع معطيات لا يمكن قياسها بوحدات القياس المتعارف عليها، نحن معنيون أساسا باستثمار العقل البشري وتنميته وتطويره. لكن في ذات الوقت، تشير خارطة التعليم العالي العراقي الحالية، إلى حجم التحول الذي طرأ عليه. فخلال ثلاث سنوات ارتفع عدد الجامعات الحكومية من 19 جامعة حكومية (بمعدل جامعة واحدة لكل 1.7 مليون مواطن)، إلى 29 جامعة حكومية (جامعة لكل 1.1 مليون مواطن). هذا التوسع الكبير اقترن بتوسع مواز في التعليم الخاص بحيث ارتفع عدد الكليات والجامعات الخاصة من 26 الى 42 خلال الاعوام 2011- 2014. إضافة إلى توسع آخر داخل الجامعات العراقية نفسها، حيث تم استحداث 69 كلية جديدة.

مجموع هذه الزيادة في المؤسسات التعليمية ساعدنا في استقطاب أعداد جديدة من الطلبة على مدى الأعوام الماضية، بحيث ارتفع عدد الطلاب من ما يقارب الـ 93 الف طالب إلى 160 الف طالب في الدراسات الحكومية. في حين يقارب مجموع عدد الطلاب في الجامعات الحكومية والخاصة ربع مليون طالب وطالبة التحقوا بالدراسة الجامعية هذا العام. بينما يقارب مجموع طلاب الجامعات الحكومية والخاصة الـ 700 ألف طالب وطالبة. يتجاوز معدل نمو أعداد الطلاب سنوياً الـ 6 في المئة، وهي نسبة عالية مقارنة بمعدل النمو السكاني العراقي البالغ 2.8 في المئة.

• ماهي الأسباب التي دفعتكم إلى تأسيس كل هذه الجامعات؟ 

اعتمادنا على حاجة المجتمع العراقي نفسه، وخصوصية المدن العراقية . فهي جامعات متخصصة تعمل وفقا للبيئة التي تتواجد فيها. قبل عامين لم يكن في العراق جامعة متخصصة بالنفط والغاز رغم أن موازنة الدولة العراقية تعتمد بنسبة 95 في المئة على الموارد النفطية، ويمتلك العراق ثالث احتياطي نفطي في العالم كما أنه ثالث منتج للنفط في دول الأوبك. لهذا افتتحنا جامعة القرنة للنفط والغاز التي ستعنى بتوفير مهندسين في الصناعات الاستخراجية والتحويلية للنفط والغاز. ذات الأمر، يتعلق بباقي الجامعات التي تم تأسيسها. فجامعة الفلوجة ستكون متخصصة بالمجالات الزراعية، ولدينا جامعة صديقة للبيئة هي جامعة القاسم الخضراء، وكذلك هو الحال في باقي الجامعات الجديدة .

• لكن هل لديكم القدرة على توفير الكوادر تدريسية اللازمة للتعامل مع هذا العدد الكبير من الطلبة، وما هي الفائدة التي ترجونها من تخريج هذه الأعداد الكبيرة في ظل غياب فرص العمل في القطاع الخاص العراقي كما هو معروف؟

ابدأ بالاجابة عن الشق الثاني من السؤال، لأنه بالفعل كان موضع بحث متواصل بيننا وبين وزارتي التحطيط والمالية، وأيضا مع مجلس الوزراء. الفكرة التي نطرحها هنا أن العراق مر بمرحلة تجهيل اجباري لأكثر من جيلين، بدلاً من مقاعد الدراسة كان الشباب يتوجهون الى الخنادق في حرب 1980-1988 وحرب 1990- 1991، لاحقا تراجعت معدلات الملتحقين بالدراسات الجامعية في فترة الحصار الاقتصادي الذي مر على العراق بين عامي 1991 و2003 لأن فرص العمل كانت معدومة ورواتب المتخرجين من الجامعة لم تكن تتعدى بضعة دولارات في احسن الاحوال.

هذه النكبة المعرفية والاجتماعية التي مر بها العراق خلال أكثر من 33 عاما، اوقعته في ازمة ثقافية وتعليمية واجتماعية كانت تحتاج الى تشجيع الشباب على اكتساب المزيد والمزيد من فرص التعليم، لا من أجل الحصول على فرص عمل فقط ولكن لتطوير معارفهم الاجتماعية والثقافية. 

بالنسبة للشق الأول، لا أحد يمكنه ان يشكك بالعمق والرصانة التي يتمتع بها العراق في قطاع التعليم العالي، فيما مضى كان العراق في صدارة المشهد التعليمي العربي على مدى قرن كامل. نحن حريصون على توفير الدعم لكل الكفاءات. لذلك اعتمدنا خطة واسعة لتطوير الكوادر التدريسية تمثلت بإطلاق أكبر حملة ابتعاث في تاريخ العراق الحديث، تتضمن إرسال 10 آلاف طالب وطالبة للحصول على شهادة الدكتوراة من جامعات عالمية. تطلب العمل على اطلاق هذه الحملة الموسعة اقناع مجلس الوزراء ووزارة التخطيط ووزارة المالية بزيادة ميزانية الابتعاث من 80 مليون دولار الى نحو 350 مليون دولار لتأمين ارسال هؤلاء الطلاب. كما تشرف الوزارة حاليا على ما يقارب عشرة الاف طالب يدرسون على نفقتهم الخاصة في الكثير من بلدان العالم.

• لكن هل تمتلك الجامعات العراقية بنية تحتية مؤهلة لتقديم كل هذه الخدمات التعليمية؟ 

بالنسبة للبنية التحتية للتخصصات العلمية، لم تكن حتى وقت قريب متكاملة بالشكل الذي يوزاي حاجة الجامعات العراقية، من المعروف أن آخر عملية تحديث كانت عام 1982. كما أن جزء كبير من المستلزمات العلمية تعرض للتدمير خلال حربي 1991 و2003، وعدد كبير منها تم سرقته او تخريبه خلال احداث 2003. كي نعالج هذا الخلل الكبير، أطلقنا قبل عامين مشروعاً ريادياً ضخماً بقيمة (1,6) ترليون دينار عراقي (نحو 1,3 مليار دولار) ويهدف الى توفير أكثر من 100 الف مختبر علمي وجهاز طبي وهندسي متطور لتأهيل كامل البنية العلمية في الجامعات، المرحلة الاولى من المشروع نفذته شركة ألمانية لتوفير الاجهزة المختبرية الخاصة بالتخصصات الطبية، المرحلة اللاحقة ستشمل توفير الاجهزة المتعلقة بالاختصاصات الهندسية والعلوم والتربية. فيما يتعلق بالأبنية الجامعية، ترتكز خطتنا التي نطبقها منذ ثلاث سنوات على تحويل الجامعات العراقية إلى مدن جامعية متكاملة تحتوي على الخدمات اللازمة لضمان بيئة عمل أكاديمية مستقرة.

• كيف تقيمون مشاركة المرأة في قطاع التعليم؟ 

كان العراق من أوائل البدان العربية في توزير النساء ومنحهن مناصب قيادية منذ خمسينيات القرن الماضي. ومع ذلك، فإن مشاركتهن كانت ضعيفة في التعليم. اليوم لدينا أكثر من 40 عميدة كلية ومساعدة رئيس جامعة ومديرة مركز بحثي، ولدينا أيضا أول رئيسة جامعة في تاريخ العراق هي الدكتور صبا عدنان رئيسة جامعة تكريت.

• قبل أيام قلائل، اقتحم انتحاريون إحدى كليات العاصمة بغداد وقتلوا وجرحوا عدداُ من الطلبة، بعد يوم واحد فقط حاول انتحاري اقتحام كلية في مدينة بعقوبة، كيف يمكن تنفيذ خطتكم لتطوير التعليم العالي في ظل تردي للأوضاع الأمنية ؟ 

بلا شك يعتبر الأمن ضمن الاولويات التي تشغلنا على الدوام، الأجهزة الامنية تحاول توفير أقصى درجات الحماية للجامعات. لكن المشكلة تكمن في انتشار الفكر الإرهابي. تعرض المئات من الأساتذة لتهديدات بالقتل من تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة. وكان واضحا لنا منذ البداية أنهم يريدون تفريغ العقول في البلاد لوقف أي فرصة للتنمية والاستقرار. ولكن لابد من القول أيضا أن وتيرة العنف قد خفت منذ عام 2008، مما شجع مئات من أساتذة الجامعات للعودة إلى البلاد. في أقل من عامين، عاد أكثر من 570 من أساتذة الجامعات بسبب تشجيعنا لهم على العودة ووفرنا لهم درجات وظيفية وامتيازات مشجعة. 

• دعوت مؤخراً الأساتذة والباحثين لدراسة ظاهرة التفجيرات الانتحارية، كيف يمكن تنفيذ ذلك؟ 

نحن تبنينا برنامج مراجعة وتحديث لمناهج الدراسات التاريخية والاسلامية وباقي العلوم الانسانية، ذلك أن أغلب المناهج في العالمين العربي والاسلامي مليئة بمحركات الصراع من حوادث تاريخية مختلف عليها من الاساس، هذه المناهج لا تتوقف عن انتاج المتعصبين ضيقي الافق الذين يحملون في عقولهم قنابل موقوتة يمكن ان تنفجر في أي لحظة. في الأساس نحن نريد حماية شبابنا من الوقوع في فخ التطرف وكراهية الاخر، أغلب ما يسمون بأمراء تنظيم القاعدة تخرجوا من كليات الشريعة في العراق. ايضا، نحن ندرك حجم الثروات البشرية والمادية التي تتعرض لها الانسانية جمعاء في العنف الناشئ عن التطرف، وهي ثروات جبارة لا يمكن لنا تعويضها نطلقا، لهذا نحن نؤمن أن كل دولارا نخسره في سبيل صناعة مناهج دراسية متطورة وخالية من الافكار العنفية سيحفظ لنا أرواح آلاف الأبرياء الذين يذهبون ضحية الارهاب، ليس في العراق فحسب، بل في كل بلدان العالم.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام