التعليم “المجاني” لم يعد مجاني!

/ 25-01-2015

التعليم “المجاني” لم يعد مجاني!

إسماعيل كان في قمة سعادته بمجموعه في الثانوية العامة. أخيراً سيتحقق حلمه ويصبح طبيباً. أخيراً سيدخل كلية الطب. البيت مليان فرحة فرحة فرحة. ليس فقط لأن هذا الإنجاز يعني أنه في الرايحة والجاية اللي يسوى ومايسواش حيقولوله “يا دكتور”، ولا لأن هذه فرصة لوالدته لأن تغيظ جارتهم السماوية  الست “أم عيلاء”، لكن لأنه حان الوقت ليستمتع الابن بمزايا التعليم المجاني الذي توفره الدولة.

هو صحيح المدرسة كانت مجاني برضه، ولكن لسبب ما لا يتذكره إسماعيل بوضوح أتى تعليمه الأساسي والثانوي على مدخرات أبيه. فهناك الدروس الخصوصية في الثانوية العامة التي لابد أن يدفع ثمنها وإلا لن يستطيع أن يحقق المجموع المطلوب في الإمتحانات. ومن قبل ذلك كانت هناك سنوات النقل، الذي اضطر أن يأخذ فيها دروس خصوصية أيضاً وإلا سيتم إسقاطه من حساب المدرسين في الفصل. يتذكر اسماعيل كيف كان يساوم على ثمن مجموعات التقوية التي كانت تفرض عليهم وإلا عليه أن يخاطر بأن تضيع منه مادة أو إثنين.

ولكن كل ذلك إنتهى الآن. هو الآن في طريقه ليكون طبيبا” قد الدنيا”. سيقوم على تدريسه أطباء ” قد الدنيا أيضاً”. لن يكون هناك أي نوع من الابتزاز أو الإستغلال.

حسناً، اليوم أول أيام الدراسة، سيذهب إسماعيل ليدفع المصاريف. يا لها من مصاريف مضحكة. والله الحكومة دي زي الفل. آدي المجانية والا بلاش.

بعد المصاريف يبقى بند شراء الكتب. ياللا شكة دبوس.

للأسف الشكة طولت شوية. فبعد أن ظن أنها كتابين تلاتة لكل مادة، اكتشف على مدى امتداد السنة الدراسية  أن الموضوع “أغوط من كده”. فهذا كتاب آخر تبع رئيس القسم لابد من شرائه لأن أسئلة الإمتحانات بتيجي منه. وهذا ملخص لأستاذ “السكشن” عشان أعمال السنة. ده غير الملازم والمذكرات التي لابد منها حتى يكون على مستوى الامتحان.

ثم تأتي الدروس، والمجموعات. فهذا درس للنظري وهذه مجموعة للعملي. ويستمر الموضوع على هذا المنوال لكل مادة على حدة. فمادة التشريح عايزة درس  ثم هناك درس آخر للتشريح على الجثة نفسها، وهلم جر. الدروس الخصوصية التي كانت تعتبر عاراً أيام المدرسة، في الكلية هي أسلوب حياة. لا يخجل منها أحد. بل يسأل كل “طبيب” زميله بحرية :”انت بتاخد مع مين؟”

أصبح شيئا عادياً أن يصبح أوائل الثانوية العامة ضحايا لكل هذا الكم من الدروس. فمعظم خريجي المدارس الحكومية المجانية درسوا اللغة الانجليزية المجانية ليفاجئوا أن الانجليزي المجاني في كلية الطب “حاجة تانية خالص”

تسائل إسماعيل :”إذا كان التعليم مجاني كما يقولون، لماذا تتبخر مدخرات والده وتختفي أساور أمه الذهبية؟”

معلش، هي السنين النظري كده، سنين العملي، رابعة وخامسة وسادسة ستكون الأمور مختلفة. لكن الدروس لم تتوقف، والكتب يزيد سعرها بل و”يزيد جنبها شوية حاجات”.

يتذكر إسماعيل حين ذهب ليمتحن “باطنة” عملي لأول لمرة في سنة رابعة. دخل إسماعيل العنبر الملئ بحالات الامتحان. ولأول مرة عرف المعنى الاخر لكلمة “مريض مزمن”. فهو ليس مجرد مريضاً لديه مرضاً مزمناً، و لكنه أيضا زبوناً دائماً لإمتحانات كلية الطب.

“سمير” واحد من هؤلاء المرضى. هو مريض كبد مزمن و أيضا لديه تضخم بالطحال. كما يعاني من الدوالي مما يجعل منه “حالة سقع”.

يأخذ سمير يد إسماعيل ليضعها على الموضع الصحيح في بطنه ويقول له شوية نصائح عن كل أستاذ ويعطيه نبذة عن  الأسئلة المشهورة لكل واحد من هؤلاء الاساتذة.

“سماعتك حطها هنا”

“إيدك يبقى وضعها كده”

“لو سألك السؤال الفلاني قوله كذا وكذا. لو سألك إيه التحاليل اللي المفروض تعملها تقوله كذا وكذا”

كذا وكذا دي هي مايقوله سمير بلغة إنجليزية سليمة للمطلحات الطبية.

نجح إسماعيل في الامتحان العملي الذي لم يكن له أي علاقة بساعات “الدح” النظري الطويلة. ولكن ماذا كان سيفعل فعدد الطلاب المستفيدين من التعليم “المجاني” أكثر بكثير من طاقة المستشفى والدكاترة والمرضى.

في نهاية الإمتحان العملي جمع منهم النائب الشاب نقودا “عشان العيانين”.

“إعتبرها رسوم إمتحان” قالها له زميله.

بعد هذا الامتحان تعرف إسماعيل أكثر على العالم السري لهؤلاء المرضى خاصة سمير.

سمير مريض قديم، قديم قوي.

في الواقع فإن الأستاذ المساعد الذي يمتحن إسماعيل قد إمتحن هو نفسه على سمير حين كان طالباً.

كان سمير منذ بضعة سنين مجرد مريض “فواعلي” و لكنه الآن الحمد لله ربنا فتح عليه وأصبح “مورد حالات” قد الدنيا.

فهو لا يورد المرضى المحترفين للامتحانات فقط ولكن أيضاً للدروس العملي الذي أصبح إسماعيل مواظبا عليها.

إسماعيل الآن يقترب من نهاية إمتحانات البكالوريوس بعد ستة سنوات من “التعليم المجاني” الذي أفقر أهله أكثر و أكثر.

مازال إسماعيل يتسائل عن هذه الحفرة العميقة التي تبتلع أموال وممتلكات عائلته، من أول كتاب إلى جيوب سمير ورفاقه.

اكتشف إسماعيل أن كل خطوة من هذا التعليم هي خطوة مكلفة ولها ثمنها. ولكنه كان يأمل في أن يعوض أهله عن هذه المصاريف حين يصبح طبيبا “قد الدنيا”.

لكن الطريق كان أطول مما يتخيل. والطابور أمامه أطول مما يتخيل. حتى بعد أن أصبح جراحاً شاباً يعمل مساعداً لأحد الجراحين الكبار. “أجره ” كعضو صغير في الفريق كانت أقل بكثير من أجرة سمير و رفاقه في يوم إمتحان شفوي. كما أن إسماعيل كانت تسند اليه مهام ليس لها علاقة بالطب. فإلى جانب أن الطبيب الكبير كان يعامل “الشغالة”  أفضل منه، كان إسماعيل يقوم بالفصال مع أهل العيانين “الغلسين” ويحصل منهم الأتعاب.  الغريب أنهم كانوا يفاصلونه كأنه سيقوم بتركيب جلدة حنفية وليس كأنه سيقوم بعملية جراحية لفرد من أفراد عائلتهم.

تخطى إسماعيل أول سنتين مع الجراح الكبير بنجاح.

إسماعيل أحواله أفضل الأن. هناك “واد جراح صغير” انضم للفريق فأصبح يقوم بعمله . هو الآن يركز أكثر في الجراحة .

مازال الجراح الكبير يعامل الشغالة أفضل منه و لكن لا بأس. سيقوم إسماعيل بتعويض كل الأموال التي صرفها أبوه عليه بسبب التعليم المجاني.

أما الأحلام الخيالية من عينة الزواج وأن يكون له بيت وأسرة وعيادة والكلام الفاضي ده، فهذا كلام سابق جداً لأوانه. وربما لا يأتي أبداً. فالموضوع لا يتعدى أكثر من لعبة “لوتاري”، يانصيب. فهؤلاء الأطباء المشاهير الذي يحلق الناس بعياداتهم المزدحمة وشغلهم يمين و شمال في المستشفيات هم حفنة من الاطباء على قمة الهرم. أما باقي الهرم وسفحه ومن ينسحقون تحته هم الغالبية العظمى من الأطباء مثل إسماعيل.

لقد اكتشف إسماعيل بعد سنين طويلة جداً أن التعليم المجاني لم يكن مجانياً، وأن الشئ المجاني الوحيد في هذه اللعبة لم تكن الكلية أو التعليم أو التدرب على ممارسة الطب.

الشئ  الوحيد الذي ليس له ثمن كان هو شخصياً.

باسم يوسف إعلامي مصري، أثار برنامجه السياسي الساخر ” البرنامج” جدالاُ واسعاً خلال العامين الماضيين. تم إيقاف برنامجه مرتين إلا أنه سيُستأنف مجدداُ على قناة تلفزيونية جديدة في السابع من الشهر الحالي. 




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام