جدل حول تدريس نظرية التطور البشري في الفصول الدراسية

/ 03-02-2017

جدل حول تدريس نظرية التطور البشري في الفصول الدراسية

الرباط، المغرب- على باب مكتب الأستاذة  توريا بنازور عُلقت قصاصة من مجلة لصورة تشارلز داروين.

وضعت بنازور الصورة عندما بدأت في تدريس التطور البشري منذ 25 عامًا، وكانت واحدة من أوائل الأساتذة الذين تطرقوا لهذه القضية الجدلية الحساسة في الفصول الدراسية المغربية. اليوم، تدرس بنازور برنامج الماجستير في جامعة محمد الخامس، وهي واحدة من أقدم مؤسسات التعليم العالي العامة في العاصمة المغربية الرباط. وتقول بنازور إن الدورة التي تدرسها على مدار الفصل الدراسي حول نظرية التطور لا تزال الأولى من نوعها على مستوى الجامعات العامة. “يرغب الطلاب في معرفة المزيد، ولكنني لا أعلم مدى تصديقهم لهذه النظرية.”

 يعتبر طلاب بنازور هم الاستثناء بالنسبة لغيرهم من الطلاب الذين لم يسمعوا عن هذه النظرية. فمعظم الطلاب اليوم في المغرب ينهون تعليمهم الثانوي والجامعي دون معرفة أي شيء عن اسم “داروين” أو مصطلح “الاصطفاء الطبيعي”. ويشير تجنب تدريس نظرية التطور إلى التوتر القائم بين الإسلام والعلم في واحدة من أكثر البلدان الإسلامية تحررًا.

تبدأ كتب العلوم في المغرب بصفة عامة بذكر الله، وذكر القليل حول التقدم الكبير في علم الأحياء من خلال كتاب داروين بعنوان “أصل الأنواع”. وتتضح في المناهج المغربية محاولات تجنب التطرق لهذا الموضوع؛ حيث تشير القليل من الكتب الدراسية والمحاضرات إلى الاصطفاء الطبيعي، ولكن فقط في السياق المتعلق بالنباتات وغيرها من الحيوانات.

من ناحية أخرى، ينتشر قبول نظرية التطور بين العلماء في الغرب بشكل عالمي؛ حيث يسوق لنا العلم التطوري بدوره علم الوراثة والذي يعد أساس الكثير من المستجدات الأخيرة في عالم الطب، بما فيها إمكانية تعديل العلاجات لتناسب شخصًا بذاته.

 في المغرب، لا تتفق الممارسات المؤسسية مع صورة الإسلام المعتدل التي تصر الدولة على تقديمها للغرب، والذي يرجع الفضل فيه للملك محمد السادس.

 يقول الدكتور محمد ملوك، أستاذ التربية في كلية علوم التربية في عرفان في الرباط “الأمر يرجع في معظم الأحوال للأساتذة. فالطلاب الذين يتعلمون نظرية التطور خلال السنوات الدراسية يقومون بذلك بشكل غير مباشر من خلال الإنترنت أو البرامج التليفزيونية المعروفة أو الأفلام الوثائقية أو من خلال أصدقائهم.”

 وتتذكر لبنى رياني على سبيل المثال كيف أحضرت مدرسة العلوم في المرحلة الثانوية للفصل الدراسي بعض المواد التكميلية حول التطور البشري. ولكن رياني، 22 عامًا، كانت طالبة في مدرسة خاصة يختلف منهجها عن مثيلاتها من المدارس العامة.

“تحدث الأستاذ عن أشياء كثيرة أخرى لا توجد في المنهج الدراسي.” كما أن الطلاب الذين يدرسون في المدارس الثانوية الفرنسية مثل مدرسة ليسيه ديكارت في الرباط يتلقون مستوى مختلف من التعليم، حيث يشيع تدريس التطور البشري والذي لا يعتبر من الأمور المحظورة هناك.

ولكن بالنسبة للمؤسسات العامة المتوسطة، تعزو بنازور غياب الأفكار الجدلية إلى وجود الحكومة الإسلامية الجديدة.

 فبحسب تصريحات بنازور، اشتمل نظام التعليم المغربي في الأصل على بعض الموضوعات المتعلقة بداروين عندما كانت هناك بقايا لآثار فرنسية وإسبانية على النظام. ولكن في السنوات الأخيرة، ازدادت سيادة المجلس الأعلى للعلماء المسلمين التابع للملك على المناهج الدراسية، وتم حذف أية إشارة لداروين في المقررات السابقة.

ومن المثير للانتباه أن هذه التصرفات لا تتماشى مع معتقدات الكثير في المغرب. ففي عام 2013، أكدت دراسة عن الدول الإسلامية أجراها مركز بيو للأبحاث أن المغرب تعد واحدة من أكثر الدول الإسلامية تحررًا؛ حيث يعتقد 63 في المئة من المغربيين أن البشر وغيرهم من الكائنات الحية قد تطوروا عبر الأزمنة. مما ينطوي على علاقة بسيطة بين ما يعتقده الناس وما يُدرس في الفصول الدراسية.

لايختلف الوضع كثيراً في باقي الدول العربية. يقول أستاذ مصري على دراية بواقع تعليم العلوم في المنطقة إن تدريس نظرية التطور الداروينية محظور في اليمن، وعمان، والعراق. بينما تدرس النظرية في فلسطين، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، ولبنان خاصة وأن المناهج الدراسية في معظمها مستقاة من المملكة المتحدة أو أوروبا. ومع ذلك، فإنها تدرس في فصول علم الأحياء على المستوى الجامعي فقط. فضلاً عن اعتبارها مجرد نظرية وليست حقيقة علمية مثبتة.

في عام 2009، أجرى نضال قسوم، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في الجامعة الأمريكية في الشارقة، في الإمارات العربية المتحدة، استطلاعاً في جامعته وجد من خلاله أن 62 في المئة من الأساتذة والطلاب المسلمين يعتقدون أن نظرية التطور “نظرية غير مثبتة”. في حين يعتقد 10 في المئة فقط من الأساتذة والطلاب غير المسلمين بذلك.

 تعتبر المغرب دومًا دولة مليئة بالتناقضات؛ حيث تتباهى المدن بعراقتها وقدمها، ولكن بعد قليل يتحول المشهد إلى فيلات حديثة وحدائق ممتدة وخطوط ترام مكيفة الهواء. ويتحدث أكثر من ثلث السكان اللغة الفرنسية، ويزور المدن الساحلية والأسواق الصاخبة كل عام أكثر من مليون سائح.

وتظهر بقايا قرون من الاستعمار الفرنسي والإسباني -قبل الحكم الإسلامي في 1956- جليةً في كافة أرجاء البلاد.

اليوم، يشكل سكان المغرب والبالغ تعدادهم 32 مليون نسمة بوتقة انصهرت فيها التأثيرات الأوروبية والعربية الإفريقية، مما يسهل على العالم الغربي التعايش معها أكثر من غيرها من البلدان الإسلامية. كما يتناسب اسمها وهذا المعنى، إذ تعني المغرب الغرب.

 يشرح لاتشين سجنفل، رئيس المجلس الإسلامي المحلي في تمارا-بلدة صغيرة بالقرب من الرباط- الأسباب الشائعة لرفض المسلمين لنظرية التطور البشري: فالقرآن الكريم ينص بوضوح على أن الانسان خلق من طين وماء. وبالتالي، فإن نظرية التطور باطلة.

يقول سجنفل، مشيرًا إلى اعتقاد بعض المسلمين -أنه بخلاف الكتب البشرية- القرآن كتاب كامل شامل ولن يطرأ عليه أدنى تغيير “يمكن أن تصبح أية نظرية في وقت ما محل نقاش للجميع، ولكن قد تأتي نظرية أخرى وتفندها. فهذه هي طبيعة العلم.”

توريا بنازور- جامعة محمد الخامس

ولكن ومع اعتقاد سجنفل أن التطور البشري والإسلام لا يتفقان، يحاول بعض الطلاب والأساتذة أن يجدوا توافقًا بين الاثنين. ويجادل مؤيدو داروين بأن التطور ليس مقبولاً في الإسلام فحسب، ولكنه أيضًا مثبتًا بالإسلام.

تقول ياسمين شويهات، الطالبة في قسم علم الأحياء في جامعة محمد الخامس والبالغة من عمر 19 عامًا “ينبغي أن يحاول الناس قراءة القرآن لفهم معنى التطور. وكررت ما قاله سجنفل: يتفق القرآن مع نظرية التطور في أن الحياة أصلها من الماء، ولكن، بالنسبة لها، هذا يؤيد سيادة القرآن في اتفاقه مع المبادئ التطورية.

 بدورها، تقول ليلى سبابو أستاذة علم الأحياء الجزيئي والمعلوماتية الحيوية في جامعة الملك محمد الخامس والبالغة من العمر 36 عامًا، إن الاعتقاد في التطور البشري أو عدم الاعتقاد فيه لا يؤثر على عملها.

تعرفت سبابو لأول مرة على التطور البشري كطالبة في إحدى فصول الدكتورة بنازور. وفي حين أنها لا تزال تتردد في قبول هذه النظرية “عندما تبدأ في الحديث عن الشمبانزي والقرود، أشك في ذلك”، ولكنها لا تعارض تدريس التطور البشري في الفصول الدراسية، بما أنه يُدرس كمفهوم يمكن تغييره مع تطور العلم والعلماء.

لا يعترض معظم المسلمين على التطور الميكروبي أو حتى الحيواني، كما قال سلمان حميد، أستاذ علم الفلك في كلية هامشير في الولايات المتحدة الأمريكية ومدير مركز دراسة العلوم في المجتمعات الإسلامية؛ “يعارض المسلمون التطور البشري وفكرة اشتراك البشر والحيوانات في نفس النسل.”

ويعتقد حميد، والذي يجري أبحاثًا حول سلوك المسلمين تجاه العلم الحديث ونظريتي التخلق والداروينية، أنه يمكن للقرآن أن يلهم الناس لتعلم المزيد حول الكون.”ترتبط قضيتا العلوم والدين بالتساؤل حول أصل الأنواع. وتأتي الإجابات الدينية متعلقة بالمعنى والسبب الأساسي للأشياء، بينما تهتم الإجابات العلمية بالدلائل المباشرة ولا تتناول القضايا المتعلقة بالمعنى.”  إذ يرى حميد أنه لا ينبغي أن يكون هناك تعارض بين المنهجين.

لذلك ما جاء في أبحاث مركز بيو يعد منطقيًا؛ حيث لا يرى معظم المسلمين تعارضًا بين العلم والدين. وأن نقطة الالتقاء بينهما تسمى “العلم الإسلامي”، وهو فن تفسير الآيات القرآنية لإثبات النظريات العلمية وتأكيد سيادة الإسلام فوق العلماء، وذلك في كل شيء من التطور وحتى سرعة الضوء. ويعد ذلك مثالاً على صراع الإسلام والحداثة وطريقًا لأصحاب الاتجاهات الدينية لتأكيد سيادة الإسلام.

ومن هذا المنطلق، استضافت جامعة محمد الخامس مؤتمرًا بعنوان “العلوم والتطور والإسلام” في عام 2012. حيث شهد المؤتمر مشاركة الخبراء والعلماء المسلمين الذين يدعمون أبحاثهم العلمية بآيات من القرآن. وشارك في المؤتمر أيضًا الكاتب التركي المثير للجدل هارون يحيى، والذي يستخدم الإسلام ليفند نظرية التطور.

تقول الدكتورة بنازور، والتي حضرت المؤتمر أيضًا، إن المتحدثين لجأوا للتفسيرات القسرية للحقائق العلمية. وبينما تشجع بنازور الطلاب على إيجاد أساس مشترك بين الدين ونظرية التطور البشري، تشعر أنه لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب الإسلام أو المنهج العلمي.  فقد يهدد ذلك تطور العلوم في العالم العربي.

يقول حميد “إذا أصبح علم الأحياء التطوري قضية سياسية كما هو الحال في تركيا، أو إذا تم حظر تدريسه كما هو الحال في المملكة العربية السعودية، فسيكون لذلك تأثير على تطور علوم الأحياء في العالم الإسلامي.” يُدرس علم الأحياء التطورية في كل من ماليزيا، وإيران، وباكستان، وتركيا. كما تزدهر أبحاث الخلايا الجذعية في العالم الإسلامي. ولكن باستثناء إيران، يتم تجاهل التطور البشري غالبًا في المناهج الدراسية لهذه الدول.

لا ترى بنازور، والتي من المزمع تقاعدها في شهر مايو القادم، أي أمل في التغيير على الأقل في الفصول الدراسية في المغرب. فمع تطبيق نظام تعليمي جديد في جامعة الملك محمد الخامس، سيتم حذف الدورة الدراسية التي تدرسها بنازور؛ تقول بأسى “الفصول الدراسية التي أدرسها حاليًا في برنامج الماجستير هي الأخيرة بالنسبة لي، ولا يوجد بها أي ذكر للتطور.”

قضت ساديا خاطري، الطالبة في كلية ماونت هوليوك في الولايات المتحدة الأمريكية، عدة شهور في المغرب من خلال برنامج  SIT للدراسة في الخارج وكتبت هذه القصة بالتعاون مع راوند إرث ميديا Round Earth Media، وهي منظمة غير هادفة للربح لتعليم الصحفيين الدوليين الموهوبين. كما شارك في كتابة التقرير طارق البركة، الطالب في المعهد العالي للمعلومات والاتصالات في الرباط.




تعليقان 2اكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. نور الدين السافي:

    القول بإمكان تدؤيس نظرية التطور يحتاج إلى التمييز بين أمرين:
    أولا: هل تدريسها سيكون علميا؟ وأيّ ما دة علمية ستتولى هذه المهمة؟
    في هذا السيا لا يوجد أي مانع من تدريسها لأن العملية ستكون بناء علميا صرفا.
    ثانيا: هل تدريسها سيكون فلسفيا؟
    في هذا السياق تظهر جملى من الصعوبات تعود إلى فلسفة العلم من جهة وإلى تكوين أستاذ الفلسفة من جهة ثانية. ةالغالب أن التوده الإيديولودي لأستاذ الفلسفة غالب في توجيه التلاميذ والطلبة. فلو ضمنا أن استاذ الفلسفة سيعالج الأمر على نجو إشكالي لدفع التفكير في المسألة فإن هذه المهمة لا ضير فيها خاصة وأن تاريخ الفكر الإسلامي يحمل زادا علميا ودينا وكلاميا عن نظرية التطور لسنا متاكدين من مدى تعرف أساتذة الفلسفة الموجودين عليها لأن السائد أن هذه النظرية حديثة وهو سائد خاطئ.
    مما يخرجنا من ورطة السؤال هو التأكد من مدى إحاطة اساتة الفلسفة بالمسألة ليس وفق التصورات الحديثة فقط بل والقديمة أيضا إن لم أقل ومعرفة النص الديني والكلامي ايضا لأنها نصوص تجدثت عن المسألة وبإطناب. بل إن مصطلج الخلق نفسه مصطلح متعدد الدلالة وكشف علماء الإسلام والفلاسفة المسلمين الكثير من دلالاته وبينوا من خلاله فكرة نشوء الكائنات مدعمين فكرة التطور قبل ظهورها في العصر الحديث والنصوص الإسلامية عديدة في هذا السياق.

  2. يقول توفيق بن رمضان:

    نعم و لكن يجب تأصيل و أسلمة هاته النظرية و قد قال الله “وقد خلقكم أطوارا”


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام